بسمة الشّوالي
– يمّا..
– مروان آ كبدي أنت هنا..؟
تشرع إليه ذراعا ناشفة تهدّل لحافها الجلديّ. يتهاوى إليها. تمسّح على تقاسيمه الدقيقة..
– وجهك شاحب ولدي، بك سوء..؟
يشخر متجرّعا ضِرامه. تجرّده موسى الحزن في حضورها الذّبلان من لحم البأس في عضلاته المشدودة.. ينشدّ الجلدُ الحافّ بندبته من جديد يوشك يُشَقّ، وتثور مواجعه الكامنة كما لو غُرَز الجرح القديم على أهبة أن تنفلق ثانية..
ينحسر فيه المدّ العُنفيّ الذي كان قبل رعشة موّالها الأولى يهدر بين أضلعه.. يهِن.
تتآكل في كيانه غضاريف تمفصلاته، يتفكّك.
تفرغ أدراجه الباطنة من كلّ احتياطيّ القوّة والجَلد، يتجوّف..
– لا أمّي، أنا بخير. متعب قليلا لا غير. قربك البُرء والسّكينة.
يرخي إليها جناح الذّلّ ويقترب. تلامس ركبتاه قصبتيْ ساقيها المتقاطعتين في جلسة المتربّعة. يغرورق في صدره الشّوق إلى حضنها الذي ينأى عنه مرمى حضوره المهزوم حزنا وحنينا وحاجة وضعفا وغيظا يسودّ في بطن القلب المحموم.. يغالب رأسَه المتهاوي إليها ويردّه قسرا عن السّقوط. مسامّ فروته تهفو جمّا إلى أناملها تدغدغ الطّفل فيه لا يكبر، وصوتها يرتّل ” نَنِّي نَنِّي جاكِ النُّومْ أُمِّكْ قمْرَة وْبُوكْ نْجومْ..” تنفلق في فمه الغدد اللّعابيّة وذاكرته تتلمّظ طعم الحليب الأوّل، تتحسّس رائحة العرق في جسمها الدّافئ مرَّ الفصول. يدسّ وجهه ما بين نهديها فتنهره.. اِستحِ يا ولد.. لقد كبرت..
فيحرّك رأسه سريعا منفعلا منكرا لعنة العمر، ويعود يمرّغ الوجه في صدرها..
يصطدم أنفه بعظم القصّ ناتئا تكاد حروفه تمزّق الجلد. يلهج في غمغمة كالدّعاء..
ذريني على زندك أمّي صغيرا لا يكتهل، لا تُسلميني إلى الكبر. أرجوك.. ضمّيني لألتئم، إنّي أتشقّق، أنشطر، أتبعثر.. اجمعي بعضي إلى بعضي بين ذراعيك، لا تفرّطي فيّ أمّي، لا تدعيني إليّ.. أناي تخرج عن أناي لكنّها لا تعرف أين تذهب، فيمن تحُلّ..؟ روحي تُقيم فيّ مكرهة، ضلّت سكينتها فيّ، وضلّ جسدي هويّة طينه فيها..
أنا لم أعد مالك أمّاه، ولم أستطع أكون لأجلك مروان.. خذيني إليك لأراني في غير هيأته، لأستعيدني من على حافّة الجرح الذي قسمني نصفين متنافرين واحدا مستقلاّ لا اثنين ملتبسين.. قد صرتُ وحيدا جدّا، ناقصا كثيرا، فاقدا نصف كياني فاعرفيني ثانية لأكتمل..
بردان حدّ الجليد يمّا، غطّي جنبي العاري. أنا الآن أعنف من جوف الأرض المضطرم أمّاه، فلطّفي غلظتي وهدهدي نزقي ورطّبي قيظ روحي بفيض حنانك.. أنت لي بكلّك اليوم فلمَ تنأيْن عنّي وتُمعنين في الجُفوّ..؟ لمَ أمّي..؟ بُعدك عنّي يحرّضني عليّ، يشحذ نار الشرّ بين جنبيّ.. الرّجل فيّ يشرس، يتوحّش، يزيّن لي القتل بفتك وضراوة ونشوة كافرة فأنقذيني منه يَمّا.. هو ذا يساومني فيك، يخيّرني: أظّل قربك طفلا لا يشبّ أو أدخل تجربة رجولة تنفيني عنك إلى الأبد.. خذيني إليك ودعيني أسكن في المجرى الحليبيّ العتيق رضيعا فِصاله في النّزع الأخير من العمر..
يمّا..


