حوارات المجلة

الفنان التشكيلي السوري ممدوح قشلان للمجلة الثقافية الجزائرية:

رسمت الأم في مئات اللوحات لكنني لم أصل إلى حد الإشباع بعد!!

ضيفنا من الفنانين الرواد الذين عشقوا مدينة دمشق وأبدعوا في نقل تفاصيلها المعمارية العريقة وتقاليدها الاجتماعية إلى متاحف العالم، ولقد أثارت لوحاته الإعجاب والاهتمام بألوانها الحارّة المدهشة ومواضيعها المغرقة بالجمال الإنساني. نتحدث هنا عن الفنان التشكيلي السوري ممدوح قشلان الذي يُعتبر ظاهرة فريدة من نوعها كونه ما زال يرسم ويواصل عطاءه الإبداعي بكل نشاط وحب متخطياً كل الصعوبات والتحديات التي قد تعترض طريق إنسان تجاوز التسعين عاماً!! في هذا الحوار الذي جمعنا به في مرسمه تسللنا إلى قلبه وإلى روحه لنكتشف أننا أمام فنان جميل شغوف يعرف ما يفعل وما يريد ويصر على إيصال رسالته اللونية رغم كل شيء:
حاورته: باسمة حامد

سفير دمشق الأول

المجلة الثقافية الجزائرية: يصفك النقاد بـ”الشاهد على العصر” كونك واكبت الكثير من الأحداث التاريخية الفاصلة في سورية، لكن كيف تتعامل مع واقع الأزمة التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011؟
ممدوح قشلان: لا شك بأن الحرب وأزماتها الاجتماعية والاقتصادية الراهنة تسبّب لي ألماً داخلياً لا يفارقني طيلة الوقت .. لكنني كفنان ومواطن أعتبر أن واجبي الأخلاقي يدفعني لإنجاز أعمال فنية تمثّل الوجه المشرق والجميل لسورية، فلوحاتي تسافر إلى العالم، ولهذا السبب أفصل بين الواقع المأساوي الذي نعيشه جميعاً وبين هدفي الذي أسعى لتحقيقه من خلال (الموضوع، البيئة، الألوان الحارّة، التقاليد التراثية، الأزياء الشعبية، الروابط المجتمعية الأصيلة كالتآخي والتآزر ومسارعة الناس لمساعدة بعضهم البعض .. إلخ).

المجلة الثقافية الجزائرية: يُقال بأن ممدوح قشلان يرسم دمشق “كقصيدة شعر”، كما أن نقاد الفن يطلقون عليك لقب (سفير دمشق الأول).. ماذا تعني دمشق بالنسبة لك؟
ممدوح قشلان: أنا ابن هذه المدينة العريقة.. نشأت وترعرعت في أزقتها وحاراتها القديمة ضمن حي القنوات، في هذا الحي العتيق تشربت من كل شيء أصيل فيها عاداتها تقاليدها أجوائها المفعمة بالتدين والأصول والأخلاق.. على مستوى الشكل كان بيتنا القديم عبارة عن صورة مصغرة لقصر العظم الأثري.. بحيرات مائية وأشجار ونباتات ورود وأحجار ملونة وفسحة مفتوحة على السماء والياسمين وزقزقة العصافير.. لذلك تبقى دمشق هي ذكرياتي الأجمل..هي أمي الحنون التي احتضنتي طفلاً يتيماً وشاباً وكهلاً و فناناً وإنساناً.. دمشق هي معشوقتي الأبدية الأزلية التي سحرتني في وقت مبكر.. وحين أقدمها في لوحاتي أرسمها بحلتها الأجمل..أرسمها كما أحلم بها أن تكون ..

المجلة الثقافية الجزائرية: زرت الكثير من المدن الغربية.. كيف أثّرت تلك الأماكن على تجربتك الفنية؟
ممدوح قشلان: لا شك أن كل المدن والأمكنة التي زرتها أغنت مخيلتي بعشرات المواضيع والأفكار.. وأعطتني الكثير من المشاهد البصرية الجديدة.. أتذكر مثلاً حين زرت اليمن عام 1982 وعدت إلى دمشق أقمت معرضا كاملاً عنه وعن طبيعته الخلابة وشعبه الطيب..وكذلك حين زرت تونس عام 1974 فعلت الشيء ذاته تحت وطأة الشعور بالرغبة الشديدة لهذا العمل..الأمكنة والمشاهد الشعبية تشدني نحوها بشكل غريب..

أمي مصدر إلهامي الأول

 المجلة الثقافية الجزائرية: المتتبع لمسيرتك الفنية يلاحظ أنه لا يوجد معرض لك يخلو من موضوع الأمومة .. يبدو أن هناك سرّ بينك وبين المرأة الأم، ما هو؟
ممدوح قشلان: صحيح.. لكن المرأة بشكل عام هي الملهمة الأولى لأي مبدع، وهي المفتاح لعالم الإبداع لدى الموسيقي والشاعر والأديب والفنان .. أما بشكل خاص على المستوى العاطف والإنساني أعتبر أن أمي مصدر إلهامي الأول والأخير وهذا الأمر له علاقة بشخصيتي ونشأتي، إذ أنني فقدت حنانها في عمر مبكرة جداً حيث توفيت وأنا في الصف الثالث الابتدائي (كان عمري تسع سنوات)، ومازلت أتذكر كيف كنت أكتب وظيفتي وأنا جالس في حضنها .. هذه الصورة المطبوعة في ذاكرتي حتى اليوم تركت فراغاً روحياً لدي ومنحتني طاقة تعبيرية متجددة .. لقد أنجزت نحو 300 لوحة عن الأمومة وأشعر أن بإمكاني إنجاز المزيد وفاءً لذكراها .. وفي الواقع يسعدني جدا حين يقال عن لوحاتي أنها معبرة عن الأمومة.. لكنني حتى الآن لا أشعر بأنني وصلت إلى حد الإشباع في هذا الموضوع، ذاكرتي لا تزال تختزل الكثير من الصور عن الأم وأتمنى أن يسعفني الوقت لتجسيدها في أعمالي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألوانك تتميز بالوضوح والحرارة.. كيف تختار اللون عادةً؟
ممدوح قشلان: الألوان هي وسيلتي المباشرة في الرسم والتعبير.. ولذلك تتغلب الألوان الحارة على حالتي النفسية بل تفرض نفسها حتى وإن كان مزاجي سيئاً أو كنت حزيناً أو مكتئباً.. بشكل عام أحب التلوين وأهرب إلى عالم الألوان بغض النظر عمّا أعيشه أو أراه من كوارث وأخبار مزعجة .. وأحاول قدر الإمكان وبقدر ما تتحمله الفكرة أن تهيمن الألوان على العمل الذي أقوم به..أفضل أن يكون اللون في لوحتي له سطوة واضحة ..لأن فن التصوير و الرسم في النهاية هو عبارة عن ألوان أولا و قبل كل شيء.. وحين تفقد اللوحة ألوانها برأي تفقد معناها وينقص بريقها وتبرد حرارتها ولا تحقق تفاعلها المطلوب..

لا أرسم في لحظة انفعال

 المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تتصيد لحظة الإبداع؟ متى تقرر التعامل مع الريشة والألوان واللوحة؟
ممدوح قشلان: في الواقع بفضل ما تنقله وسائل الإعلام عن مسلسل المآسي العربية المتواصل والمتلاحق..أعتقد أن الانفعالات دائماً حاضرة ولحظة التعبير حارة وجاهزة ومستعدة.. لكنني مع ذلك لا أرسم اللوحة مباشرة في لحظة انفعال تتفجر.. بل أضع عنها دراسة مبدئية وتصوراً أولياً على الورق ومن خلال قلم رصاص.. لا أرسم عشوائياً أبداً بل أفضّل أن أخطط اللوحة قبل البدء بها.. لتحمل في النهاية تصوراتي وأفكاري وأهدافي منها.. يعني أعمل ضمن رؤية مسبقة للحدود التي سأصل بها في لوحتي التي سيشاهدها الكثير من الناس .. ولا أترك ريشتي تخط الألوان على السجية دون الالتزام باتجاهات ينبغي أن تبقى ضمن إطار معين أحدده سلفاً بعد دراسة متأنية ..لكن العفوية لها مساحة أيضاً في أعمالي.. ولعلها تتضح في كثير من الإضافات واللمسات النهائية التي تضفي عليها شيئاً من ذاتيتي الآنية في اللحظات الأخيرة التي أتعامل بها مع اللوحة .. إنها خطتي في الرسم …

الفن تفاعل وتواصل وحوار

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثني عن ذكرياتك كفنان حمل معه مدينته بتفاصيلها المختلفة إلى دول أجنبية كثيرة..
ممدوح قشلان: أقمت حتى الآن 104 معارض في كل أنحاء العالم … ونلت جوائز وتكريمات وأوسمة كثيرة .. وكل دولة زرتها لها ذكريات جميلة عندي .. هناك 15 متحفاً عالمياً اشترى لوحاتي كمتحف (فارنا) على البحر الأسود، ومتحف بلدية (ليل) بفرنسا، ومتحف (الساتير) في بلغاريا (وهو من ضمن أربع متاحف بلغارية اقتنت لوحاتي) و(الساتير) يعني النكتة المُعبّر عنها بالفن وقد نلت جوائز منه وحصلت على المرتبة الأولى فيه ثم دُعيت لمدة سبع سنوات لكي أكون محكّم أو ضيف شرف .. في متحف (الفن الحديث) بالقاهرة أخبروني بأن 16 شخصاً قرروا اختيار لوحتين لي بالإجماع وهي سابقة تاريخية من نوعها وعلى إثرها أصبحت علماً من أعلام الثقافة السورية حيث تم (تنسيبي) إلى عشرات الجمعيات الفنية دون طلب مني ..

 المجلة الثقافية الجزائرية: وما أجمل تعليق سمعته عن لوحاتك؟
ممدوح قشلان: في الحقيقة كثيراً ما سمعت كلمات مؤثرة حول أعمالي ..ذات مرة دعاني محافظ مدينة (روستو) الإيطالية لإقامة معرض هناك وكتب على بطاقة الدعوة :”أريد دمشق تعرض في روستو”، وفي أحد الأيام قيل لي بأن أحد الدبلوماسيين الغربيين قال :”أتمنى أن أرى دمشق كما تظهر في لوحات قشلان”.. في حفل افتتاح معرضي الأول في فنلندا وهي دولة في القطب الشمالي هناك جاءني رجل فنلندي وأخبرني بأنه شاهد لوحاتي في التلفزيون صباحاً وبأنه شعر بالدفء نحوها وقطع مسافة 500 كيلو متر مع زوجته من أجل حضور المعرض وفي نفس المعرض خلع الزوار معاطفهم الشتوية قائلين لي “إن ألوانك بعثت الدفء فينا”!! .. ومرة أرسلت لوحة عن دمشق إلى سيدة إيطالية كنت قد تعرفت إليها بالطائرة خلال سفري من مدريد إلى روما .. أذكر أن زوج السيدة اتصل بي شاكراً لأن بيته الذي يقع في بلدة نائية شمال إيطاليا تحوّل إلى مزار بسبب لوحتي التي شاهدها عمال البريد والجمارك وأصبحت حديث القرية .. أسرد هذه الذكريات لأقول بأن الفن تفاعل وتواصل وحوار ثقافي ولغة عالميـة تسمو فـوق الحدود القومية والإيديولوجية وكل ما حدث معي أعتبره بمثابة التكريم لي .

هذه نصيحتي للفنانين الشباب

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تنصح الفنانين التشكيليين الشباب الذين مازالوا في بداية الطريق؟
ممدوح قشلان: أنصحهم بالابتعاد عن التقليد وبأن يعملوا بأقسى درجات الإخلاص والعطاء والصدق والإحساس الذاتي .. وألّا يتعاملوا مع الفن التشكيلي على أنه موضة .. الفن هو تعبير واستخلاص لمخزون بصري عميق، ومهمة الفنان الوصول إلى أقسى درجات التعبير .. الفن بحاجة إلى تربية وابتكار وإبداع وتمكّن من التقنيات ليكون لكل فنان بصمته المتميزة ورؤيته الخاصة، وهذه العناصر لا تتشكّل بين ليلة وضحاها بل تحتاج إلى سنوات من التدريب والتجارب والخبرة والدراسة الأكاديمية، وأعتقد أن المناخ العام الذي وفرته جائحة كورونا يساعد على تطوير وصقل التجربة الفنية للفنان كونها ضيقت آفاق التواصل وقللت هدر الوقت في أشياء غير مفيدة.

 المجلة الثقافية الجزائرية: بعد هذه المسيرة الحافلة بالعطاء .. ما هي أمنياتك؟
ممدوح قشلان: على الصعيد الشخصي أتمنى عودة الأمن والأمان والازدهار الاقتصادي لبلدي .. أما على الصعيد الفني فأود التأكيد على أن المسيرة الفنية دائماً ما تكون ضبابية بالنسبة لأي فنان .. إذ لا يعرف ماذا سينتج بالضبط في المستقبل .. لذلك تبقى آماله كبيرة لكنها مجهولة .. أنا كفنان أطمح باستكمال بحثي الفني وتقديم كل ما هو جميل ومبتكر مادمت قادراً على العطاء ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق