المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

في “الخالصة” كان لقيانا: أو حواريّة طيف ابن البعباع

نزار فاروق هِرْمَاسْ

“باليرمو”: فاتنة هجينة،
كحبّات كسكسيّها، ككُفَت أرنشينيّها،
كقطع كانوليّها، كعصائر ليمونها،
كنكهات سوربيتها، كضجيج أسواقها،
كجنوبيّة طقسها، ومزاجيّة سكّانها،
تتمازج الإنطباعات عنها،
وتتهافت الخواطر فيها.
تصل إليها بشوق ابن حمديس،
بعشق ابن رشيق ونفور ابن عبدون.
بدرر ابن القطّاع وسلوانيّات ابن ظفر،
بخرائط ابن إدريسَ وعجائبيّات ابن جبير،
بفتن ملوك طوائفها وافتنان “الرّوجرين.”

***
سرعان ما تفرّ من السّاحات المحيطة
بشنترال باليرمو،
يرهبك مشهد اعتقال “حارقين”
وصراخ “الكربنييري” الحاقدين،
القطار االذّي حملهم من راقوسا عبر سرقسطة وكاتانيا،
بعيدًا عن لمبدوزا
يتأرجحون بين قصائد الأحلام،
وروايات الواقع المرّ.
***
تطأطئ رأسك خجلًا من الذّين حوّلوا ساحتي “جوليو سيزاري” و “فرانشيسكو كوباني”
إلى وكري ذلّ حضاري.
خطواتك المصدومة،
تقودك إلى “كلسا.”
في أزقّة الخالصة،
يفقد الزّمن خوارزميّاته الرتيبة،
يظهر طيفُ آخرحكّام بَلرم ،
من باب كنيسة “ماجيوني”،
يرمق الأقواس المنسيّة،
ويعبر باب “الخالصة” المطلّ على المرفأ العظيم،
يبحث عن سفنه التي انتفخت أشرعتها
بوعود العودة المستحيلة.
يهمس بصوتٍ كحفيف أوراق اللّيمون والرّمان
يروي حكايات تتشبث بالحجارة القديمة.
يريني حدائق منازل قديمة،
نضج فيها التّين يومًا،
و ألف مئذنة،
كانت تعانق السّماء،
يحكي لي عن صقليّة،
ويسألني عن فلسطين.
تُدوّي صافرات سيّارات “الكاربينييري”
يختفي طيف ابن البعباع،
فأهرع وحيدا إلى ملجئ النّسيان السّقيم.

 
أستاذ دراسات الشّرق الأوسط وجنوب آسيا
جامعة فيرجينيا