المجلة الثقافية الجزائرية

المتحف بصفته اداة اتصال (Museum as a communication tool )

محيي المسعودي

أصبحت المتاحف museums) (في عالمنا المعاصر وسائل اتصال(communication) فاعلة, ليس على مستوى شعب البلد الواحد – بين ماضيه وحاضره – بل على مستوى شعوب بلدان العالم المختلفة – بين ماضيها وحاضرها –

والمتاحف ادوات اتصال تُعنى بعرض ونقل ثقافات وتاريخ وآثار وتقاليد ونمط حياة شعب ما, من جيل الى جيل ضمن الشعب الواحد, ومن شعب الى شعب, ومن اجيال الى اجيال ضمن ضمن شعوب العالم ككل. وتجاوزت بعض متاحف العالم قضية تمويلها من المال العام او الخاص, معتمدة التمويل الذاتي (Self-funding financial ) من خلال الريع الذي تحققه من ايراداتها المتأتية من الاموال التي تحصل عليها جراء الضرائب والرسوم التي يدفعها الزوار الوافدين عليها, وهو تمويل يشبه تمويل وسائل الاعلام من خلال شراء الصحيفة – بيع الاخبار والمعلومات المختلفة – . بل ان بعض المتاحف مثل متحف اللوفر في فرنسا والارميتاج في روسيا ومتحف جيبلي التجاري في اليابان والمتحف الالماني والمتحف البريطاني ومتحف “الشمع” مدام تيسود في بريطانيا وغيرها من المتاحف, اصبحت مصدرا من المصادر المالية المهمة لدولها الى جانب الرسالة الحضارية الإخبارية الخاصة التي تقدمها لجمهور الزائرين. واصبحت المتاحف وسائل اتصال واعلام لا تقل اهمية عن الوسائل الحالية من حيث قدرتها على ايصال الرسالة وصناعة الرأي العام ورفد الجمهور بالثقافة والمعرفة والعلوم المختلفة عن حضارات العالم وحيوات شعوبه اضافة للترفيه وتنمية الحس الوطني والقومي والانساني. وتخليد الشخصيات البارزة في تأريخ البلدان .

لماذا المتحف اداة اتصال ؟

لو عرفّنا المتاحف museums ) (وحددنا موجوداتها ووظائفها, وقارنّها بتعريف الاتصال communication) ) وادواته ومحمولاته ووظائفه سوف ندرك بشكل لا يقبل الشك ان المتحف ” أي متحف ” هو اداة اتصال , مثله مثل الكثير من ادوات الاتصال الشخصية أو الجماهيرية المباشرة وغير المباشرة اتجاه مضمون الرسالة . ويصل المتحف كوسيلة اتصال الى مستوى تأثير وسائل الاعلام الحالية (communication Mass Media) ان لم يكن اكثر تأثيرا منها, وهو يتماهى معها من حيث الوظيفة والرسالة والمرسل والمتلقي, مع اختلاف شكل الرسالة ومضمونها ومكان تلقيها وطبيعة شخصية مرسلها .

يُعرّف المتحف, بانه المكان الذي يضم المعروضات والأشياء الثمينة بقصد حمايتها وعرضها والاطلاع عليها وفحصها ودراستها، وحفظ التراث الانساني للشعوب على مر العصور من علوم وفنون وكافة أوجه الحياة، من اجل التعرّف عليها ودراستها ومعرفة مراحل تطور الحياة البشرية وإنجازاتها الحضارية , وكل هذا هو عملية (Process ). والإتصال هو ايضا عملية (Process ). عملية لتبادل الأخبار والحقائق والأراء والرسائل بين الأفراد والجماعات من خلال أية أداة أو جهاز أو وسيلة تساعد على إنتاج أو توزيع أو تخزين أو إستقبال أو عرض البيانات. وهنا نرى ان المتحف هو اداة او وعاء لتخزين وعرض واستقبال بيانات متنوعة الاشكال والمضامين – مخطوطات, عُدد وادوات حياتية متنوعة الاستعمال والاغراض , لُقى تراثية أو أثرية, ازياء فلكلورية, معدات مختلفة, اجهزة وأدوات علمية أو تعليمية وأشياء أخرى, او حسب نوع المتحف, فاذا كان المتحف اثريا احتوى على القطع الاثرية واذا كان تراثيا احتوى أشياء تراثية وهكذا الحال في المتاحف العلمية والتعليمية والبيئية والفنية والقومية وغيرها. أي ان المتاحف العامة تمارس وظيفة مماثلة لوظائف وسائل الاعلام الشاملة بينما المتاحف المتخصصة تمارس وظيفة وسائل الاعلام المتخصصة.

مستوى الاتصال.. أبعاده وأنواعه

لا شك ان المتحف هو اتصال عبر الثقافات, وعبر العصور, ما يعني انه اتصال متعدد المستويات ولكنه اتصال بالجمهور public communication ) ) واتصال جماهيري communication ) Mass ) بامتياز, وهو نوع متميز من الاتصال يجمع بين المقروء “كالمخطوطات والوثائق…..” وبين المرئي” كالصور , والتماثيل , والازياء, والمفروشات, وادوات وعدد حياتية متنوعة ومختلفة, واجهزة ومعدات ..” وبين المرئي المسموع ” كلافلام , والاغاني والرقصات التراثية المسجلة او الحية المباشرة .. ” ويبقى المتحف متميزا في اتصاله من حيث الزمان والمكان والإنسان. فهو زمنيا يُعتبراتصالا عموديا وافقيا في نفس الرسالة فعندما يكون اتصالا بين مجموعات من الناس في زمن واحد كزمننا الراهن فهو اتصال افقي, لاننا نتعرف من خلاله على ثقافات وحياة شعوب أخرى حينما نطلع على محتوى رسائل متاحف الاخرين ويتعرف الاخرون علينا وعلى تاريخنا وتراثنا من خلال محتوى رسائل متاحفنا .وعموديا نتعرف نحن ومن يعاصرنا من الشعوب الأخرى ونتواصل مع تراثنا وثقافتنا ونمط حياة آباءنا واسلافنا من خلال متاحفهم ومتاحفنا . وبهذه الحال يكون المتحف أداة اتصال او نافذة على الماضي بكل تفاصيله في الحقب الزمنية المتعاقبة التي نرى موجوداتها في المتاحف فنتواصل مع اسلافنا, نستفيد من من منجزاتهم ونكملها . ونفهم حياتهم ونحاول صياغة حياة أفضل منها, قابلة لان تتواصل معها الاجيال القادمة المتعاقبة. اما مكان المتحف فهو غالبا ما يكون مكانا محددا وثابتا وذا قيمة تاريخية قد ترتبط بنوع محتويات المتحف نفسه. والمتحف اشبه ما يكون بالمسرح من حيث الوظيفة والاتصال, والمسرح يُعد من أعرق وأقدم وأهم ادوات الاتصال بالجمهور.

الرسالة (MESSAGE)

بعد تعريفنا للمتحف, يتبين لنا ان ما موجود في المتحف يمثل او يشكل ما يعرف بالرسالة في وسائل الاتصال عامة ووسائل الاعلام خاصة. وهي رسالة بصرية – كتابية او صورية او مجسمة – او بصرية سمعية احيانا وهي متنوعة المضامين والاشكال, وقد وضعت في هذا المكان بقصد حفظها وايصالها الى شرائح اجتماعية مختلفة في زمن واحد والى اجيال متاعقبة, لغرض الاطلاع عليها من قبل عموم الجمهور, ودراستها وفحصها ومعرفتها من قبل متخصصين. وهذه الرسالة تهدف الى تسليط الضوء على ماض وحاضر مجتمع ما, وقراءته بدقة وتعريف الزوار بانجازات وتضحيات هذا المجتمع وتاريخه وحياته العامة. ومعروضات المتحف تثير في زواره المحليين غريزة الانتماء لتاريخ وجغرافية المكان “الوطن” . ويساهم اطلاع الناس على موجودات المتاحف بتنمية الذوق الحضاري للانسانية. والمتحف وعاء معرفي متميز وسجل لتوثيق التراث . وهو مؤسسة تعليمية أساسية أولا, وترفيهية ثانيا وفي آن واحد. كل هذه الوظائف التي يؤديها المتحف هي وظائف الاتصال (communication) بكل انواعها باستثناء وظيفة حفظ وصيانة الموجودات من الاثار والمخطوطات وغيرها ذات القيمة الثقافية التاريخية أو العلمية وهذه الوظيفة تشابه في الإعلام إلى حد كبير وظيفة الأرشيف وادامته. ولكن مع كل هذا التشابه بين رسالة ووظائف الاتصال ورسالة المتحف, تظل رسالة المتحف مختلفة عن رسالة وسائل الاعلام المعروفة حاليا, إذ أن رسالة المتحف ثابتة لا يتغير حجمها ومحتواها إلا بشكل نسبي وبطئ جدا من خلال الاكتشافات التي تضاف لنفس الرسالة نتيجة البحث والتنقيب والدراسة, أو نتيجة الإضافة التي تحدث بتقادم الزمن على نمط الحياة ومكوناتها. بينما الرسالة في وسائل الاتصال المعروفة غالبا ما تتغير سريعا وباستمرار لأن معظمها مُعد للاستهلاك اليومي أو الزمني القصير كالأخبار والتقارير وبقية رسائل الاتصال الأخرى. أو لأنّ الوعاء الورقي أو الأثيري لوسائل الإتصال والإعلام غير قابل للحياة الطويلة بحكم البيئة أو الفائدة منه أو القدرة على استبقائه متراكما .

المرسل او المصدر (SOURCE)

المرسل في وسائل الاتصال هو شخص او جماعة او مؤسسة – شخصية معنوية – لديها الرغبة والإرادة والقدرة على إيصال رسالة إلى شخص أو مجموعة أشخاص أو جمهور واسع, محدود أو غير محدود العدد, في مكان محدد أو غير محدد الموقع. بهوية او بدون الاهتمام بالهوية, لغرض تحقيق أهداف معينة من خلال التأثير في المتلقي. والمرسل في المتحف لا يختلف عن المرسل في وسائل الاتصال فهو قد يكون شخصا او مجموعة اشخاص او شخصية معنوية, ولكن في الغالب يكون المرسل في المتحف دولة او مؤسسة رسمية أو غير رسمية, وهذا يعتمد كثيرا على نوع النظام السياسي في الدولة التي يُنشأ فيها المتحف. ودائما يكون المرسل في المتحف منفصل زمنيا عن مُنشئ الرسالة ومصدرها وقد يعيش في زمن غير زمن منشئ ومصدر الرسالة. ولكنه معدٍّ لها, بما يشبه عمل الصحفي في اعداد الرسائل الاعلامية. وكما الإعلامي أو القائم بالاتصال عارف بأدوات الاتصال ورسائلها فإن المرسل في المتحف هو خبير به وبموجوداته .

وسيلة الاتصال (CHANNEL)

المتحف وسيلة اتصال مختلفة بعض الشيء عن وسائل الاتصال والاعلام. لان المتحف كوسيلة اتصال ثابتة في مكان محدد في الغالب “وأن كانت بعض المتاحف لها اكثر من فرع في أكثر من مكان” ويستخدم المتحف قوة رسالته في وسائل الاتصال المختلفة والمتنوعة, لجلب الجمهور . بينما وسائل الاتصال والاعلام المعروفة متحركة بوسائط نقل او عبر الاثير مستهدفة الجمهور وقادمة عليه بشكل مباشر . وسائل الإعلام تتأثر برجع الصدى ( Feed back ) بينما لا تتأثر رسالة المتحف برجع الصدى الا بشكل محدود جدا. على اعتبارها موجودا مكتشفا أو تم الانتهاء من صنعه في زمن ماض وأن تعديله يؤثر على هويته التي هي القيمة الأولى له. ولكن رجع الصدى في رسالة المتحف قد يكون موجودا ونافعا اذا تعلق الأمر بوسيلة الاتصال أي حيز المتحف وإدارته وطريقة عرض موجوداته.

المتلقي (RECEIVER)

كما قلنا ان المتحف يعمل على جذب جمهوره إلى مكان وجوده, بينما وسائل الاعلام تذهب إلى الجمهور, ومن الطبيعي ان يكون جمهور المتحف أقل, ولكنه نخبوي وهو يتشكل من الباحثين والدارسين ومحبي الاطلاع على التراث والآثار وحيوات الشعوب ومختلف القضايا اضافة إلى طالبي الترفيه والمعارف. ولكن رسالة المتحف تعلق في ذهن أو ذاكرة المتلقي بقدر اكبر من رسائل الاتصال أو الإعلام الحالية وغالبا ما تذهب رسالة المتحف بالمتلقي الى التأمل والخيال والمقارنة بين الحال والحياة الراهنة التي يعيشها الإنسان المعاصر وتلك الحال والحياة التي مضى عليها زمن ما . والمتلقي لرسالة المتحف اما ان لديه انطباع مسبق فيرسخه بتلقي الرسالة او انه يتلقى الرسالة بدهشة , ويعتبرها حقيقة كشفها له المتحف . بينما في الاعلام والاتصال غالبا ما تكون الرسالة قابلة للتشكيك والتحقق من صحتها ويستقبلها المتلقي بشعور عاد على الأغلب.

التأثير EFFECTIVE ) )

كل نظريات التأثير الاتصالية الإعلامية تؤكد أن التأثير الاتصالي الاعلامي آني مهما كانت قوته صادمة, بل ان الصدمة تهدف الى التأثير على الانسان في لحظته الآنية . بينما تاثير رسالة المتحف يكون في الغالب مدهشا وخاصة في اللحظة الاولى ولكنه دائما يكون اطول عمرا في التاثير من رسالة الاتصال الاعلامي ولا يتطلب ردة فعل من اجل المعالجة او الاعتراض او القبول كما في رسائل الاتصال والاعلام الحالية . ويتركز تأثير رسالة المتحف في عملية الاعجاب او تعزيز الانتماء او طرح الاسئلة والبحث عن اجابات في حدود كونها رسالة حقيقية. 

المتحف أداة اتصال وتواصل وتدوين

الاتصال هو بمثابة خطوط تربط أوصال البناء أو الهيكل التنظيمي لأي مجتمع اومنظمة ربطا ديناميكيا . فليس من الممكن أن نتصور جماعة أيا كان نشاطها دون أن نتصور في نفس الوقت عملية الاتصال التي تحدث بين أقسامها وبين أفرادها وتجعل منهما وحدة عضوية لها درجة عالية من التكامل, تسمح لها القيام بنشاطهما. وما دام هذا هو الاتصال وهذا هو دوره في حياتنا المعاصرة ومادام المتحف بشكل عام هو اداة اتصال, فلنتصور كم هو مهم وضروري المتحف في حياتنا من حيث وظيفته ونتائجها في التواصل مع ماضينا البعيد والقريب من جهة, والتواصل مع ماضي وحاضر الشعوب التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب من جهة اخرى. والمتاحف هي ذاكرة المكان التي يدون فيها الانسان ويوثق ماضيه وحاضره, وتظل المتاحف كأدوات إتصال مفتوحة للأجيال القادمة كي تدون فيها حيواتها بكل جوانبها وموجوداتها . والمتاحف أدوات اتصال في المجال الاجتماعي, للتعرف على الذات والآخر. وللمتاحف دور اتصالي كبير وخطير لتحفيز حوار الحضارات والثقافات بين الشعوب , ودور اتصالي في التنمية الثقافية والاجتماعية المستدامة , وتساهم المتاحف في بناء الجسور بين الشعوب والحضارات والثقافات وتطوير التفاهم بين الشعوب وترسيخ السلم العالمي. والمتاحف أدوات اتصال لبناء الوعي بين الأجيال وانعكاس لمجتمعاتها المحلية وهي في النهاية مصادر للثقافة والتربية وفضاء للتفكير ببعضنا البعض وبأسلافنا. فاية قيمة واهمية تمتلكها المتاحف كأدوات اتصال!؟