المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الأجمل والأروع في رواية (عبّاس)

قراءة انطباعيّة بقلم: الطاهر اعمارة الأدغم

 

عبّاس لَغْرُور… هذا الاسم الثّوريّ اللاّمع، رَأَى النّور في خَنْشْلَة عام 1926…
في وسعنا أن نقرأ حوله الكثير، مثل باقي قيادات ثورة نوفمبر المجيدة… لكن… أن نقرأ عنه في غير كتب التّاريخ فهذه تجربة أخرى لها طعمها ولونها الخاصّ..
تقرأُ عنه، أو عن فصول من حياته، بقلم روائيّ يسردُ لك الأحداث والوقائع ويستعرضُ المشاعرَ والأحزانَ والأفراحَ، والآمال والآلام..
سردٌ مَشْفُوعٌ بألوانٍ وأدواتٍ مختلفة تجعلُ القارئَ يعيشُ اللّحظة، ويشاركُ في المعارك البطوليّة ضدّ قوات المحتلّ الغاشم، وقبل ذلك: يتناغمُ مع حياة عبّاس الانسان ومن حوله.. عبّاس الولد والشّاب والتّاجر والمناضل والزّوج والوالد والقائد… باختصار: إنّها صورة قلميّة رائعة ومثيرة..
لم يصرّح الكاتبُ بالاسم الكامل لعبّاس شخصية الرّواية، لكنّ الأمر اتضح من خلال مكان الولادة وجبال النّمامشة حيث النّشاط الجهاديّ الأبرز والأكبر والأكثر، وتونس حيث سافر الشّهيد إليها وفارق الحياة هناك.. كما أَبَانَ عن حقيقة عبّاس ثلاثةٌ من الأفاضل الذّين أشادوا بالرّواية وصاحبها على صفحة الغلاف الأخير (بشير خلف، صالح لغرور، عبد الحميد ختّالة).
ومن جميل ما جاء الرّواية، وكلّها جمال، تلك المواقف الإنسانيّة لعبّاس لغرور حين يجسّدُ أعلى درجات الوعي بمسؤولية القائد وشعوره بمَن حوله من جنود:
بعد معركة “خنقة سيدي ناجي”، وعبّاس في مقرّ قيادته بجبل النّمامشة يصلُ السّايح من البَلْدَة ومعه بعض المؤونة والأخبار… ويبدأُ بالخبر المؤلم: والدُك سي محمّد انتقل إلى رحمة الله… ويسودُ الصّمت، وتتحوّلُ كلّ الأنظار إلى عبّاس وبندقيته على كتفه..
تعاطفٌ وانتظارٌ لرّدة فعله.. لكنّه يصمدُ ويطلقُ رسالته: وماذا جلبتَ معك للرّجال هذه المرّة يا السّايح؟
أحضرتُ تمرًا ودقيقًا ولبنًا.. وأحضرتُ أيضا صورةً حديثك لأبنائك: طارق وحسينة..
ويمدّ يده إلى عبّاس، فيسارعُ إلى وضع يده على الصّورة كي لا يراها، ويدفعُ يدَ السّايح برفق قائلا: لا أستطيع أن أراها، ما الذّي يميّزني عن إخواني هنا؟ لقد تركوا جميعا أطفالهم، فليس من حقّي أن أرى أطفالي، وهم لم يروا أطفالهم. (ص: 158)
يُدخِلُ السّايح الصّورة إلى جيبه، ثم يسحبُ “قَشَّابِيَّة” جديدة من متاعه ويسلّمها لعباس قائلا: أمّا هذه فهدية من أحد الاخوة بخنشلة لك شخصيا.
فينادي عباس على “معمّر”، مجاهد، ويطلبُ منه أن يجرّبها، فيفعل ذلك وهو ينظرُ إليها بإعجاب، ثمّ يهمّ بخلعها، فيقول له عباس: اتركها فهي لك. (ص: 159).
وفي الرّواية أيضا رسالة تعكسُ قيم الشّعب الجزائريّ والأمّة التّي ينتمي إليها:
أخلاقُ الحرب، وكراهيّة إراقة الدّماء، لولا ضرورة الدّفاع عن النّفس ومقارعة العدوّ الذّي جَثَمَ على الصّدور طويلا..
في نهاية معركة “جلاّل” يدركُ القائدُ عبّاس أنَّ الشابَّ المجاهدَ عمار مفقود، فيتحرّك بشجاعة ورباطة جأش زاحفا بين الحُفر حتّى يعثر عليه وهو يضع يده على جرح غائر في بطنه، ويتنفّس بصعوبة والدّموع تملأ عينيه.. ويتساءل عبّاس عن مقدار الألم؟
ويأتي الجواب: انظر.. ويشيرُ إلى جنديّ فرنسيّ في بداية شبابه.. قَتَلَهُ عمّار.. (ص: 170).
يبكي عمّار ويقول: ما كان يجدر بي أن أقتله، فلا بدّ أنَّ له أمًّا تنتظرُ عودته من الحرب.. ويصوّبُ عباس الفكرة: لو تردّدتَ لحظة في قتله لكنتَ أنت الآن هناك وهو هنا.. ويحملُ القائدُ رفيقه الجريح على ظهره ويعود به إلى أصحابه.


الرّسالةُ في الرّواية واضحة.. إنّها الإحساس بالآخر عندما يكون هو أيضا ضحيّة لمخطّطات أكبر منه.. إنّها درجة عالية من ضبط النّفس والتّحكم في مشاعر الانتقام والغضب.
وما دامت الأحداث تدورُ في خنشلة وجبل النّمامشة وتبسّة، فيجدر بنا التّذكير بالجنديّ الفرنسيّ نويل فافرليار الذّي قاتل مع الثّورة الجزائرية بعد أن أنقذَ مجاهدًا أسيرًا من الإعدام في ثكنة قرب بير العاتر، تبسّة، وفرّ معه إلى معاقل المجاهد القائد الطّالب العربيّ عند الحدود التّونسية الجزائرية، حيث محاضن المجاهدين في الجريد التونسيّ، الرّديّف وأمّ العَرَايس والمِتْلَوّيّ ونَفْطَة.
وقد كتب نويل عملا ملحميًّا عَنْوَنَه بــ: القِفار عند الفجر، وله ترجمة عربيّة بقلم الأستاذ علي زريق، كما نشر صديقه ورفيقه في رحلة الفرار، محّمد الصّالح نصير، ذكرياته ومسيرته في كتاب عَنْوَنَه بـ مسيرة الخوف والأمل.
الأحداث والأوصاف في رواية عبّاس تبدو دقيقة، والمؤكّد أنّ الكاتب استقاها من مصادر تاريخية موثّقة، أو من شِفَاه من عايشوا الأحداث أو سمعوا ممّن عاصروها، خاصّة أنّنا نقرأ في الغلاف الأخير أكثر من تقريض لكلّ من بشير خلف الكاتب والقاصّ والمجاهد، وصالح لغرور الكاتب والباحث في تاريخ منطقة النّمامشة، والدّكتور عبد الحميد ختّالة أستاذ النّقد بجامعة خنشلة، والثّلاثةُ ثمّنوا إبداع الكاتب في الجمع بين الأحداث التّاريخية بدقّتها وتفاصيلها، والأدب والخيال والسّرد.
لقد وصف الكاتبُ جبال النّمامشة وحدودها، ووصف في البداية معالم وأماكن في تونس العاصمة، كما وصف الوديان والطّرقات والمباني ذات العلاقة بالمعارك والأعمال الفدائية: عمليّات ليلة أوّل نوفمبر في خنشلة، معركة “خنقة سيدي ناجي” ومعركة “جلاّل” ومعركة “الجدَيْدَة” ومعركة “الجرف” الكبرى.
تمنّيتُ لو أنّ الكاتب أشار إلى أنّ الأوصاف والأحداث والأماكن والأسماء حقيقيّة، كما فعل “دان براون” في روايته الشّهيرة “شيفرة دافنتشي”، عندما خصّصَ صفحةً بعد الاهداء والشّكر، وعَنْوَنَها بـ حقائق، ومما جاء فيها: إنّ وصف كافّة الأعمال الفنيّة والمعماريّة والوثائق والطّقوس السّرية في هذه الرّواية هو وصف دقيق وحقيقيّ.
وأمرٌ مشابه مع الرّوائيّ الرّاحل عبد الرّحمن منيف، السّعوديّ العراقيّ، في ثلاثيّته الشّهيرة “أرض السّواد”، ومحورها الوالي العثمانيّ داوود باشا (1767-1851)، حيث زخرت الرّواية بسرد رائع لأحداث وحياة مجتمع كامل في تلك الفترة من تاريخ العراق وعلاقاته بجيرانه، والحرب الباردة التّي دارت رحاها بين داوود باشا والقنصل الإنجليزيّ في بغداد المستشرق وعالم الآثار والرّحالة كلوديوس جيمس ريتش.
عبد الرّحمن منيف وهو يجنحُ بخياله ويحرّكُ شخوصَه ببراعة ليظهر العمقَ الثّقافيّ والاجتماعيّ والعسكريّ والإداري للعراق، وبغداد خاصة بكلّ جمالها وطيبة أهلها، وما يعاكس ذلك أيضا.. وهو في غمرة ذلك يضعُ جُمَلاً بين قوسين خلال سرده لكلام وتعليقات القنصل الإنجليزيّ، ويبدو أنّها منقولة حرفيا من مذكّرات القنصل المذكور الذّي توفّي عام 1921 وسجّل رحلته في كتاب طَبَعَتْه زوجته عام 1936 بعنوان “رحلة ريتش، المقيم البريطانيّ في العراق عام 1920 إلى بغداد، كردستان، إيران”
خاتمة رواية عبّاس كانت قمّة في الذّكاء والمناورة..
فبعد الصّورة الرّائعة للجهاد والمجاهدين والتّضحية والفداء، هل يستسيغُ الكاتبُ أيَّ خدش لتلك الصّورة المُشرّفة للثّورة..؟ صورةٌ صارت ملكيةً جماعيّة لأجيال ترتبطُ بِشَعْبٍ قدّمَ البطولات والتّضحيات، وضربَ أروع الأمثلة في التّلاحم والتّكاتف والصّبر.
لكنّ التّفاصيل، ومفارقات الثّورات شيء آخر.. ويبدو أنّها لا تعني صاحب الرّواية هنا، لأنّه يريد للصّورة الأجمل والأروع أن تتربّع على عرش ذاكرة القارئ: شعبٌ قدّم وضحّى ودحر المستعمر الغاشم.. أمّا تفاصيل المفارقات والانحرافات فهذا شأن المؤرّخين والباحثين، وشأننا جميعا ونحن في مقام آخر، مهمّ أيضا، هو مقام التّعلّم من الماضي عبر العِبَر والدّروس المستخلصة من الخطايا والمثالب.
النّهاية إذن:
بعد معركة الجرف الكبرى، والخاتمة المأساويّة، أو قمّة التّضحية وبذل النّفس في سبيل الله.، نصلُ إلى حوار بين الصّديقين، عباس وتجاني، وهما اللّذان ظهرا في بداية الرّواية معا في تونس.
يقول عبّاس لصاحبه تجاني: من حسن حظّك أنّك لن تتوقّف الآن عن مصاحبتي، لأنّني سأذهبُ هذه المرّة إلى مكان جميل.. فتبدو علامات التّعجّب على وجه تجاني ويسأله: إلى أين ستأخذنا هذه المرّة يا صاحبي؟.. احرز.. معك أنت لا يمكنني أن أحرز أيّ شيء.. سنذهب إلى الجنّة يقول عبّاس.
تظهر الحيرة على وجه تجاني، فيضيفُ عبّاس: لا تقلق، أقصد سنذهب إلى تونس الخضراء، ننعم ببعض الحرّية التّي ينعمون بها هناك هذه الأيّام.. تظهرُ تقاسيم البهجة والفرح على وجه تجاني، ثمّ يصمتان ويتأمّلان الأفق.
قال عبّاس: الجنّة.. ثمّ قال: تونس.. وفي تونس كانت النّهاية، وكانت الجنّة.. ليترك الكاتبُ خاتمةَ الرّواية غامضةً.. أو واضحةً لمن يعرفُ أصل الحكاية..

الصّفحات: 202، قطع متوسط / دار خيال للنّشر والتّرجمة، برج بوعريريج، الجزائر / التّاريخ: جوان 2023.

مساء الأحد 30-07-2023

كاتب، أستاذ جامعيّ