الكسندر سار *
ترجمة : عبد الوهاب البراهمي
“ليس طموح فلسفة برنار ستيقلر أقلّ من التفكير في التقنية “بوصفها أفقا لكلّ إمكانية الحضور وكلّ إمكانية لمستقبل “. (الكسندر سار)
” لقد جدّد برنار ستيقلر الكثير في معجم ومفاهيم التفكير بخصوص الأوضاع الراهنة، بما قد يجعل من الصعب قراءته في بعض الأحيان. إذ كان يخترع قاموسه وهو يمشي”( أ. كونت سبونفيل)
قبل أن أبيّن لكم فيم أصبح بارنار ستيقلر، في نظري، مرجعا لا محيد عنه بالنسبة إلى مجال عملنا (الإعلامية) ، عليّ أن أتخطّى صعوبة التقديم، في دقائق، لعمل هو من الثراء بمكان، عمل جدّ مركّب وعميق أيضا. جدّ ثرّي ، إذ هو يلامس عديد المجالات : الفلسفة والتقنية، وفلسفة الإدراك، والاستيتيقا والنقد الاجتماعي- السياسي، وتحليل وسائل الإعلام والتقنيات الرقميّة… بالإضافة إلى كونه عملا وفيرا تكوّن فيما يناهز الخمسة عشرة سنة، مُدركا بعدُ عشرين أثرا (خمسة أعمال ظهرت في سنة 2006 لوحدها ! ) وقد تواترت إنتاجات ستيقلر هذه السنوات الأخيرة، بعملين كلّ سنة. دون اعتبار المقالات التي لا يحصرها العدّ، والنصوص والمحاضرات والمقابلات الخ ..ومن المستحيل هنا تلخيص ثراء فكري و بمثل هذه الكثرة في النشر. لاسيما أنّ هذا الإنتاج الفكري هو من التعقيد النظري بمكان: فقراءة كتب ستيقلر هي أبعد من أن تكون مهمة سهلة، كما أن المعجمية الفلسفية والأسلوب معقدّ أحيانا، تنضاف إلى ذلك صعوبة فعلية للمفاهيم المستخدمة. بالإضافة إلى تعدّد المصادر التي استلهم منها ستيقلر والتي تُظهر اتساع فكره: فيها نجد فلاسفة التقنية ، سيموندان، لوروا – قرهان وبرتراند جيل ، وهوسرل ونظرية الإدراك، وكانط ونظرية المعرفة ، ولكن أيضا داريدا ( الذي شاركه نشر كتاب)، ودولوز( بصورة أكثر جزئية) ، وحديثا فوكو. يتعلق الأمر مع ستيقلر بفيلسوف أصيل، في المعنى الذي يشير إليه دولوز، أي فيلسوف يبتكر المفاهيم ، أي نسق فكري ، والذي لا يكتفي بالتعليق على سيرورة العالم. إنّ صعوبة المهمّة في النهاية أمام عمق هذا العمل وهذا الفكر : أنّ الأمر يتعلّق فيه بالأصل المقترن للإنسان والتقنية، بنظرية التحفّظ أو الوضع بين القوسين (rétention )وبالإدراك المقتبسة من هوسرل، بنقد التلفاز والتسويق، وبفكرة التفريد l’individuation وبتحليل الرأسمالية النزوية capitalisme pulsionnel أو الدفاع عن المدرسة، وكل عمل ستيقلر متّسم بمقتضى عال من الدقّة والاهتمام وذلك بالرجوع إلى أصل المشكلات. الأمر الذي يجعله دون شكّ أحد أعظم الفلاسفة الراهنين. إنّ هذا العمق في الرؤى وهذه الجذرية جعلت منه أحد المحللين الأكثر وضوحا والأكثر دقّة للأزمة الحضارية المعاصرة. وبالرغم من أنّ نقده قد يبدو أحيانا كثير التشاؤم، بل كارثيا، فلا أحد بإمكانه إنكار إلى أيّ حدّ هو صائب في تحديد أهدافه.
قبل تقديم أبرز مفاتيح مقاربته ، وخشية اختزال لا مفرّ منه ، يمكن الكشف ، ضمن عمل وفكر ستيقلر ، عن ثلاث أبعاد متداخلة تداخلا شديدا ، وإبراز ما يعتمل فيها من تأثيرات وهي التالية:
– بعد فلسفي، هو بالطبع أوّليّ ( مع الأجزاء الثلاث لكتاب ” التقنية والزمن” ) والذي يقيم فيه تداخلا بالخصوص بين فلسفة التقنيات ، والتفريد والمعرفة والإدراك ؛ يستحضر ستيقلر هنا سيموندان ، لوروا- قورهان ، برتراند جيل و روسّو هيدجر ، داريدا وفوكو وكانط ؛
– البعد ” الاجتماعي – النقدي” ، لوسائل الإعلام والتسويق : يبدو هذا النقد انطلاقا من 2002 ولم يكفّ عن التطوّر ضمن آخر أعماله ، مع نقد التسويق، والتيليقراطية (سلطة التلفزة) télécratie والشعبوية الصناعية، وصناعة البرامج، الخ؛ يطوّر ستيقلر مقاربة أصيلة، مستلهما في ذات الوقت من التحليل النفسي لفرويد (مستعيرا منه لأجل نظريته في الدوافع) ومن مدرسة فرانكفورت ( أدرنو ، ماركوز) من télécratie أجل الدفاع عن الثقافة ونقد وسائل الإعلام الجماهيرية؛ ويعود أيضا إلى فوكو ، مع مقولته ” السلطة – النفسية” التي يميّزها عن ” السلطة – البيولوجية” الفوكوية.
– وأخيرا بُعْدٌ يمكن أن نصفه بالسياسي، وهو مدعوّ بالتأكيد إلى مزيد التطوير : مع نقد الديمقراطية التشاركية ، وفكرة ” سياسة تكنولوجيات الفكر” ، وتقريظ المدرسة بوصفها مؤسسة برنامج، خاصّة مع جمعية ” آرس انديسترايليس(1) Ars Industrialis التي أسسها رفقة فلاسفة آخرين، ينخرط ستيقلر أكثر فأكثر ضمن النقاش العام، بالتأكيد بصورة ” سياسية” مباشرة ، ولكنّه لا يكتفي بان يكون فيلسوفا عميقا أو كاتبا لامعا.
علينا، حتى يكتمل الوصف، أن نؤكّد أيضا على البعد الثقافي أو الاستيتيقي المتعلّق بالسينما والسمعي البصري والموسيقى والذي يتمظهر خاصّة في أعماله وتفكيره، خلال مروره بإدارة (l’INA) حيث كان مديرا مساعدا) وبـ ، l’IRCAM واليوم بقسم التنمية الثقافية لمركز جورج بونبيدو
أبرز النقاط الرئيسية لإشكاليات برنار ستيقلر
كيف لنا أن نوجز مثل هذه الإشكالية التي تقيم حوارا بين أفلاطون ولوروا- قورهان، وبين داريدا وفوكو وهوسرل وسيموندان ، بين ماكس فيبر وفرويد؟ فكر التقنية، ونظرية التحفّظ ومقاربة مسارات التفريد وتعريف الرأسمالية ونظرية الليبيدو، الخ ، التي تتقاطع وتتشابك ويستدعي بعضها بعضا ضمن تمرين للفكر رفيع المستوى. سأحاول إيجاز الحديث في شأن هذه الإشكالية بالتأكيد على بعض النقاط الرئيسيّة ، التي ترسم كما يبدو لي ما هو أساسيّ.
نقطة الانطلاق: الزوج إنسان- تقنية، إعادة تأهيل أو استخدام مفهوم التقنية la tekhnè.
لو أمكن لنا اختصار فرضية التأسيس فسنقول في البدء كانت التقنية. توجد صيرورة للتقنية لدى الإنسان ، ويجب أن نفكّر في البناء المتزامن للإنسان – التقنية:” كل شيء تقنية . يتعلّق الأمر بعدم التقابل بين الإنسان والتقنية. يوجد تكوين انتروبولوجي من حيث أنّ صيرورة الإنسان تختلط مع صيرورة العالم والموضوعات. ففي الانتقال من الزنجانثروب إلى النينثروب Zinjanthrope au Néanthrope ،فإنّ توقّف النموّ القشري l’évolution corticale كان متزامنا مع أوّل ظهور للتقنيات. و يضع برنار ستيقلر مسلّمة ، في مقابل كل فكر كاره للتقنية، وكذلك كل المنحازين إلى التقنية، وفي مقابل كل المشاركات الكبرى ” بين الإنسان والطبيعة ، والتقنية والثقافة ، في سلسلة لوروا- قورهان، هي تشابك الإنسان والمادّة، وتشابك التكوّن الانتروبولوجي والتكوّن التقني anthropogenèse et technogenèse فالتقنية هي ” استمرار الحياة بواسطة وسائل أخرى غير الحياة”(2). تستتبع هذه المسلمة نتيجة نظرية أساسية : ضرورة التفكير في أغلب الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية والعرفانية …انطلاقا من هذه البناء المتزامن للإنسان والتقنية وخاصّة انطلاقا من تنكولوجيات الذاكرة ” الهيبومنيماتا hypomnémata. وذلك بالتنافي مع الأطر الفكرية المهيمنة، المتميّزة بلامفكّر فيه تقني في الفكر الغربي ، والذي يمكن أن نعود به إلى أفلاطون واتهامه الكتابة في الفيدروسPhèdre .
الأنماط الثلاث للذاكرة التكوينية النوعية للفرد l’épiphylogénèse بوصفها شرطا للحضارة :
إنّ التقنية، من حيث هي نتيجة لما سمّاه لوروا- جورهان سيرورة التخارج le processus d’extériorisation ، هي هنا ضمنيا بنية الذاكرة . والنقطة العُقَدِية الثانية لفكر ستيقلر هي نظرية الذاكرة : إذا كان كل شيء تقنيّا، فالتقنية هي أيضا وقبل كل شيء ذاكرة ، ذاكرة إجتماعية وذاكرة “تكوينية نوعية فردية” « épiphylogénétique “، وفق المفهوم المبتكر في كتاب ” التقنية والزمن”. بماذا يتعلّق الأمر ؟ يوجد، حسب عالم بيولوجيا التطوّر، أوغست ويزمان August Weismann ذاكرتان:
– ذاكرة جينية : ( الجيبنوم le génome) ، وذاكرة النوع والمسمّاة ” ذاكرة نوعية تكوينية phylogénétique ( من عبارة فيلوم phylum ، وتعني السلالة la lignée)
– ذاكرة جسدية ، عصبية ، فردية خاصّة بكل فرد وتسمّى ” ذاكرة تكوينية فردية” épigénétique. ( من épi أي فرد وgénétique أي تكويني).
“يضيف” ستيقلر لهذين الذاكرتين ذاكرة ثالثة : الذاكرة التقنية ، تلك التي يسمّيها لوروا – جورهان بعدُ : ذاكرة اجتماعية في اتساع أو انتشار” « mémoire sociale en expansion » ، ويسمّيها ستيقلر ” ذاكرة تكوينية نوعية فردية”« mémoire épiphylogénétique », ، ذلك أنها تشير إلى العلاقة التي تقيمها التقنيات بين أنماط الذاكرة الفردية ( épi) وذاكرة النوع (( phylo :” إنّ الذاكرة التكونية النوعية للفرد” هي حاصل تراكم، ديناميكي تكويني صرف أو تخلّقي morphogénétique ( phylogenèse) للتجربة الفردية ( épi) ، تشير إلى ظهور علاقة جديدة بين النظام العضوي وبيئته التي هي أيضا حالة جديدة للطبيعة “. (3)
إنّ مفهوم ” الذاكرة التكوينية النوعية للفرد” أساسي لفهم ستيقلر، إذ فيه يكمن النصيب الأوفر من إشكاليته. وبالفعل، فإنّ الذاكرة النوعية التكوينية للفرد، بالنسبة إلى ستيقلر، والمتكوّنة من كلّ المصنوعات أيّ كانت ( منذ الحجر الصوّان الأوّل إلى الحواسيب)، هي مكوّنة للبشرية ومؤسسة للحضارة، بما أنّها هي التي تسمح، لا بحفظ وتخزين الحركات الإنسانية في الماّدة ( حجر الصوّان الذي يحفظ ذاكرة حركات الصقل)، فحسب، بل أيضا نقل كل علم وكل معرفة، مجسّدة في حوامل supports الذاكرة. ” لا يوجد عرفان بالمعنى الدقيق للكلمة، أي اختراع لعلوم ومعارف إلاّ منذ اللحظة التي تظهر، إلى جانب أنماط الذاكرة الداخلية للنوع (germinale بذرة النوع) و الجسديةللفرد( somatique )، ذاكرة ثالثة ، خارجية وتقنية ، تسمّى ” ذاكرة نوعية تكوينية للفرد” épiphylogénétique ” ، تندمج وتتداخل مع الذاكرة العصبية للفرد البشري ( تكوينية فردية ) (épigénétique) ومع الذاكرة البيولوجية للنوع البشري ( تكوينية نوعية أو جينية ، سلالية) (phylogénétique)” (4)
إنّ الذاكرة التكوينية النوعية للفرد حسب ستيقلر هي مكوّنة لمسار الحضارة على طرقتين: من جهة بالتمكين من ظهور أشكال جديدة للعلم ونقل مخزون من المعارف ( عبر الذاكرة الاصطناعية أو التقنية hypomnémata )، وبتعبير آخر بالتمكين من الثقافة و” حياة الكفر”؛ ومن جهة أخرى، بجعل مسار التعالي أو التسامي sublimation وتغيير الطاقة الليبيدية ممكنا ( أنظر فرويد)، بواسطة ” قدرة الليبيدو على التثبيت على أيّ موضوع رغبة “. إنّ التقنية هي ما يسمح للإنسان بخلق موضوعات تقنية، موضوعات قابلة للنقل، وهذه “القابلية للنقل للموضوعات التقنية هي التي تؤدّي إلى قابلية نقل موضوعات الرغبة”، قادرة على التقاط وتثبيت الطاقة الليبيدية؛ ويجب ، حتى يوجد تعالي أو تسالمي ” تجرّد الموضوع الجنسي”( 5) ، أن يتمكن الطاقة الدوافعية أو الغريزية، والطاقة الليبيدية أن تثبت على موضوعات رغبة أخرى.
إنعاش أنماط الذاكرة التقنية
إذا ما وقع المزج بين الذاكرة التكوينية النوعية الفردية مع التقنية ومثّلت الشرط الأوّل للحضارة ، فيجب أن نميّز، من بين الأدوات، تلك التي تخدم بالخصوص الذاكرة، و إنتاجها ونقلها، والتي يسمّيها ستيقلر، بعد أفلاطون وفوكو، الذاكرة الاصطناعية أو التقنية hypomnémata ، لفظ يعود إلى الإغريق القديم ويعني حرفيّا ” ذاكرة فرعية sous-mémoire “. ولابد أن نعود هنا إلى الأصول أي إلى سقراط. يميّز سقراط بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة حيّة mémoire vive أو ” أنامناز” anamnèse ( من ána, أي عودةremontée و mnémè أي ذكرى souvenir)، التي هي ذاكرة النفس وتعني جهد الفرد ، واستعادة الذكرى. الذاكرة الحيّة أو ” أنامناز” هي بالنسبة إلى سقراط حامل المعرفة والفكر الفردي ( وهي التي تمنع من أن يصير الفرد فاقدا للذاكرة amnésique) وهي الضامن للحريّة. هذه الذاكرة الحيّة تتقابل مع ” الإيبومينيزيس” l’hypomnesis الذاكرة الاصطناعية بما هي مجرّد تذكّر remémoration ، ذاكرة تقنية ، ذاكرة مَيْتة ،” التي تقصر دارة الدوائر الطويلة لسيرورات الذاكرة الحيّة ( أي إعادة اكتشاف النفس الخالدة للحقيقة) و التي ترسّبت المعرفة بالنسبة إليها في الموضوعات.” (6)
وعلى خلاف أفلاطون، في المحاورة المشهورة فيدروس Phèdre التي تحتوي على الاعتراض الأكثر جذريّة على الكتابة بوصفها ذاكرة اصطناعية hypomnèse والذي يقيم تقابلا بين الذاكرة الحية anamnèse والذاكرة الاصطناعية أو التقنية hypomnèse، ذاكرة حية وذاكرة ميتة ، يعيد ستيقلر تأهيل الذاكرة التقنية أو الاصطناعية les hypomnémata بأنماطها، بجعلها بالذات شرطا لكلّ نقل أو توريث. فتقنيات أو أدوات الذاكرة التقنية mnémotechniques في تنوّعها هي شرط انبثاق المعارف، مثلما يبيّن ذلك مثال الهندسة ، المشروط بالكتابة الأبجدية – ولكن أيضا أمثلة التاريخ والحقّ الخ ..). فهي( أي هذه الذاكرة التقنية ) لم تكفّ عن مرافقة وتشريط وهيكلة الأنماط وأشكال المعرفة ، منذ لوحات الطين وصولا إلى الواب web والمحامل الجديدة للذاكرة. فالأبجدية ولوحات السومريين والكِتاب وكتب الحكايات وأقراص الفيديو الرقمية والأقراص المحمولة clés USB, وشبكة الانترنت ولكن أيضا الرقائق الإلكترونية ونظام تحديد المواقع، هي ذاكرة تقنية أو اصطناعية hypomnémata ، ومحامل للذاكرة، بدونها ليس هناك معرفة ونقل ممكن للمعرفة، ولا حتى فكر. ” ما من فكر خارج هذه المحامل” (7)، وهذه جملةٌ مفتاح أخرى لستيقلر. وإذا ما كان ستيقلر يرفض التقابل الأفلاطوني بين الذاكرتين، فإنّه يذكّر بأنّ التمييز بين الذاكرة الحية ” انامناز” والذاكرة التقنية” إيبومناز” يجب أن يحافظ عليه بالطبع وأنه لم يُطرح بشكل حاد مثلما يطرح اليوم :” إنّنا نعيش في عصر امتداد خارق للعادة للذاكرة الحية التقنية في كل المجالات وفي كلّ ضروب الحياة(…) . نعيش ثورة ذاكرة حيّة حقيقيّة وجزء كبير من التوتّرات التي يمرّ بها العالم في الوقت الحالي هو ناتج عن هذه الثورة.”(8)
هذا الاستنتاج ليس بالتأكيد جديدا وقد أكّد العديد من الباحثين بعدُ إلى أيّ حدّ لم تكن الانترنت سوى عَدْوَى وبالخصوص تسريعا،” لحركة الاستعانة بالذاكرة، التي بدأت مع اختراع الكتابة”. (9) يمكن لكل ّ شخص في مستواه كفرد أن يقيس هذه الأهميّة الحاسمة للحوامل الجديدة للذاكرة، منذ مذكّراتنا agendas التي تنظّم اليومي لدينا وصولا إلى التوثيق الممكن للجينوم génome بواسطة غوغل، مرورا بعالم التوثيق الحالي ومجموع آثارنا. تشكّل الذاكرة الحية والذاكرة التقنية باستمرار، علاقات جديدة وأحد التحديات الراهنة والمستقبلية أيضا، وبالخصوص التفكير من جديد في هذا التشابك بين نوعيْ الذاكرة. كيف يمكن الدفاع مثلا عن الذاكرة الحيّة، وعن الاستذكار والجهد في التذكّر، وبعبارة أخرى في القدرة على الحفظ للذاكرة الشخصية، ضدّ تسهيلات الذاكرة الميتة؟ ستكون مقاومة النسيان، وفقدان الذاكرة الفردي والجماعي ، دون شكّ أحد التحديات الكبرى الانتروبولوجية للغد.(10)
أخيرا، إنّ مسألة الذاكرة التقنية مسألة مركزية، ذلك أنّه وبظهور تكنولوجيات جديدة عرفانيّة ، يحدث تغيّر جذريّ لتنظيم المعرفة، وهو أمر بدهيّ الآن؛ وما هو أقلّ بداهة ، ويجب أن يقع التذكير به باستمرار، هو الرابط الذي لا ينفصم بين المجتمع، والتقنيات والمعرفة، أي بين التكوّن الاجتماعي sociogenèse، والتكوّن التقني technogenèse والتكوّن المعرفي :” التكوّن الاجتماعي ، أي شرط ظهور كائن اجتماعي ، والتكوّن التقني هو ( لا يوجد مجتمع بشري دون تقنية وأشكال الاجتماع مرتبطة بأشكال الأنظمة التقنية)، والتكوّن التقني هو في ذاته تكوّن معرفي ( أشكال المعرفة تنمو بمعية أشكال الأنظمة التقنية” ( 11).
خراب “الرأسمالية النزوية” واقتصاد الرعاية الجديد
يطوّر برنار ستيقلر منذ سنوات عديدة ( خاصة مع نشر لـ” أن نحبّ ، نحبّ أنفسنا، نحبّ بعضنا بعضا” عام 2003)، كتابا بعد كتاب، وهذا انطلاقا من مقاربته للظاهرة التقنية، نقدا جذريّا خاصا لما يسمّيه “الرأسمالية النزويةّ capitalisme pulsionnel وآثارها:
– أزمة نرجسية أولية تحت تأثير مسارات اللاتفريد désindividuation ، المتولّدة عن الرأسمالية الجديدة ( خاصة في كتاب : نحبّ ، نحب أنفسنا ، نحبّ بعضنا بعضا” في 2003)، مع تحليل سياسيّ أصيل يربط هجمات 11 سبتمبر، انتخاب الجبهة الشعبية يوم 21 أفريل 2002 ومجزرة نانتار بفعل ريتشار ديرن ؛
– هيمنة ” البؤس الرمزي”، الناتج عن صناعة البرامج ( في جزئي ” البؤس الرمزي” عام 2004و 2005)؛
– أزمة التسامي، والتثبيط démotivation وانهيار الرغبة تحت الضربات القاتلة لوسائل الإعلام، المنشغلة بالتقاط ” الوقت المتاح للدماغ” ( خاصة في جزئي كتاب ” تأسيس أوروبا” 2005)؛
– انحطاط قيمة الفكر” تحت تأثير ” الشعبوية الصناعية” والدعوة إلى انتفاضة عامّة من أجل “أن نعيد للعالم سحره” ، بتطوير ” سياسة تكنولوجيات الفكر” ( في كتاب “أن نعيد للعالم سحره” 2006) ؛
– نقد سياسي وفلسفي لهيمنة ” التيليقراطية، سلطة التلفاز”، زمن الحملة الانتخابية الرئاسية برفض كل من ساركوزي وسيقولان روايال ، المتهمين بالتوجّه إلى ” الرغبة المتألمة ” للفرنسيين على نحو نزوي ( في ” التيليقراطية ضدّ الديمقراطية ” ، 2006) ؛
– “تدمير الجهاز النفسي اليافع” ، “أزمة الجهاز النفسي اليافع” ، ” أزمة الانتباه” ، بالهيمنة على السلطات النفسية الجديدة، التي تجعل من الأطفال مُوجّهين لآبائهم، أزمة المدرسة بوصفها ” نظام رعاية”، بسبب صناعات البرامج ‘في كتاب ” العناية بالشباب والأجيال ” منشور سنة 2008)؛
– تعميق تحليل رهانات التقنيات المعاصرة والسلطات النفسية ، التي يقدّمها التسويق( في كتاب ” اقتصاد المادي المفرط والسلطة النفسية” منشور سنة 2008) .
ثمّ إنّ هذه القائمة غير مكتملة! إنّ الجهاز النقدي الذي بناه برنار ستيقلر جهاز ضخم ويوفّر مفاتيح عدّة ، أصيلة ودقيقة ، من أجل تحليل وفهم عدد معين من الظواهر الراهنة.
سأقدّم النقاط الرئيسية لهذا على شكل بعض الحقائق، المختصرة بالضرورة :
– نحن نحيا منذ الآن، بطريقة لا رجعة فيها، في مجتمع مفرط التصنيع، تهيمن عليه رأسمالية الخدمات التي بواسطتها أصبحت عقلنة سلوكات المستهلكين ( أي الحِسابية والتوصيف والمراقبة..في آن واحد) هي الهدف الأساسي. تعود هذه المكانة الأولى التي احتلها المستهلكون على حساب المنتجين إلى بدايات القرن العشرين وتردّ إلى ضرورة التخلّص من مخزون السلع والمنتوجات ، المصنوعة بكميات كبيرة ( مثلما توضح ذلك نشأة وتطوّر الإشهار في سنوات 20-30 في الولايات المتحدة ). ترتكز رأسمالية الخدمات على الطاقة الليبيديّة ، أي على الرغبة التي يجب الاستحواذ عليها وتكييفها وتقنينها في اتجاه استهلاك المنتجات الصناعية. يستند هذا الاستحواذ والمراقبة لرغبات المستهلكين، اليوم إلى مجموع تكنولوجيات الفكر. ذاكرة تقنية hypomnémata, ، انطلاقا من وسائل الاتصال الجماهيرية إلى حدّ الانترنت، ويستند إلى تقارب الصناعات وتكنولوجيات الإعلامية، والسمعي البصري والاتصالات، تنضاف إليها اليوم البيونيك أو الإلكترونيات وتكنولوجيا النانو. la bionique et les nanotechnologies . بيد أنّ ” خضوع تكنولوجيات الفكر لمعايير السوق فقط، تجعلها تحافظ على وظيفة تكنولوجيات المراقبة ، وفي خدمة ” مجتمعات المراقبة” و” تمنع من النفاذ إلى هذه التكنولوجيات من أجل غاية أخرى”.( ستيقلر ، أرس اندستريال ، إعادة السحر للعالم، قيمة فكر ضدّ الشعبوية الصناعية. باريس فلاماريون 2006). إنّ نتائج هذه المراقبة للرغبات وإخضاع تكنولوجيات الفكر لأوامر المردودية نتائج مأساوية، في الآن نفسه على الصعيد الاجتماعي والفردي والتربوي والعرفاني. وبالفعل ، ” فقد انتهى هذا التصوّر لليبيدو إلى هدمها، وُيشكّل هذا الحدث الهام تهديدا كبيرا للحضارة الصناعية : فهو يقود ضرورة، في النهاية إلى أزمة اقتصادية عالمية لا سابق لها”.(بيان ارس اندسترياليس)
وبتعبير آخر، فإنّ الرأسمالية، باستحواذها على الليبيدو، ورغبة المستهلكين، تنتهي إلى هدم هذه الرغبة فتصبح نزوية، وتجد نفسها بموجب ذلك مهدّدة بتهديم ذاتي. ما ينفكّ ستيقلر عن التنبيه إلى هذا التهديم الذاتي للرأسمالية المعاصرة، بتراكم الأزمات والفوضى من كلّ نوع، الناتجة عن انهيار هذه الرغبة.
إنّ التهديدات الثلاثة الأبرز هي موضوع تحليل وتحذير متكرّر في مختلف مداخلات بارنارستيقلر: فقدان التفريد individuation، وأزمة الانتباه لدى اليافعين و”التقليل من قيمة الفكر”. إنّ هذه الظواهر ذات الأثر الدراماتيكي تتشابك وتترافق وتسند بعضها بعضا، لتخلق الأساسي في أزمة الحضارة المعاصرة. إنّ ضياع التفريد يشير إلى مجموع الظواهر الناتجة عن تزمين الوعي تحت تأثير صناعات البرامج، وتنميط السلوك، والتقاط الطاقة الليبيدية بالتسويق. تسلب رأسمالية الخدمات المستهلكين من معرفة كيفية العيش، ومن تفرّدهم بعد أن سلبت المنتجين من مهارتهم. وبالفعل تنتهي الرأسمالية النزوية، بواسطة حسابية التصرّفات، إلى تدمير ما يسمّيه ستيقلر مسار التفريد النفسي والجماعي. لقد نُحِتَ مفهوم التفريد النفسي من طرف جلبار سيموندان عام 1958 ( 12) وهو مفهوم يحتل مركز عمل هذا الفيلسوف الكبير للتقنية والتفريد. الذي يحتلّ أهمية كبيرة في فكر ستيقلر، الذي يستشهد به في كلّ كتاباته. كيف نفسر بإيجاز هذا المفهوم؟
يفسّر سيموندان بأنّ ” التكوين النفسي للفرد هو مسار، وتيّار ضمن علاقة مع بيئة اجتماعية وتقنية سابقة له، وعلى نحو ما يعبّر التفريد النفسي عن نفسه دائما – إيجابيا أو سلبيا- بواسطة تفريد جماعي”.(13) يفسّر ستيقلر الرابط بين التفريد النفسي والجماعي:” يبيّن سيموندان أنّه، حتىّ أتفرّد، يجب أن يشارك تفريدي مسار التفريد الجماعي ، أي تفريد النحن، إذ ، من حيث أني أنا ، أجد نفسي بعدُ دائما منخرطا. فلا أوجد إلاّ في فريق : تفريدي هو تفريد فريقي – الذي أتميّز عنه مع ذلك…”( 14). إنّ هذا المسار للتفريد، والذي به يتكوّن كل فرد كفرد، هو مسار مستقلّ ومتفرّد( مقولة التفرّد هنا محورية)، لا يكتمل فحسب مع وبواسطة الآخرين، الجماعي، والمجتمع والجماعة، الخ.: بل يتحقّق أيضا بواسطة وعبر الذاكرة الاصطناعية، محامل الذاكرة والثقافة. لقد مثّل الكتابُ ولزمن طويل، الذاكرة التقنية للتفريد الذي هو أيضا مسار تسامي.sublimation بيد أنّ الرأسمالية النزوية، بتحطيمها التسامي، تحطّم أيضا التفريد وتنتهي إلى هذا ” الضياع للتفريد”، الذي يكشف ستيقلر عن ملامحه في عديد الحوادث المريعة في السنوات الأخيرة ( ومنها مجزرة نانتار عام 2002). ” إنّ استنزاف الليبيدو هو استنزاف ما يكوّن الرابط الاجتماعي، بدءا بالرابط الأسري – أنه تحطيم هذه العاطفة للصداقة philia التي جعلها أرسطو قاعدة المدينة بوصفها مَدَنِية تفهم هنا بما هي انتباه البعض إلى الآخرين…”( 15) إنّ مراجعة، بل تحطيم مسارات معتادة للتفريد النفسي والجماعي، مثلما يَنْتَظِم داخل إطار الأسرة والمدرسة، ” مؤسسات برنامج”، يفضي إذن إلى “نصف بربرية( توحّش)” لمجتمعاتنا، وتقود هذه الرأسمالية إلى دمارها الذاتي.
إنّ الخطر الثاني الذي يشير إليه ستيقلر( خاصة في كتاب “العناية بــ…” ) هو بالطبع مرتبط بالخطر الأول ويتعلّق بالخصوص بأزمة الانتباه لدى الأجيال الشابة. يحلّل ستيقلر استنادا إلى أعمال الباحثين الأمريكان ( خاصّة كاترين هايلس)، تدمير ” الانتباه العميق ” ( ذاك الذي يخوّل لنا قراءة كتاب) تحت تأثير الإفراط في التعرّض إلى وسائل الإعلام والشاشات ( أكثر من ثمانية ساعات في اليوم بالنسبة إلى المراهقين الأمريكيين) وتعويضه بالانتباه المفرط ، الذي يتميّز بالتصفّح السريع zapping ، تعدّد المهامّ ، الإثارة الحسيّة المستمرّة … ينتج شدّ الانتباه لدى الأطفال ( خاصّة الأصغر سنّا، مع التلفاز بالنسبة إلى الأطفال الرضّع) ما يسمّيه الأمريكان اضطراب نقص الانتباه l’attention deficit disorder ، الذي له نتائج جدّ خطيرة على النموّ النفسي للأطفال والمراهقين. وليس الملاحَظ بالنسبة إلى ستيقلر هو تحوّل أنماط الانتباه فحسب ( ما يمكن أن يكشفه الجميع خبريا بملاحظة المواطن الرقمي الذي نشأ على الانترنت digital natives)؛بل أيضا أزمة الانتباه صغار السنّ ، تحت تأثير ” التكنولوجيات النفسية psychotechnologies ” ، والتي تؤدّي إلى ” مرض جماعي ” « pathologie collective », ، تتميّز بثلاثة أعراض : تدمير ” العلاقات البين- جيلية « relations intergénérationnelles », ، وبقطع “مسارات التعرف على الذات الأولية النفسية والجماعية”، تغيير “التنظيم التشابكي لدماغ الأطفال أثناء النمو على حساب تدمير المرونة الدماغية”، و”مطّلب الانتباه المفرط بفعل التنافس الشديد بين صناعات البرامج(…) على حساب الانتباه العميق la deep attention ” ( 16).
في حين يبيّن ستيقلر فيمَ يمثّل ” الانتباه العميق “، ذاك الذي يسمح بقراءة كتاب، شرط النفاذ إلى الفكر النقدي، إلى التفكير، إلى الرشد la majorité في المعنى الذي يقصده كانط الأنوار l’Aufklärung,، أي ” خروج الإنسان من قصوره minorité ( بما هو)، عجزه عن استخدام ذاتي لعقله ( القدرة على التفكير الحر) دون توجيه من الآخرين.”
ولْنحاول التلخيص : إنّ النفاذ إلى الفكر النقدي، المستقلّ، والاستخدام الشخصي للعقل (l’Aufklärung) ” يفترض الشجاعة وإرادة المعرفة”، أي جهد الذات لمقاومة ” الميل إلى الكسل والجبن” ( حسب كانط) ويمرّ هذا الجهد خاصّة عبر ممارسة الذاكرة التقنية للكتابة والقراءة ، والتي استندت عليها إلى حدّ الآن كلّ أداة تكوين الانتباه الذي تمثله المدرسة ( الذاكرة التقنية..) والتي هي أيضا مُنْشِئة وشرطا تقنيا للمعارف والتخصّصات. إن استنتاج ستيقلر جدّ جذريّ :” هذا التدمير للانتباه هو لاتفريد désindividuation وهو حرفيا تشويه dé-formation : إنه تدمير لهذا التكوين للفرد والمتمثّل في التربية.” (17)
أما عن الخطر الثالث الذي ينبّه إليه ستبقلر وجمعية”أرس انديسترياليس” Ars Industrialis فهو يتصل بما يسمّيانه ” انحطاط قيمة الفكر” ، الذي أشار إليه من قبل بول فاليري منذ 1939: هيمنة بؤس رمزي وروحي، بلاهة معمّمة من وسائل الإعلام الجماهيري والاستهلاك،” واقع البربرية (التوحّش)” للرأسمالية النزويّة بواسطة تدمير علاقة الصداقة، وهو ما يقف وراء الرابط الاجتماعي… هنا يكمن كلّ الرهان لهذه ” المعركة الفكرية”، التي يسيء رجال السياسة والخبراء طرحها غالبا، والذين لا يحلّلون مخاطر وآثار الرأسمالية النزويّة ولا يرون أنّ، كما يؤكّد ذلك بيان آ. اندسترياليس” :” عصرنا مهدّد، في العالم بأسره، بكون ” حياة الفكر” ، بتعبير حنّا آرنت، أصبحت خاضعة تماما لأوامر اقتصاد السّوق ولأوامر العودة على استثمارات المؤسّسات التي تعزّز تكنولوجيات ما يسمّى الصناعات الثقافيّة، وصناعة البرامج ووسائل الإعلام ووسائل الاتصال وأخيرا تكنولوجيات المعرفة أو التكنولوجيات العرفانية”. (18)
ولكن ، ما هي الآفاق، بعد هذا التشخيص الصارم للآثار القاتلة للشعبوية الصناعية ؟ ما هو استنتاج برنار ستيقلر؟ هَبَّة مُلحّة وتعبئة مُواطنية، وحثّ للسياسيين إضافة إلى تعميق ضروري للتفكير الجماعي حول هذه المسائل، جميعها قد أدّى ، عام 2005، إلى تأسيس ، بمعية بعض الأصدقاء، جمعية “آرس أندسترياليس”. وقد كان الهدف المركزي هو نشر فكرة ضرورة ” سياسة لتكنولوجيات الفكر” ، كي ننقذ الرأسمالية رغما عنها وإرساء “نظام عناية ” جديد. وفي كلمتين، يجب، لا فضح الرأسمالية النزوية ومقاومة آثارها فحسب، بل خاصّة ابتكار استخدامات جديدة ، وممارسات جديدة للذاكرة التقنية الرقمية، وإحكام القبضة على الأنترنت لإعادة توجيه تكنولوجيات الفكر نحو تطوّر الذكاء الجماعي ، ووضع” ارتفاع قيمة الفكر في مركز الاقتصاد الليبيدي ” لـ ” لنموذج صناعي جديد” علينا ابتكاره.(19).
أيّ نقد يمكن أن نقدّمه، وضمن أيّ حدود ننهض به؟
ليست المناسبة مواتية للقيام بتحليل نقدي مُحاجج عليه لمقاربة برنار ستيقلر، مهمّة تتجاوز بعدُ قدراتي المتواضعة. سأثير فحسب بعض النقاط باختصار، تلك التي قد تطرح مشكلا: مثلا ، يمكننا مؤاخذة ستيقلر على رؤيته الجدّ ” مركزية – تقنية ” أحيانا، تردّ كلّ الظواهر إلى الواقعة التقنية وتقلّل من شأن العوامل الاجتماعية تحديدا أو الثقافية. وبالمثل ، تعطي إرادة تفسير كلّ شيء بالرأسمالية النزويّة ، وأزمة التفريد ، الخ . ( خاصة في كتاب ” نحبّ،نحب أنفسنا..”) الانطباع أحيانا بمقاربة للعالم ” أحادية السببية”، متناسية للعوامل الأخرى السياسية والتاريخية والدينيّة الخ .أسلّم مثلا بأنّ التفسير بل تأويل أحداث 11 سبتمبر بأزمة التفريد لم تشفي غليلي . أمر آخر : يبدو أحيانا نقد وسائل الإعلام ، الذي يستند كثيرا إلى مدرسة فرانكفورت، قد أقيم على فرضية الدور الأكبر لوسائل الإعلام وتأثيرها، الذي لا يكون دون إثارة ” إشكالية التأثيرات” المعروفة، والتي وضعها علم اجتماع الاستخدامات والأعمال المتصلة بالقدرة الإبتكارية للمستخدمين، موضع تساؤل. لكن علينا أن نحاجج هنا أكثر. هل يمكننا في النهاية أن نفاجئ بانقسام ثنائي داخل مقاربة ستيقلر، في مقابلتها رؤية مبالغة في التشاؤم للتلفاز بمقاربة مبالغة التفاؤل أحيانا في شأن الإنترنت ( مثلا الويكيبديا أو الواب 2.0 نجد برنار ستيقلر لا يندّد بمظاهرها الإشكالية).
أمّا في خصوص الحدود ، فمن العبث والادعاء الرغبة في العثور عليها في مقاربة فلسفية، واكتفي بالتأسّف على غياب ( على الأقلّ في الحاضر) مقترحات عملية خاصّة بالنسبة إلى المدرسة والجامعة، وبالأخصّ بالنسبة إلى الإدماج والتكوين في مجال وسائل الاتصال والإعلام.
هوامش:
*- ألكسندر سار Alexandre Serres: أستاذ محاضر في علوم الإعلامية والاتصال، مسئول في l’URFIST في ران ، وعضو في PREFics-CERSIC جامعة ران 2. المقال هو مداخلة في ملتقى 2حول ” الملابسات والرهانات الثقافة الإعلامية ،مقاربة ومسألة ديداكتيك الإعلام” لفريق البحث في الثقافة وديداكتيك الإعلام- ران 12 سبتمبر 2008 .
1- Ars Industrialis :” الجمعية العلمية من أجل سياسة صناعية لتكنولوجيات الفكر ” جمعية أسسها ستيقلر مع بعض أصدقاءه سنة 2005
2- ستيقلر ” التقنية والزمن” ج1 ص31
3- نفس المصدر ج1 ص185
4-” ستيقلر ” الرهانات الابستيمولوجية والمنهجية والسياسية للتكنولوجيات العرفانية ” ص2
5- ستيقلر ” اقتصاد المادي المفرط والسلطة النفسية ” باريس ألف وليلة 2008 ص31
6- http://www.philosophie.ulg.ac.be/documents/PhiloCite2008/Stiegler.
7- ستيقلر ” الإنهيار التقني المنطقي للزمن ” في traverses سبتمبر 1988 عدد 44-45 ص56
8- ستيقلر ” الرهانات الابستيمولوجية والمنهجية والسياسية للتكنولوجيات العرفانية ” ص2
9- ستيقلر ” اقتصاد المادي المفرط والسلطة النفسية ” باريس ألف وليلة 2008 ص31
10- http://www.philosophie.ulg.ac.be/documents/PhiloCite2008/Stiegler.pdf
11– ستيقلر ” الإنهيار التقني المنطقي للزمن ” في traverses سبتمبر 1988 عدد 44-45 ص 56
12- ستيقلر ” اقتصاد المادي المفرط والسلطة النفسية ” باريس ألف وليلة 2008 ص31
13- سيموندان جلبار ” الفرد النفسي والجماعي في ضوء مفاهيم الشكل والمعلومة القدرة والمابعد استقرار باريس 2007
14- 18 http://grit-transversales.org/article.php3?id_article=170
15- ستيقلر “أن نحبّ ونحب أنفسنا ونتحاب”” ص 61-
16.”.إعادة السحر للعالم “قيمة الفكر ضد الشعبوية الصناعية” ستيقلر باريس 2006 ص 65.
17- ” ستيقلر ” العناية ب،…” ص327
18-.”.إعادة السحر للعالم “قيمة الفكر ضد الشعبوية الصناعية” ستيقلر باريس 2006 ص 20
19- ستيقلر ” التقنية والزمن” ج2 ص158-162 ، قاليلي 1996
كشف لبعض “مصطلحات ” برنار ستيقلر الواردة في المقال ( عن آرس أندستراليس):
ذاكرة حية وذاكرة اصطناعية Anamnèse (Hypomnèse)-1
من أصل يوناني ana(الرجوع) وmnémé ذكرى). تعني هذه العبارة إذن ذاكرة، تذكّر.لا يكفي الحفظ لا بد من استعادة أو إحداث، وباختصار تذكّر ما احتفظ به. لجل ذلك نميّز في الذاكرة بين بعدين: التسجيل الذي يسميه اليونان منيزيس mnésis واللاتينيون mémoria وإعادة الذكرة او التذكّر anamnésisi عند الاغريق وreminiscientia عند اللا تين. وتعني l’hypomnèse كل التقنيات للذاكرة (المذكّرات والتمارين وغيرها ” فنون الذاكرة” التي تسمح بالتسجيل المادي من كل نوع و تسمح بالتالي بالتذكّر.
2- التفريد: individuation مسار نموّ الفرد في مجتمعه بفضل فعالية المجتمع. ويختلف عن الفردنة individualisation حيث ينمو الفرد باستقلاله عن المجتمع نسبيا
3 – تفريد بسيكو -إجتماعي مصطلح لـ” سيموندان ” في كتاب ” التفريد النفسي والاجتماعي ” والذي يعني مشاركة التفريد الذاتي في مسارالتفريد الجماعي، بحيث لا اوجد إلا ضمن جماعة: تفريدي هو تفريد الفريق الذي أنتمي إليه.
4-ذاكرة فرديةتقنية L’épiphylogénèse لفظ مستحدث مكون من كلمتين: phylogénèse و épigénèse ويعني هذا عوامل نموّ النوع الانساني التي ليست جينيّة . يعرف ستيقلر اللفظ épiphylogénèse بوصفه تقننة الكائن الحي حينما تخلق الأدوات الّدماغ
Mnémothechnologie5- –ذاكرة تقنية تحيل في ذات الوقت إلى الذاكرة ولكن أيضا إلى دراسة أدوات وتقنيات، التقنيات والأدوات التي تساعد على عمل الذاكرة..
6 – تقنيات الذاكرة mnémotechnique مجموع الطرق التي تساعد على الحفظ في الذاكرة بواسطة تداعي المعاني وكل طريقة تسمى mnémonique
7- العلم التقنيTechnoscience تكنولوجيات السمعي البصري والاتصالات والاعلامية . خضوع تكونولوجيات الفكر لمعاييرالسوق تحصرها في وظيفة ” تكنولوجيا مراقبة”.
8-الاحتفاظ عن ستيقلر retentionما يحتفظ به أو يحصّله الوعي من ماضي (احتفاظ أولي) و بما يحتفظ به من ذكريات (احتفاظ ثانوي ) واحتفاظ ثالث ويخص النوع البشري هو ما يتبقى من تراكمات طوال التاريخ ويساعد على نمو الفرد داخل الجماعة من خلال تجسيده في أدوات وتقنيات الخ





