بقلم جاد قرقوط
((ت ا م ل ك، ت ا م ل ك، ت ا م ل ك))
مجهول
استَيقَظَت للتّو، ارتدَت عَباءتها السّودَاء، ورَاحت تَمشي، تَطفو كالسّاحرة في فناءِ الدّار وتجسّ بقدميهَا الأرضَ الصّلبة. أمّا هو فقد كان مُنهَمكاً في هَندسةِ هِندامهِ، فكلّ ما يريدهُ هو أن يفرِضَ هَيبَته مُجدّداً على أقرانهِ؛ أن يهابَه “قَابُوس”، الّذي عَرفَ أنّه هو – “أبو طُبيْل” – لا يُنجبُ كلّ ثلاثة أطفال دَفعَة واحدَة.
يا لِلعَار! لحظةُ غَضَبٍ وَاحدة أفسدت كلّ شيء! ليتهُ رضِي بالقليل، لمَا انكشفَ أمرهُ!
((بطّل بْيسْوَا الرز بِحَلِيب هَلّقْ!))
لم يكن من الضّروريّ الجدال مع امرَأة، خصوصاً إذا كانت مُنيرة العِفريتة والشّرّيرة. كان من الأَحْرَى بهِ أن يَصمُت، إلّا أنّهُ بدَلا من ذلك، أشارَ بسبّابَته نحوَ صَدْره – مصوّباً نَحوَ مَركز الكبرياءِ مباشرةً – وقال بٍحنق: ((بَدّك إيّانِي أنِي إعزِم عَ رُزْ بحَلِيْبْ؟!)). كعَاداتها العشوائيّة، ابتسَمَت “خليلتهُ”، وأجَابَتهُ بِمُنتهَى السّخرية: ((بْعَبّيْلَكْ إيّاهُن جُوز ولُوز…))، ورَاحَت تضحكُ، متهكّمةً مِن هذا الرّجلِ الّذي يَبلُغُ طُولُهُ ستّة أقدام (إذا أرَدنَا أن نُقصي العَمَامَة الّتي أصبَحت جزءاً من رأسهِ). هذا مَا حثّهُ عَلى صفعِها، حتّى أنّه تَفاجئَ من شدّةِ عَزمهِ، وربّما فكّر بالاعتِذار، لكنّ لسانَهُ الذّلِق لم يُطعه: ((تِضرَبي بمُودِيلِك….)).
أَفلَتَت من قبضَتِهِ، بعدَ مُراوغاتٍ، سَهلة مُمتنعة، لا يُستهَان بها، وأَخبَرت الجَميع عن عجزهِ المُختَبئ وراءَ فُحولَتهِ الخرافيّة، رغبة في الانتِقام. كانت صدمةً كبيرةً يومَ أدركَ الجميعُ أنّ هَذا الجَاموس المُرعب لا يقوَى على فعلِ شَيء!
مُنذُ ذلكَ الحِين، انقطَعَا عن التّواصلِ والتفتَ كلّ إلى شُؤونهِ الخَاصّة، هي تَجلِس في “الأوضة الجُوّانِيّة” وهو يلزم “المَضَافَة” ويصِيح طَوَال اليَوم: ((تفضل – أَهْلَا وسَهْلَا…أهْلَا وسَهْلَا))، دُونَ وُجُودِ أيّ سَبَبٍ يَدْعُو إلى ذلِك.
تَظُنّ “أم طُبَيْل” أنّ زَوجَها بَدَأَ يَفقِدُ عَقلَهُ مُنذُ زَوَاجِهَا مِنه، والسّبب في ذلك يَعُودُ إلى قَاضِي المَذهَب الّذِي أَشرَفَ على تَزويجِهِم – فَكَانَ أوّل شَخصٍ يَفقدُ عَقلَهُ في القَرية، ليَنقُلَ هَذا الدّاء الفتّاك إليهِمَا بَعدَ أن نخرَ في عقلهِ وجَعَلَهُ يُزوّج طِفلة “بعُمْرْ الْوَرِدْ” مِن خنزير برّيّ.
((نَعم))، قال، ((بالطّبعِ يُمكِنك ذلِك! ألَستَ ابنَ عِشرين؟ أنتَ أَكثر مِن جَاهز! ومَاذَا عَنهَا هِي؟ خمسةَ عشر عاماً – مُمتَاز! مُمتاز!))
بهَذَا – بالاعتمَاد عَلَى أَحَد قَوانين أهليةِ الزّواج – أصبحَا كياناً واحداً، وَلَا دَاعِي لِذِكر تفاصيل الحَياة الزّوجيّة. ببسَاطَة، لم تكُن تَملك لسانَ شَهْرَزاد لتَشغله بشَيء آخَر غيرَ جَسَدها، ومَا كَان ليكتَرثَ لقصَص الأَجدادِ التّافهة – فأذناهُ لا تَلتقِطان إلّا الشّتَائِم.
أمّا هذا فقد أصبحَ من الماضِي، ولَا جَدوَى مِن الحَدِيثِ عن قِصَصٍ توارت خلفَ تِلال الزّمان؛ لذَا، من الأفضَلِ لنا أن نَلتَزمَ الحاضِر ونَمشِي برفقَةِ “أم طُبَيْل” ونَستَمِعَ – لَا إلى صَوتِها الحادّ والبتّار – ولَا حَتّى إلى العصفُور يُنشِدُ: سِيقْ-سِيقْ – سِيقْ-سِيقْ-سِيقْ – بَل إلى التناقُضَاتِ النّاجمةِ عن اصطِدَامِ هَذَا بذَاك.
((شُو! مِن الغَلْوة “للخَلْوة”!))
تَجَاهلَ هَذا الشّيخ المَغلوب عَلى أمرهِ – هَذا العَبدُ الفَقِير الّذي لَا يَشرَب إلّا مِن مَاءِ المَطَر – استفسَارهَا الدّنيء، كَي يتجنّب الفَضَائِح في يومٍ مبَاركٍ كَهَذا. وقفَ أمَامَ المِرآة، وانحنَى قليلاً، لكَي لا يَرتطمَ سقفُ المنزلِ برأسهِ!
((شُو؟ لِيشْ مِشْ عَمْ ترُدْ؟))، قَالَت وَهِي تلفّ منديلَهَا الأبيضَ الصّوفي حَولَ عُنقهَا، ((موَقْفِتَكْ الكَاميرا يَعْنِي!)).
يَحدُثُ هَذا كلّ يومٍ، هي تردّ مَنديلها أكثرَ مِن ألفِ مرّة كلّ دَقيقَة وهُو يتعثّرُ فِي شِروالهِ الأسود الفَضفَاض بالقدرِ نفسهِ. هوَ يَرفُسها بحَوافرهِ وهي تلسَعهُ بلسَانها. هو يذهَب من الصّباحِ الباكِر، ليعُودَ مساءً بخفي حُنَين؛ وهي تَجلسُ عَلى الكُرسِيّ الهزّاز مقَابلَ شجرةِ الرمّان الّتي كان عِطرهَا، آنَذَاك، يَمتزجُ برائحةِ الزّغاريد والأهَازيجِ الواعدَة، ثمّ يَسكبُ نفسهُ برقّة على عتبةِ نافذةِ “المضَافَة”، متسلّلاً إلى الأرَائك، المنضّدَة برتابةِ “أم طُبَيْل” وذوقهَا الرّفيع، وينتشرُ في الأزقّة فالقُلُوب.
عَلى هَذا النّحو تمضِي الحَيَاةُ فِي “أرضِ اليبَاب” – مجرّدة من الدّوافعِ الإنسانيّةِ السّامية ومُكتفيَة ببقايَا الأحلَام؛ عَلى الأقَل، هَذا مَا تَشعُرُ بهِ، وهيَ تُشاهِدُ زَوجهَا يَخرُجُ مِن فَيء أشجارِ الصّنوبر والسّرو إلى أوّلِ الزّقَاق ويَختفِي خَلفَ السّور الحجريّ الّذي رَصَف حجَارَتهُ بنفسِهِ؛ أحجار بَازلت صَغيرة الحجمِ، تتكيّفُ، كسكّانِ القريةِ، مع كلّ الظّروف. قبلَ ذهَابهِ بقليل، وقبلَ أن تَعودَ هي إلى مَاضِيهَا – هَتفَت بصوتٍ هَزليّ: ((إيّاك تورّطْنا مَع العَالم! مِش نَاقِصْنَا فَضَايح آخِر هالعُمر))، استدارَ نَحوَها وقَالَ مُعاتباً: ((يِا مَرَا شُبك! مَا عِندِكشْ دِين يَعنِي!))، ثمّ مَضَى فِي حَالِ سَبيلهِ وتَرَكَهَا لهواجسِ الذّاكِرَة.
أغمَضَت عَينيهَا وتلقّفَ وجههَا الطّفح الحرارة من شعلةِ الكَونِ الأولَى؛ شُعلة برُومِيثيُوس الرّيعَانة، يَكادُ مَا ينفكّ تَوقّدهَا – تشعّ من رحمِ الجَوزاءِ صباحاً وتذُوبُ في الأفُقِ أصَيلاناً – لتعودَ بقرونٍ واجمةٍ يوماً بعدَ يومٍ. هي متلهّفة للقائِهم اليَوم. لا تُطيقُ الانتِظارَ أكثرَ مِن هَذا. كَثُرت الذّنوبُ وتَزَعزعَ القرارُ، وآنَ الأوانُ لأن يظهرَ اللاّهوت بصفةِ النّاسوت، كمَا اعتادَت أن تقولَ جدّتها – ألَا يأتونَ ليخلّصونا من الذّنوب؟
شعَرَت بإحباطٍ مُفاجئ عِندَما تذكّرت جدّتها وأصَابَها الخِذلان حينَ فشِلت في استحضَار معلوماتٍ مهمّة – حكَايَة تخصّها هِي وربّما تخصّنا جميعاً! لكنّ الذّاكرَة لم تعُد قادرَة على الاحتفاظِ بشَيء! حتّى أنّها بدَأت تشكّ بوجودِ هذه الذّاكرة وإلى أيّ حدّ نستطيعُ معرفةَ أنفسنَا ومعرفتهُم….ولَكن لَا لا لا…هَذا هُراء…مجّرد كَلام. ربّما كلّ ما تحتاجهُ هو قيلولَة صَغيرة…نَعم…لا أكثَر ولا أقَل…هذا سيَفي بالغَرض…
نَهضَت عن الكرسيّ وتوجّهت إلى “الأوضَة الجوّانيّة”؛ ولكِن، قبلَ أن تجتَاز العتبَة، سَمِعت أحدُهم يِصرُخ: ((قَامَت القيَامة يَا مرتدّين!)).
يا إلهِي! لقَد قدمُوا!
بلهفةٍ وحمَاس، انطلقَت إلى أوّل الزّقاق. تلفّتت شمالاً ويميناً. لا أحَد. لا يوجَد سِوى الإسفَلت يلتهبُ من شدّةِ القيظِ والحَرّ. السّماءُ ذاتهَا ونفسُ الأشجَار: الأكي دنيا، الزّيتون، التّين. اقتربَت أكثرَ من أشجَار الصّنوبر الوارفةِ، وإذ بحفيدهَا “نشتكِين” مستتر خلفَ الطّبيعة، يصيحُ بينَ الفينةِ والأخرَى: ((قامَت القيامة يا مرتدّين!))
((هذا أنت يَا غَالي!))، أمسَكت بيدهِ وأعَانتهُ على النّهوض.
كَانَ “نشتكِين” هَذا أفلجَ الشّفاه، طَويل اللّسان وغير بارع ٍفي الكَلام. تشبّثَ بعَباءةِ جدّتهِ وبدَأ يصرخُ: ((ستّي! ستي! قامَت القيامة)). حدجتهُ الجدّة نظرَة تتأرجحُ بين الحَنان والحزمِ وقَالت: ((أمّك بهَالبلَاد مَعْنَاتهَا))، واستطردَت: ((بيسْوَاش تِحكي هيك يا غالي بعدين بُكرا…))، وحلّ بهَا الصّمت.
يَخطُرُ لَها، وهي تضمّه الآنَ إليهَا، أن تبوحَ بمَا تُخفيه في كينُونتهَا، فينبع من النسيانِ سيلٌ مدرارٌ، عسَى أن تَخدقَ الذّاكِرة بفيضٍ من الأوطَار، فنعودَ للانتظار مجدداً.
واه يا سادتِي! لو أدركَت فقط أنّها كانَت تدافعُ عن أشباهِ أطياف ٍ– يظهرونَ فِي مخيّلتها ويغيبونَ كما يبزغُ غَاتسبِي من حفلاتهِ ويختفِي بغتة. لكن هذا، أيّها القَارئ، قلّما يحدثُ في الحَقيقة، ناهيكَ عن الخيالِ والشّخصيات ذوات الطّبائع “الدونكيشوتية”.
غداً…غداً…نَعم….نعم….سَيتجلّى اللاهوت بصفةِ النّاسوت…
قاص من سوري


