المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

البكالوريا والتقويم المجـروح: خدعـة التقويم بالكفاءات. 

بقلم محمد بصري

تابعت أستاذا يقول في كلام الكتروني عابر .أنه سنة 1995 كان هناك لص غير محترف دخل بنكين بغية السرقة والثـــــرا ء في مدينة بالولايات المتحدة .المفاجئ للشرطة في هذه السرقة المشؤومة السارق لم يكن يضع قناعا أو يتسربل تحت لباس ساتر أو يغطي سحنته بل كان مكشوفا تماما للكاميرات الذكية.لما قبض عليه استجوبه الضابط لما قمت بهذا النوع العفوي و الغبي من السرقة قال “لقد دهنت وجي بعصير الليمون” الذي يمكنه أن يحجب الرؤية على الكاميرات ويشوش عليها.. اتضح بعد ذلك أن الرجل يعاني خللا مرضيا سيكوباتيا.تم علاج المريض وتم تسمية الحالة “بدنين كخوغر” l’effet Dunning-Krugerمفاد هذه النظرية التي اشتغل عليها العالمان النفسيان هي كيفية تحويل الكفاءة إلى حقيقة أي إمكانية تشييئ الظاهرة والإنتقال بها إلى الفضاء المعرفي والاجتماعي والثقافي.يريان أن هناك نمط من التحيزات والعوائق البيداغوجية والتي تتحول تراكميا وديداكتيكيا إلى أخطاء قاتلة. وهو وهم المعرفة وغرور التعليم والخداع البيداغوجي الذي يقع تحت مغالطات منهجية وتقويمية تُحوِّل هذه البنى المتواطئة إلى إحلال الخطأ محل الحقيقة. النظرية النفسية تقول أن الاعتقاد الباطل بنموذج ما تقويمي يؤدي إلى تكتل هالة من الغباء التعليمي والبيداغوجي الذي يجعل الأفراد يعتقدون بالأهلية والكفاءة لكن الواقع يقول العكس.

التقويم أو إن شئتم التقييم فالاختلاف بينهما مفاهيمي وإثمولوجي ومعرفي أيضا.يتحول إلى نظام من التعتيم الخفي للكفاءات لأنه يغدو شكلا احتفاليا و اشهاديا في آخر السنة الدراسية.كل الامتحانات النهائية أو الختامية تتحول بقدرة قادر إلى أعراس ثقافية مدرسية دون فرحة أو بهجة العرس. هناك أجزاء جلية في جبال الجليد القطبية من نظام التقويم التعليمي ظاهرة للعيان وهي قليلة وبسيطة بينما الجزء الكبير والعميق في الماء هو الذي يشكل كومة من الغباء التعلمي. النظرية السابقة Dunning-Kruger تؤيد القول بأن هناك سوء توازي عكسي في المنحنى بين الثقة والكفاءة .التقويم بصورته الحالية يؤسس لجبال من الصقيع والجليد التي تراكمت عبر أجيال من المناهج المدرسية والتربوية منذ بيداغوجيا المضامين مرورا بأزمة التلقين ثم الأهداف وصولا إلى البيداغوجيا الحالية المزعومة الكفاءات.إزدياد هاله الثقة التي يقول عنها العالمان تفضي إلى قوة حمقاء أسست لثقة مطلقة لما يسمى اليوم تقويم تراكمي صحيح لمكتسبات طبقات من الأجيال والمريدين والمتتلمذين. والسبب هو فقدان الرؤية النقدية الواضحة لمسارات تربوية أو رفض أي تحليل جديد يقايس الأخطاء السابقة في مراقبة ومتابعة نتائج التلاميذ والمترشحين بصورة علموية دقيقة .عندما تصل المناهج والأنظمة التقويمية إلى درجة الامتلاء والإشباع والثقة والإدراك الواهم ببلوغها الكمال فقد دشنت عصرا من الحمق البيداغوجي والعدم الديداكتيكي. وهو لؤم استراتيجي بيداغوجي غير محمود العواقب.

العطب الذي أصاب الفلسفة بما يشبه السخط الذي لحق بسيزيف وجعله عالقا في منحدر يدحرج صخرة الذل والهوان والعقاب صعودا وهبوطا.يغدو التقويم غدرا بروكوستيا موجها نحو المضامين والمقررات حين نضعه في غير مكانه المنهاجي. أي كلما حصل تناقض بين المنهاج وبين مقاصده الرسمية وعقيدته التربوية والوطنية وبين ما يدعى تدرجات وملاحق وشروحات عقيمة .حلت اللعنات البيداغوجية.

الديسيمولوجيا فن ورهان تربوي له معايير علمية دقيقة وهدفية غائية. كل نشاط تربوي يمر بمرحلة المراقية التقييمية التشخيصية والمرحلية ليستقر به الحال في المواضعات التحصيلية النهائية. حينها يتحول ما بذرناه في خريف العام الدراسي إلى ثورة حصاد في زوال العام الدراسي . يغدو التقويم مفصل تربوي كونه يحقق التحصيل الكفاءاتي بلغة المقاربة الجديدة القديمة. التقويم قرار بلغة الأحكام الأكسيولوجية ونظام عقلي بلغة العقل وحدوده إذا نحن قربناه بمفهوم اللوغوس.

هل تتمكن الآلة التقويمية الانتقال بالتقويم من التنقيط التجزيئي إلى التقويم بالكفاءات بعدما اجهز القياس المعياري الرياضي على المواهب.؟؟

التجربة الصينية في البكالوريا فريدة من نوعها وجبارة من حيث أبعادها التربوية وهي مختلفة تماما عن ما يستند عليه كتبة الوحي البيداغوجي الموكول اليهم ترتيب العمل وتنظيم مسارات التقويم والذي لا يخرج عن التأثر المبالغ فيه بالنماذج الغربية القادمة من الأغيار سواء كانت المدرسة الفرنسية أو البلجيكية أو حتى الألمانية والأنجلوساكسونية مؤخرا. الصين تُجند طاقات كبيرة لكن وفق وتيرة منظمة وغير مجهدة إداريا أكثر من 250 مليون تلميذ هم رعايا الصفوف التربوية وترسانة من الكوادر والأطر التربوية من مرافقين ومفتشين ومقومين يتابعون إمتحان “الغاوغاوو أو “الكاوكاوو”: إمتحان الإختبار الوطني للقبول بالتعليم العالي نهاية المرحلة الاعدادية يقابل البكالوريا في بقية الدول الأخرى. 10 ملايين تلميذ مترشح في السنوات الثلاثة الأخيرة أي ما يعادل جزء كبير من سكان الخليج العربي مجتمعة كالكويت والإمارات وقطر والبحرين. هم تلاميذ يخضعون لإجراء امتحان مكلف إقتصاديا يقف فيه هذا المارد الأحمر العملاق جاثيا على ركبتيه يراقب طلبته وهم يزاولون الامتحان. قوات أمنية رهيبة خارج المؤسسات تمنع التسكع والتجوال بالسيارت قرب مؤسسات الاختبار يمنع منعا باتا الكلاكسون والمزمار مراقبة الكترونية طائرات صغيرة مسيرة بدون طيار مجسات الكترونية تشتت كل محاولة لاختراق الامتحان هدوء تام في دولة عبارة عن ماكنة فظيعة تشتغل على مدار 24 الساعة. مواد الامتحان الاختيارية للقسم العلمي هي الفيزياء والكيمياء والأحياء، وللقسم الأدبي التاريخ والجغرافيا والتربية السياسية 2. الصين نجحت تقويميا لأن مؤسسات التقويم مستقلة نوعا على وزارتي التربية والتعليم العالي إداريا وان كانت تتقاطع معهما أفقيا.

الماغويرية كما أدعوها هي إمتلاك ثقافة الإفلاس المرح .التي دشنها لاعب مدافع مانشيستر ينايتد “هاري ماغوير” الذي انتقل بمبلغ خيالي هو 70 مليون اورو سنة 2011 و الذي أصبح علامة على صعود غير مرتب لخيبات أمل في صنع الفرحة رغم الرداءة واللعب السيئ وإعطاء الفرصة للخصوم في التسجيل في مرماه أصبح ماغوير عبئا على فريقه رغم الحملة الإعلامية التي رافقته وشجعته. فشل أسطوري لكل الثقافات التي تهلل للفشل المبطن وتزكي الرداءة التعليمية والإدارية والمعرفية. الاقتناع السيكولوجي بأن مواقع تعليمية لا يصلح لها إلى نمط معين من أدعياء البيداغوجيا والتسيير الإداري في وقت هم عبء على التقويم وثقب أسود وطاقة سلبية تمتص كل نشاط فكري ومنهاجي وعلمي قويم في أنظمتنا التربوية.

في مقال سابق كتبت عن مفارقات التقويم فلسفة في البكالوريا بينت فيه مزاجية التقويم الذي ينتقل من كونه استحقاق بيداغوجي يضفي مشروعية ما على النتائج والشهادة وفق عمل منظم يؤهل التلميذ الطالب إلى ولوج الجامعات بعد عناء ثلاث عشرة من سنين التعلم والتعليم. مراكز التصحيح تتحول إلى ثكنات مغلقة ومنضبطة لا تسمع فيها إلا همسا.بما يشبه عسكرة التقويم.كل زمرة من جموع المصححين يشرف عليها رئيس لجنة وآخر مقوم هو أستاذ كفء ذو خبرة تربوية عالية ودرجة ورتبة في سلم المعلمين والأساتذة الموظفين.يقايس أداء المصححين بسلالم التنقيط ويقاربها انطلاقا من حنكته وخبرته .لكن.الخلل يبدأ هنا.نحن نقصي طابع التقويم على التعامل مع وثائق المترشحين ونطلق عليه كلمة تصحيح. هذه الكلمة الفضفاضة التي انتقلت من حقل دلالي سياسي واجتماعي وقيمي واستقرت بالحقل البيداغوجي .والأجدى هو مقومين. لان هناك بيداغوجيا عتيدة وعظيمة تدعى ديداكتيك الخطأ.فالمصحح لا يمللك الشفرة الوراثية والبيداغوجية الجينية للتصحيح فهو أحوج ما يكون للتصحيح والتعديل أصلا. التقويم بصورته الحالية عذرا، التصحيح يضع مصير إنسان يستحق في يد وعهدة كثير ممن لا يستحقون وهذا يسري على نمط المسابقات عموديا وأفقيا.تفتح الاظرفة في مسابقات التكوين والتعليم والإشراف وحتى مسابقات الدكتوراه الكئيبة والعرجاء.نسجُن قدر كائن لا نعرفه نقرر مصيره نهائيا بجرة قلم. تغدو عملية التصفية هذه تشبه وليمة ذئاب تنهش وتفترس جسما مجهولا أو طريدة مجهولة الهوية.وهنا تقول الاخصائية اللبنانية في علوم الدماغ والإدراك سماح كركري SAMAH KARAKI في كتابها ” الموهبة وهم ” LE TALENT EST UNE FICTION. أن نسبة كبيرة من المواهب يتم الإجهاز عليها في مراكز التقويم عفوا التصحيح وفي مسابقات كثيرة منها وظائف مستحقة عابرة وشهادات عليا. أي أن الهيمنة المبنية على النجاح بالموهبة لا تفصح عن ذاتها في المجتمعات وبالأخص العربية لفرط هذا الانسحاق التقويمي اللاقيمي . وهذا لا يتأسس على نظام جيني وراثي فطري طبيعي كاريزمي في تكوين الموهوبين بل على نظام مواز خلقته الأنظمة التعليمية والثقافية والجامعية والمدرسية والتي تقرر من ينجح ومن يرسب أو يفشل. المجتمع أو بالأحرى مجتمعات رخوة خلق نوع من المناعة السلبية ضد الموهوبين، بمعنى لا تكفيك البكالوريا أو الاجازة والموهبة كي تلج الجامعة وتختار التخصص الذي ينسجم مع جيناتك وقناعاتك العقلية والارادية أو النجاح في مسابقة عليا يجب أن يكون هناك من تعرفه داخل هذه الأسوار الزجاجية المخملية فنضع الرديء محل الكفء الفشل المعرفي مكان الموهبة الفطرية . العامل الفطري وهم أمام شروط البيئة والمجتمع الذي يعاقب العقلاء والنوابغ فيه.بما يشبه عقابا جماعيا لمواطنيين غير مأسوف على مصيرهم المهني والوظيفي والاجتماعي.

بيداغوجيا التقويم في مدرسة الكفاءات L’approche par compétences تختزل المناهج في الغايات ولا تفصل بينهما، هدفها بلوغ الكفاءة كغاية انطلاقا من منهاج برغماتي كما يرى عبد الفتاح ديبون باحث مغربي يقول أن بيداغوجيا الكفاءات خدعة إمبريالية ليبرالية.تدعي التربية وعينها على الاقتصاد والريع المسلوب من دماء الشعوب.أي تسليع التربية.وتبضيع التقويم والشهادات وجعلها ماركة في السوق.الكفاءات كتكوين بيداغوجي تستعير من الاقتصاد الحر مفاهيمه كالتعاقد والانفتاح والمرونة وتقحمها تعسفيا في فضاء التربية.مع العلم أن هذه البيداغوجيا تعترف كما يقول عبد الفتاح ديبون بعدم وجود بديل للامتحانات التقليدية. أي التقويم بتشتيت التقييم بدل التقويم كفاءاتيا بمعنى ” لا يوجد حاليا بديل وحيد لنظام الاختبارات المدرسية وامتحانات المعارف. وستبحث الأنظمة التعليمية عما هو بسيط وقليل التكلفة، ومن الحكمة التخلي عن تلك الاختبارات لأن تقويم الكفايات لا يمكن أن يكون إلا معقدا، ومشخصنا، ومتداخلا بعمل التكوين المحض” 1أي أن هذه المبادرة البيداغوجية المقترحة دوليا والجبرية حضاريا (أي استراتيجيا الكفاءات) لا تؤمن بالذكاءات المتعددة التي أقرها العالم غارنر. بل ذكاء موحد وهو الذي كرسه نظام التقويم التقليدي العقيم الذي أجهز على عشرات بل مئات الآلاف إن لم نقل ملايين من المواهب والكفاءات الفردية تحت وقع نظام تربوي مدرسي وجامعي يسير إلى التفاهة رويدا رويدا.

أزمة النظام المدرسي والتعليمي هي أزمة بنيوية تتلخص في الفقر في التكوين والتعطيل رغم الإمكانيات التي ترصدها الدول في هذا المجال. ثانيا الخلل التقني والبيداغوجي لأنظمة التقويم العلمي غير المدروس بعناية فائقة وعميقة وأخير ليس آخرا أزمة التعيين أي أزمة تسيير إداري تشرف عليه الاجهزة البيروقراطية التي تسمح بتسلل الرداءة والتكلس التوجيهي. المزاجي إلى مناصب فاعلة بيداغوجيا مما يعقد العمل البيداغوجيي الجمعوي العقلاني ويحوله إلى ثقافة الحشد والقطيع التربوي ..

محمد بصري باحث تربوي وكاتب جزائري

هوامــش:

أنظر عبد الفتاح ديبون خدعة بيداغوجيا الكفاءات. الحورا المتمدن ساعة التصفح 19 و د17 يوم 06/05/2023

2- مجلة الصين اليوم تقرير حول الثانوية العامة في الصين ساعة التصفح 23و03د

يوم 06/05/20

باحث وكاتب جزائري.