المجلة الثقافية الجزائرية

كم يكفي من الحب كي ننجو

عبد الكريم ساورة

تكلمنا كثيرا في كل شيء، إلا الحب, لا أعرف لماذا كلما وصلنا في نقاشنا إلى هذا الرجل الصوفي صمنا عن الكلام، ليس خجلا أو تعففا وإنما خوفا، نعم الخوف في الخوض في غمار عوالم هذا الشيء الذي تعلمنا منذ الصغر السكوت في حضرته. 

الآن ، بعد كل هذه السنوات، أصبحنا جميعا نحتفل بهذا الميت، ولا نعيش حلاوته بالمرة، لقد تحول إلى ذكرى مثل باقي الذكريات، نشتري الهدايا وبعض الإطباق من أصناف الحلويات وقد نتبادل مكرهين بعض الرسائل كلها كذب نرسم فيها صورة قلب أحمر وبعض الورود ونكتب من خلالها بعض الكلمات نسرقها من هنا أو هناك، لقد تحولنا جميعا إلى لصوص للحظات وننثر عليها قطرات نطلق عليها قطرات الحب.

لا أحد منا منذ مدة طويلة، أصبح يؤمن بشيء إسمه الحب، لقد تحول الحب إلى مجموعة من الهدايا الثمينة، إلى قضاء منافع متبادلة، إلى شراء أشياء ، مجرد أشياء ولكن بثمن، لقد اتفقنا جميعا في السر وفي العلن أن الحب له ثمن، لا ، بل اتفقنا علانية أن الحب هو الثمن نفسه، ولكننا نحاول أن نلبسه في كل لحظة لبوسا يناسبه، بل يناسبنا لحظة انزواءنا في ظلمة من الظلمات.

لقد تحولنا جميعا مع سبق الإصرار والترصد إلى تجار في جثة محنطة إسمها الحب، كل واحد منا ببيع سلعته بطريقة فنية ولما لا في أكثر الأحايين أكثر رومانسية حتى يكون البيع حقيقيا، وطبيعيا، ولكي يكون أكثر تأثيرا في الآخرين ليصدقوا أنهم فعلا يعيشون الحب، ويتنفسون أنسام الحب.

كم نحتاج من الجهد والصدق كي ننجو بأنفسنا، من هذا الوهم الكبير الذي أصبحنا جميعا نعيش فيه ونحن نكذب ونصدقه ونطلق عليه إسم الحب، وهذا المسكين يتبرأ منا، كما تبرأ يعقوب من ذم يوسف، إننا جميعا نشارك في هذه الجريمة النكراء بالتواطؤ مرة والمشاركة مرات متعددة.

صدقوني، لن يستطيع أي واحد منا أن يعيش تجربة الحب، الحب أكبر منا بكثير ، أنها تجربة لايمكن أن يعيشها المنحرفون في العواطف، إنها تجربة تحتاج إلى إحساس نبيل، هل نملك فعلا هذا الإحساس ؟ إننا لانملكه، ولن نملكه يوما ، لإنه يحتاج إلى صدق مع الذات، صدق الأحاسيس ، ونحن منذ مدة طويلة مات فينا الإحساس، قد مات أيها الرفاق والرفيقات.

ذات يوم قالت صديقة كانت تدرس معي في الثانوي، وذهبت الى الجامعة فحصلت على الإجازة في التاريخ والجغرافيا، لكنها لم تحصل على عمل، فقررت الهجرة إلى فرنسا عن طريق زواج ابيض مع تاجر في هذا الصنف، وبالفعل تحسنت وضعيتها المادية وأصبحت لديها شقة في ضواحي باريس ، وعندما قلت لها ها أنت الآن في برج عالي ، لذيك كل شيء، فردت علي والدموع تملأ عينيها :لكنني لم أذق طعم الحب يوما، ولم أشعر يوما أنني امرأة، وزادت بنبرة قوية : أنا لست امرأة بالمرة…ياله من إحساس خطير عندما يفقد الإنسان الإحساس بذاته، ويصبح يشعر بأنه مجرد جسد يفقد أي انتماء إلى ماهو آدمي ، مجرد جسد يأكل ويتحرك وينام ويستيقظ ويذهب إلى العمل بدون روح ولا إحساس.

الآن ، نعيش جميعا مايسمى بإفلاس الذات، إفلاس المشاعر، هل نستطيع أن ننجو من هذا الخراب المهول في المشاعر ؟

لن ننجو مادامت سلطة الإغواء والإغراء تسكن روح المرأة، إنها تحاول أن تفعل أي شيء عن طريق الإغراء من أجل أن تحقق غرضا ولو صغير جدا ، ومادام الرجل يفتقد إلى المشاعر الحقيقية، ولا يجد سوى الكذب كوسيلة لتحقيق أغراضه الشهوانية، فلن نحقق أي تصالح مع ذواتنا، مع هذه الأجواء يظل الحب هو الضحية الأكبر سواء في الحقيقة أو في الخيال من خلال الأقنعة التي نلبسها باسم الحب لنقضي أغراضا تافهة جدا مع الأسف الشديد.

كاتب صحافي.