بقلم: سمير عباس
1) تمهيد:
أثارت صورة الإمام الجزائري الشاب وليد مهساس مع القطة تفاعلا واسعا جدا عبر مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي في زمن قصير جدا وسرعان ما تلقتها وسائل الإعلام الدولية الكبرى، إمام شاب يؤم الناس في صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك في أوائل شهر أفريل 2023 وإذا بقطة تتمسك به بغية الصعود على كتفه الأيسر، يقوم الإمام بمساعدتها حتى تستقر على كتفه دون أن يقطع قراءته أثناء الصلاة، الصورة التي انتشرت تظهر القطة ماكثة على كتفه مقربة فمها من وجهه، تفاعل الجماهير غالبا كان متضمنا الإعجاب والاحترام و الحب لهذا الإمام الذي تمكن من أسر قلوب ملايين الناس في العالم بموقفه هذا، لهذا يبدو من المناسب تسليط الضوء على هذه الصورة من منظور سيميائي بغية محاولة اكتشاف إكسير الجمال فيها.
2) السياق الأيقوني:
يتركز السياق الأيقوني بشكل مذهل عبر كامل الصورة، مسجد كبير نسبيا في الجزائر فيه صفوف مصلين واقفين يتقدمهم الإمام وليد ببنيته الجسدية الجيدة و لحيته ولباسه التقليدي وعلى كتفه الأيسر قطة تتمسك بكتفه الأيسر واقفة مادة رأسها نحو وجهه و قرب الميكروفون وهو يقرأ مغمضا عينيه، فالسياق الأيقوني للصورة يتشكل رمزيا من قداسة المكان ومن قداسة الفعل الديني (الصلاة) حيث يكون للوقار والسكينة الحظ الأوفر من توقع الحدوث والوجود، لكن هذا السياق يتبأر بشكل محوري حول القطة ووجه الإمام حيث يكون توقع محافظة الإمام على السكينة و الوقار نقطة توتر انفعالي شديد لدى الإمام ولدى متلقي الصورة في الوقت نفسه، حيث يظهر صراع بين عفوية القطة والفعل الإرادي للإمام بشكل قوي، هذا الصراع النفسي يعطي استقلالا نسبيا كبيرا للسياق الأيقوني للصورة عن السياق العام، بعبارة أخرى يكون السياق المقامي السيميائي بؤرة للصورة ويبث الصراع الماثل فيها للمتلقين بشكل شديد الاستقلالية، صراع بين العفوي والرمزي.
3)المستوى المعرفي للصراع:
يظهر إغماض الإمام لعينيه في الصورة دليلا ماديا ملموسا لوجود صراع معرفي COGNITIF في الصورة، الإمام مثل كل البشر يدرك أن تصرفات القطة على الرغم من كونها حيوانا أليفا هي تصرفات غير متوقعة، فهي قد تمد طرفها لتعبث بالميكروفون مثلا فتحدث ضجة صوتية، كما أنها قد تمد طرفها فتؤذي عينه اليسرى القريبة منها، وأمام توقع خطر كهذا يميل الجسم البشري بشكل لا إرادي نحو إغماض العين حماية لها، بل وقد يتحرك الجسم كاملا أو جزء منه كاليد مثلا لدرء هذا الخطر، و فهم حقيقة وجود توقع لفعل لا إرادي يجعل الملاحظ يدرك أن الصراع يتم على مستويات نفسية وعصبية تدرسها العلوم المعرفية، ويبدو واضحا في الصورة أن الإمام قد قرر بشكل سريع إرادي حسم المسألة لصالح الجوانب الرمزية الدينية من خلال السماح ببقاء القطة ومواصلة الفعل الديني، وهذا طبعا يعني الحفاظ على الوقار والسكينة إلى أن يزول الصراع بانقضاء الفعل الديني أو مغادرة القطة.
4) المستوى الرمزي للصراع:
تسمح الشريعة الإسلامية في حالة كهذه بإبعاد القطة دون قطع الصلاة، ولكن قرار الإمام وليد عكس ذلك و عزمه على مواصلة الصلاة مع بقاء القطة على كتفه يبدو كمغامرة غير محمودة النتائج لأول وهلة، لكن الشريعة الإسلامية عبر تعاليمها توضح أن الخالق سبحانه هو مدبر الأمور كلها من صغيرها إلى كبيرها، فالإمام امتثل لهذه التعاليم الأساسية في الإسلام على حساب شخصه، وربما ذهب الناس إلى أن الأمر ليس بهذه الخطورة التي يتكلم عنها الباحث هنا، بل الأمر أقرب إلى النكات التي نقلها التراث الإسلامي عن مواقف مشابهة، منها مثلا إزعاج الذبابة لأحد الأئمة الوقورين لدى إلقائه موعظة على الناس، و لكن على الرغم من ذلك لا يمكن تقريبا إنكار وجود صراع معرفي في مثل هذه المواقف، والدليل على ذلك هو ظهورها في صفحات الكتب التراثية والدينية.
5) رمزية الصورة:
تمثل الصورة أيقونة رائعة لأخذ الاختيارات السمحة الإيجابية حتى في أهم المواقف التي تستلزم الوقار و الرصانة، فالإمام وليد بتصرفه العفوي أو القريب من العفوية يعطي مثالا إيجابيا لضرورة التصبر والتجلد من أجل تحقيق الأهداف النبيلة حتى وإن كان بالإمكان اختيار تصرفات مقبولة مريحة لكنها سلبية وغير إيجابية، و اختياره للتواضع لمخلوق بسيط بريء كالقطة و صبره عليها في موقف جليل كهذا إنما ينم عن نفس طيبة سمحة مرحة، وهذه السماحة ربما كانت سر الانتشار الهائل لصورته هذه مع القطة أمام ملايين من المتلقين عبر العالم بأسره في وقت قياسي، إنها الإنسانية الحقة التي تبثها روح التعاليم الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا.
6) خاتمة:
تظهر صورة الإمام وليد مع القطة كأيقونة للتسامح و السماحة الإنسانية في هذا العصر الذي يزداد قسوة ويجعل الناس في حاجة لدروس جديدة عن الإنسانية، ولئن كانت هذه الأيقونة إسلامية جزائرية في مصدرها، لكنها إنسانية عالمية في روحها وتأثيرها، ويبدو جليا من تداول هذه الصورة بشكل كبير مشرف ما تمتلكه الصور من إمكانيات جمة بالإمكان توظيفها في سبيل أعادة تشكيل ما فسد من أخلاقنا وسلوكاتنا في هذا العصر… أحبك في الله الكريم أخي الفاضل الإمام وليد مهساس
*طالب دكتوراه في الأدب العربي الحديث جامعة عنابة الجزائر وعضو دولي في مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب ليبيا





