المجلة الثقافية الجزائرية

الحضارة الزراعية المأثومة يهوديا

داود سبمان الشويلي/ العراق

لا نريد هنا تثبيت أي الحضارتين هي السباقة في الوجود التاريخي بقدر ما نريد مناقشة كيف ان اليهود قد أسقطوا الحضارة الزراعية في الاثم الديني ذلك لأنهم في الأساس انحدروا من حضارة رعوية، وقد طردوا من حضارة زراعية ان كانوا قد طردوا من مصر أو كانوا قد طردوا من مكانهم في اليمن، موطنهم الأصلي كما جاء في الدراسات، والأبحاث الايركيلوجية الأخيرة للدكتور كمال صليبي، وأحمد داود، وصالح ديب، والمؤرخ الأستاذ فاضل الربيعي صاحب الباع الطويلة في التأكيد على ان الموطن الأصلي لليهود هو اليمن، وكذلك هم ديانة عربية قديمة، وبنو اسرائيل قبيلة عربية يمانية قديمة أيضا. 

في دراسة لي سابقة تحدثت عن أساطير الانتقال من حضارة الى أخرى، وفي هذه الدراسة سأتحدث عن كيفية وضع اليهود لأسطورة قابيل (قايين)، وهابيل، التي من خلالها جعلوا قابيل وما يمثله من حضارة زراعية مأثوما الى يومنا هذا بقتل أخيه هابيل الذي كان يمثل الحضارة الرعوية، وكان مفضلا عند الله كما كانوا يرون إذ قبل الله قربانه.

***

في الأدب الأسطوري السومري نجد ما محبب فيه من أساطير هي مقتل الأله الراعي دموزي، والذي تقتله زوجته في أسطورة (أنانا ودمزوي). وفي أسطورة (الشتاء والصيف)، أي أسطورة (ايمش و أينتين) كذلك نجد ذلك.

جاء في هذه أسطورة (ايمش وأينتين):

((عزم “انليل”، اله الهواء، على خلق جميع أصناف الأشجار والحبوب، وأراد أن يعمم الخير والرفاهية في البلاد، فخلق لهذا الغرض عنصرين من عناصر الحضارة هما الأخوان «ايمش» (أي الصيف)، و«اينتين» (الشتاء). وعين لكل منهما وظائفه الخاصة به . وتبين لنا الأسطر الآتية كيف تم تنفيذ تلك الأعمال :

“لقد جعل «اينتين» النعجة تلد الحمل ، والعنزة تلد “الجدى”،

وجعل الأبقار والعجول، يزيد عددها ، وكثر اللبن و”الزيد”، 

وفى السهل أفرح قلب المعز الوحشى والغنم والحمار ،

وأطيار السماء جعلها تبني أعشاشها في الأرض الواسعة ،

وجعل سمك البحر يضع بيضه في أحراش القصب ،

وفى أحراش النخيل والكروم أكثر الخمور والعمل ،

وجعل الأشجار تحمل الثمر أينما غرست ، 

والبساتين زينها بالخضرة وجعل نباتها وفيرا،

وضاعف من الغلة في أخاديد الحرث ،

ومثل «أشنان» (الهة الغلة)، العذراء الرحيمة، جعل الغلة تنمو وتطلع بشدة ووفرة، 

(أما) “ایمش” فانه جاء الى الوجود بالأشجار والحقول ، وأكثر من الاصطبلات وحظائر الغنم.

لقد ضاعف نتاج المزارع وزين الأرض … ،

جعل الحصاد الوفير يملأ البيوت وتتكدس به الأهراء ، 

وجعل المدن ومواطن السكنى تشاد ،

وتبنى البيوت فى البلاد، وترتفع المعابد كالجبال”. 

وبعد أن أتمّ هذان الإخوان عملهما شد الرحال الى مدينة «تفر»، الى «بيت الحياة»، وجلبا معهما قرابين الشكر والحمد لأبيهما الاله من “الیل”. وقدم «ایمش» كهدية منه أنواعا مختلفة . من الحيوانات البرية والمدجنة والأطيار والنباتات، فى حين أن «اينتين » اختار قربانه المعادن الثمينة والأحجار الكريمة والشجر والسمك . ولكنهما ما ان بلغا باب (بيت الحياة) حتى شرع “اينتين” الحاسد الغيور يخاصم أخاه، فاشتد الجدل والمناظرة بينهما حتى تحدى «ایمش» دعوی أخيه «اينتين» بكونه «فلاح الآلهة». فقصدا الى المعبد العظيم “ايكور”، المخصص لأنليل وعرض كل منهما قضيته . وبدأ «اينتين» شكواه لأنليل على الوجه الآتى :

((يا أبنى «أنليل » لقد عهدت الى بشئون القنوات فجلبت المياه

وجعلت المزرعة لصق المزرعة ، وكدست الأهراء ،

وأكثرت الغلة في خطوط الحرث ،

ومثل أشنان » ، العذراء الرحيمة ، جعلتها تنمو بوفرة ،

ولكن ها هو ذا «ايمش» … الذي لا يفهم في عمل الحقول ،

قد زاحمني وهو .. ودفع … بالمرفق .. والمنكب ، وفى قصر الملك … )). 

أما عرض «ايمش» للخصومة ، الذى يبدأ بعبارات الاطراء والتملق الموجه بمكر ودهاء لكسب رضاء «أنليل » ، فانه مقتضب كما انه لا يزال غير مفهوم على الوجه الأكمل . ثم يجيب (أنليل) ، كلا “ایمش” و « اينتين » بقوله :

(( المياه المنتجة للحياة في جميع البلاد – «اينتين » هو الموكل بها ،

انه فلاح الآلهة الذي ينتج كل شيء ،

فيا بني “ايمش” كيف ساغ لك أن تقارن نفسك بأخيك “اينتين” !

تلك هى كلمة ( أنليل) السامية ، ذات المغزى العميق ،

ان حكمه لا يبدل ، فمن ذا الذي يجرؤ على تخطيه ! » ، 

وعندئذ ثنى “ايمش” ركبتيه أمام « اينتين » وصلى له ، 

وجلب الى بيته الرحيق والنبيذ والجعة ، 

فمتعا نفسيهما بالرحيق المفرح للقلب بالنبيذ والجعة .

وقدم « ايمش » لـ «اينتين » الذهب والفضة وحجر اللازورد ، 

وسكبا القرابين وهما على أتم ما يكون من الصفاء والمودة والسرور .

في الخصومة ما بين “ایمش” و «اينتين»، 

كان “اينتين”، فلاح الآلهة الصادق المخلص ، هو المنتصر على “ایمش”،

….سبحان الأب أنليل والحمد له » .

نهاية الأسطورة تقول:

((في الخصومة ما بين “ایمش” و «اينتين»، 

كان “اينتين”، فلاح الآلهة الصادق المخلص ، هو المنتصر على “ایمش”،

….سبحان الأب أنليل والحمد له))(1).

هذه الأسطورة تؤكد انتصار الحضارة الزراعية على الحضارة الرعوية للأسباب التي أوردتها الأسطورة.

***

اختار اليهود هذه الأسطورة التي تجعل من الحضارة الزراعية هي المنتصرة على الحضارة الرعوية مع تلبيس هذه الأسطورة لباس ديني يرى في القتل إثم كبير أي ينظر له نظرة أخلاقية/دينية.

صحيح ان التوراة تقتل ما يمثل حضارتهم الرعوية على يد ما يمثل الحضارة الزراعية لأنهم يعرفون جيدا ان حضارتهم آيلة للسقوط تحت سنابك الحضارة الزراعية، وفي الوقت نفسه فانهم محاطون بتلك الحضارة من كل جانب، في العراق، ومصر، وشمال الشام.

جاء في سفر التكوين- اصحاح/4 من التوراة:

((1 وعرف ادم حواء امراته فحبلت وولدت قايين. وقالت: «اقتنيت رجلا من عند الرب». 2 ثم عادت فولدت اخاه هابيل. وكان هابيل راعيا للغنم، وكان

قايين عاملا في الارض. 3 وحدث من بعد ايام ان قايين قدم من اثمار الارض قربانا للرب، 4 وقدم هابيل ايضا من ابكار غنمه ومن سمانها. فنظر الرب الى هابيل وقربانه، 5 ولكن الى قايين وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه. 6 فقال الرب لقايين: «لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ 7 ان احسنت افلا رفع؟ وان لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، واليك اشتياقها وانت تسود عليها».

8 وكلم قايين هابيل اخاه. وحدث اذ كانا في الحقل ان قايين قام على هابيل اخيه وقتله. 9 فقال الرب لقايين: «اين هابيل اخوك؟» فقال: «لا اعلم! احارس انا لاخي؟» 10 فقال: «ماذا فعلت؟ صوت دم اخيك صارخ الي من الارض. 11 فالان ملعون انت من الارض التي فتحت فاها لتقبل دم اخيك من يدك. 12 متى عملت الارض لا تعود تعطيك قوتها. تائها وهاربا تكون في الارض». 13 فقال قايين للرب: «ذنبي اعظم من ان يحتمل. 14 انك قد طردتني اليوم عن وجه الارض، ومن وجهك اختفي واكون تائها وهاربا في الارض، فيكون كل من وجدني يقتلني». 15 فقال له الرب: «لذلك كل من قتل قايين فسبعة اضعاف ينتقم منه». وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده. 16 فخرج قايين من لدن الرب، وسكن في ارض نود شرقي عدن.)).

في نهاية الاصحاح نجد ان الرب حمى قابيل من القتل، واسكنه جنة عدن(2)، أي انه ظل مطاردا من الآخرين.

***

ان الصراع بين هاتين الحضارتين مستمر منذ الأزل، وقد وضعت الأساطير، والخرافات، والحكايات، عن ذلك، وهذا الصراع يعكس حالة واقعية بين هاتين الحضارتين المعروفتين منذ القدم إذ فيه تنتصر الحضارة الزراعية على الحضارة الرعوية، الحضارة الطرية ذات النبض المستمر، الحضارة الزراعية، ضد الحضارة الجافة ذات النبض المتقطع، الحضارة الرعوية.

من المعلوم ان اليهود كانوا يعيشون بين حضارتين زراعيتين، حضارة وادي الرافدين في العراق، وحضارة وادي النيل في مصر، والقبائل الاسرائيلية من حضارة بدوية/ رعوية، وان أخوة يوسف كانوا رعاة أغنام، وقد تآمروا على يوسف أثناء رعيهم بسبب ظاهري هو الحسد، ولما كان الأمر كذلك، وكانت الحضارة المصرية(!) حضارة زراعية، وهي حضارة صاعدة، متقدمة، متفوقة على الحضارة الرعوية، جلب الحسد في نفوس اليهود لها، لهذا أرادوا من خلال وضع هذه الاسطورة التي سرقوها من حضارة وادي الرافدين، وغيروا في بعض مفاصلها، أن يبقى إثم قابيل الى الأبد لقتله أخيه هابيل كما قتلت حضارتهم الرعوية على يدي الحضارة الزراعية ان كانت في مصر(!) أو كانت في اليمن كما توصل أخيرا بعض الدارسين الى ان الموطن الأصلي لليهود هو اليمن.

ان البدوي المتنقل في أرجاء الأرض للبحث عن الماء والكلأ، أي الراعي، قد صب جام غضبه على المزارع الثابت في أرضه دون أن يغادرها بوجود الماء، وقد حسده على ذلك، وقد وجد ناس هذه الحضارة ليس بإستطاعتها الخلاص من تلك الحضارة فقد جعل من المزارع قاتلا للراعي الذي أحبه الله كما زعمت التوراة،أي انهم محبوبون من الله، شعب الله المختار، والمزارع هذا هو صاحب الحضارة المتفوقة على الحضارة الرعوية، ليكون الإثم الواقع عليه مسنمرا عبر التاريخ.

وقد زعمت التوراة بأن الراعي هذا هو مفضل عند الله، وان قربانه هو المفضل على العكس من قربان المزارع وهذا ما دفع بالمزارع الى قتل الراعي ليظل ملعونا عبر التاريخ.

***

الهوامش:

1 – من ألواح سومر- صمويل كريمر – تر: طه باقر – مكتبة المثنى – بغداد – ب. ت. – ص 227 وما بعدها.

2 – هذا يؤكد بما لا يقبل الشك ان اليهودية كديانة قد ظهرت في اليمن.