حوارات المجلة

الأديب السعودي محمد الشقحاء للمجلة الثقافية الجزائرية:

 نحن من حاصر القيم الإنسانية بفكر متخلف حتى لا نسقط، وغيبنا العقل والفكر فسقطنا

محمد المنصور الشقحاء كاتب وقاص ثقف نفسه بنفسه من خلال عمله الوظيفي، حيث أتيحت له الفرصة لرئاسة قسم المكتبات العامة في إدارة التعليم فكان على احتكاك مباشر مع الكتاب. كتب المقال والشعر لكنه انحاز للقصة القصيرة واشتُهر بها واعتُبر أحد روادها في المملكة العربية السعودية، كما شارك بتأسيس العديد من الأندية الثقافية مساهماً بإثراء الحراك الثقافي في بلاده. من أعماله القصصية: (البحث عن ابتسامة) و(حكاية حب ساذجة) (الرجل الذي مات وهو ينتظر) و (الانحدار) (الغريب) و(الزهور الصفراء) وغيرها.. وفي الشعر له (معاناة) و(بقايا وجود)، ومن مؤلفاته النثرية (كلمات حتى نصل) و(أسئلة) و(نعمة الوطن وجفاف المنابع) وهي مقالات في الأدب والحياة والشأن العام. المجلة الثقافية الجزائرية تواصلت مع المبدع محمد المنصور الشقحاء وسألته عن تجربته الأدبية والإنسانية فكان هذا الحوار:
حاورته: باسمة حامد

لم أجد روحي الهائمة إلا في القصة

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف ينظر محمد المنصور الشقحاء إلى نفسه اليوم كإنسان عصامي تنقّل بين وظائف حكومية عديدة، ومبدع رافق الكلمة سرداً وشعراً منذ زمن طويل؟
محمد المنصور الشقحاء: هذه النفس حتى الآن لم أجدها!! أقصد هنا الحقيقة لتنقلها بين العدم والوجود وأنا ألاحقها بالكتابة لعلي اصطادها ونستقرّ..

 المجلة الثقافية الجزائرية: المبدع دائم البحث والتقصي والتجريب والاكتشاف والتفاعل.. لكن هل صحيح أن الكتابة تتمرد على الكاتب حد العصيان أحياناً؟!
محمد المنصور الشقحاء: الكتابة بطبيعتها متمردة بعكس الكلام الشفوي محادثة وشكوى بكاء وضحك. كنت معجب ببعض المطربين وشجن آلات الموسيقى. فقررت أكون شاعر غنائي ففشلت، وجربت المقالة ككاتب اجتماعي فغرقت في البؤس، وكتبت بعض المقطوعات كشعر نثر فلم أجد روحي الهائمة في اللاشيء، فلما وصلت القصة القصيرة تغلبت على صعوبة الكتابة ووجدت قلمي الذي يقاوم الجفاف.

حياتي الشخصية مسالمة

المجلة الثقافية الجزائرية: تجربتك القصصية تتميز بالواقعية والذاتية في إطار تماسك نصي ملحوظ على مستوى الفكرة واللغة.. لكن يبدو جلياً أن تجاربك الخاصة لها الأثر الأكبر ضمن محفزّات ودوافع الكتابة لديك.. إلى أي حد أنت مدين لحياتك الشخصية؟
محمد المنصور الشقحاء: هي واقعية سريالية كيف تشكلت لا أدري ارتباط هذه الخلطة بذاتي كنموذج جاء مصادفة خلقتها حالة اللامنتمي التي لفت نظري لها كولن ولسون، وقلق السأم الذي أوصله لنا البرت مورافيا وارنست همنجواي في الشيخ والبحر وغثيان سارتر مع وجود النص العربي من خلال سهيل إدريس وعبد الرحمن منيف وعبد العزيز الصقعبي.. وهذه التجارب الخاصة هي “قَدَر المصادفة” ألبسها حلم يراودني بين وقت وآخر منذ كنت على مقاعد الدراسة لم أستطع تفسيره، حياتي الشخصية في العمل وفي الشأن الاجتماعي مسالمة لحد الاستسلام وليس الاستلاب.

الطائف هي مدينة السماء

المجلة الثقافية الجزائرية: قصصك تحتفي بالطائف وتاريخها وتغوص في حياة المجتمع السعودي وتتطرق لقضاياه الاجتماعية والثقافية والسياسية.. برأيك هل الإغراق في المحلية يحقق للمبدع طموحه في الانتشار والشهرة؟
محمد المنصور الشقحاء: مدينة الطائف هي مدينة السماء، وكما تقول الأسطورة إنها غوطة من رياض الشام انتزعها ملاك من السماء إرضاء للنبي إبراهيم عندما ترك هاجر في الصحراء بعد غضب سارة لما عرفت أنها حامل بإسماعيل؛ وطاف بها على المكان الذي تركها فيه وزرعها على جبل غزوان أحد جبال سلسلة جبال الحجاز وهي مصيف الجزيرة العربية، وفي الجاهلية كانت خمارة ومصيف قريش وسوقها سوق عكاظ.
والمجتمع العربي السعودي كما هو حديث نجد حكايات وأساطير أفراد من قبائله جذورها عميقة في الأرض قدم قبر أم البشر حواء في مدينة جدة عروس البحر وبناء البيت الحرام والكعبة المشرفة في مدينة مكة المقدسة الذي بنت قواعده الملائكة وأكملها النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، وأتخيل أن المحلية التي هي واقع الكاتب وطموحه هي من تقدم الانتشار ومعه تأتي الشهرة.

القصة سيدة الإبداع الأدبي

المجلة الثقافية الجزائرية: القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية شهدت في السنوات الأخيرة زخماً إنتاجياً كبيراً.. لكن كيف ترى مستقبلها في إطار المعركة مع الرواية والشعر باعتبارك أحد روادها؟
محمد المنصور الشقحاء: القصة هي سيدة الإبداع الأدبي وجذر بقية الأنواع السردية منذ الأزل وبالتالي وجودها أبدي، والساحة الأدبية العربية السعودية يتفق حراكها مدّ أو جزر بالساحات المحيطة بها ولها شخصيتها المستقلة، ولم تترهل كما نجده في الرواية أو في الشعر ومعدلها في البيانات الإحصائية ثابت كما نراه في الببليوجرافيا التي تصدرها مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ومستقبلها أكثر إشراقاً.

 المجلة الثقافية الجزائرية: نلاحظ أن محمد الشقحاء يعتمد على ذاكرته كمتكأ إبداعي مثقل بالهموم والأحلام.. بالعثرات والخيبات والأمنيات، هل تشكّل الذاكرة عبئاً على المبدع لدرجة تجعله يرغب بتفريغها تماماً على الورق؟!
محمد المنصور الشقحاء: الذاكرة بئر مخزونها لا ينضب وإن تقدم العمر وتغير المكان، فروافدها ملهمة بما تحمله من أحلام وقلق وهاجس وكوابيس، أجد معها ما يغذي الفراغ الممتد بين محطتين في حياتي المحطة الأولى حافة العدم والثانية مقهى الوجود التي يلفت انتباهي الضجيج والهرج المتصاعد في زواياه.

الحب بكل أشكاله شعور إنساني راقي

المجلة الثقافية الجزائرية: في (البحث عن ابتسامة، حكاية حب ساذجة، مساء يوم في آذار، انتظار الرحلة الملغاة) وجدنا أن الحب يحظى بمكانة بارزة ضمن حالات اجتماعية كثيرة ونماذج إنسانية مختلفة، لكن كيف يستطيع المبدع تناول هذا الموضوع دون إسفاف أو ابتذال أو مبالغات عقيمة؟
محمد المنصور الشقحاء: هنا تأتي ثقافة المبدع ليست الرقابية ولكن الفنية والانتماء الوجداني للوطن وقيمه الاجتماعية كفرد يشعر أن الحب بكل أشكاله شعور إنساني راقي كما هو سلوك تواصل اجتماعي يحمل القيم الفاضلة.
قد أكون تجاوزت في بعض النصوص الفكر الرقابي ووجدت النشر أو الطبع في بيروت سكينة روحية معها اكتفيت بأن أجد كتابي متنقلاً مع معرض الكتاب من قطر لقطر، وسهّل النشر الالكتروني وصوله لكل ركن في هذه المعمورة. صحيح المؤلف يخسر مادياً لكن هذا لا أجده اليوم عائقاً، فأنا ما زلت من عشيرة الهواة ولم أصل لدرجة الاحتراف.

الجسد الذي وظفته في نصوصي لا يهدّد القيم

 المجلة الثقافية الجزائرية: الجسد حين يدخل عالم الإبداع –كما تعلم- ينفلت من معناه الدقيق إلى دلالات كثيرة، ما الاعتبارات التي وضعتها في ذهنك حين بدأت الكتابة في (تداعيات أنثى تصالحت مع جسدها)؟
محمد المنصور الشقحاء: قصة (تداعيات أنثى تصالحت مع جسدها) جاءت وفق حالة لها علاقة أسرية، وحالة جذبتني في لحظة غياب فقدت فيها الرشد هي جاءت بحضور بعض أفراد أسرتها ولتتركني في محطة مهجورة أنتظر وسيلة نقل للعودة، فجاء تجانس باقي قصص المجموعة معها يتسامى خلالها الموت والفقد والضياع من خلال جسد أنثى هواجسه الجذر والإضافات فروع هشة بعضها جاف وبعضها ندي معها تكونت الأنثى واختفت المرأة.

المجلة الثقافية الجزائرية: نصوص المجموعة بُنيت على ثيمة (الجسد) في سياق لغوي متخيل، مفعم بالإيحاءات والصور الحسية .. ما الذي دفعك لاختراق هذه الثيمة التي تُعتبر تابو يخترق القيم ويهددها من وجهة نظر المجتمع؟!
محمد المنصور الشقحاء: الجسد عندي ذلك الذي خلقه العقل الباطن وليس المشاهد الواقف أمامي بكل تفاصيله ومكوناته، ولذا هذا الجسد هو من وظفته في نصوصي متخيلاً الحدث الذي يتشكل من تحركه، الذي لا يهدّد القيم ولكن ليقول أن هذه القيم التي أنتم صنعتموها للحدّ من حرية الإنسان استطاع هذا الإنسان أن يستغلها ليروي عطشه.

الثقافة رقي ومعرفة

 المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من قصصك تصلح أن تُعدّ رواية بفصول متعدّدة، مع ذلك لم تدخل مغامرة الرواية سوى مرة واحدة.. لماذا؟
محمد المنصور الشقحاء: وهي رواية قصيرة نشرت الكترونياً، وأحاول نسيانها بعد تجريب مغامرة كتابة النص الروائي، واعترفت أني فشلت لعدة أسباب فنية وعملية، غالبية قصصي الزمن طويل بشخصيات أكثر معها أتخيل أنها رواية قصيرة وليست قصة قصيرة وهذا غفل عنه من درس نتاجي القصصي.

المجلة الثقافية الجزائرية: في (التحلي) و (السكينة) و(المحطة الأخيرة) حذرت من التدهور الأخلاقي والقيمي الحاصل في مجتمعاتنا.. ما جدوى الثقافة إذا كانت القيم الإنسانية محاصرة في زاوية ضيقة؟!
محمد المنصور الشقحاء: الثقافة رقي ومعرفة ونحن من حاصر القيم الإنسانية بفكر متخلف وعمل لسلف تمسكنا به حتى لا نسقط، وغيبنا العقل والفكر فسقطنا، العالم اليوم يسكن غرفة واحدة مساحتها أربعة أمتار في أربعة، ولكننا قسمناها بجدران إسمنته وعوازل من الحديد ولا ندري ماذا يحدث خلفها وإن سمعنا الصراخ وارتفاع الصوت كخصام وتناحر.
مجموعة (التحلي) و (السكينة) جاءت التسمية من المدرسة الصوفية، وأيضاً أسماء بعض القصص من الألفاظ المتداولة بين أرباب هذه المدرسة، التحلي هي صفات الإنسان والسكينة (ما يجده القلب من الطمأنينة) وهي إشارات للعودة لجبلتنا. أما قصص مجموعة (المحطة الأخيرة) فهي بقايا فترت مدينة الطائف التي غادرتها هارباً من شيء أجهله لألتقي بمن تبقى من أسرني في الرياض بيت العرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق