المجلة الثقافية الجزائرية

التاريخ المنسي لصعيد مصر.. منقريوس وزير مالية الشيخ همام

دكتور خالد عزب

كتاب مثير يكشف جوانب مهملة في البحث التاريخي في مصر ألفه الباحث النابغة أمير الصراف، الكتاب عنوانه (منقريوس بن إبراهيم.. وزير ومباشر همام الهواري أمير صعيد مصر) صدر الكتاب عن دار المرايا، قدم الكتاب الدكتور محمد أبوالفضل بدران الذي تسائل في مقدمته: هل يطوي التاريخ صفحات عمدا ويظهر أخري؟ لماذا يغفل التأريخ صانعي الأحداث الفعلين وأدوارهم المؤثرة، ويمضي في تمجيد المنتصر وينسي المهزومين؟ فهو في رأيه تاريخ الصعيد الممتد إلي حدود السودان باهتا، ففي رأي بدران أنه ربما لأننا لم نجد مؤرخين كبارا في الصعيد في حقب تاريخية كان الصعيد يموج بالأحداث موجا، الكتاب يسلط الضوء علي أحد أهم أفراد رجال الادارة القبطية في صعيد مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو منقريوس بن إبراهيم المكني في بعض وثائق وحجج المحاكم الشرعية، ب (بولس منقريوس) وزير الأمير همام بن يوسف بن محمد وذراعه الأيمن في الإدارة.

يذكر أمير أنه تزامن اشتغال منقريوس بإدارة همام زعيم قبيلة هوارة مع تولد فكرة الدولة المستقلة في الصعيد، والموزازية للسلطة المركزية في القاهرة، ذات الجناحين المتمثلين في الوالي العثماني وشيخ البلد الذي كان منصبا في حوزة المماليك، كانت هذه الدولة مترامية الأطراف من المنيا إلى أسوان، حرص همام علي توسيع إقطاعيته المترامية الأطراف تدريجيا، بعدة سبل بعد تنصيبه زعيما لهوارة، ومصرفا لشئون القبيلة، ومتحدثا باسمها لدي استنبول وجناحي السلطة في القاهرة، خلفا لوالده ، مما ألهمه فكرة الاستقلال عن السلطة المركزية، بفضل مواردها الاقتصادية التي لا تنضب.

أدار التكنوقراط دولة الشيخ همام ومنهم منقريوس بن إبراهيم، فقد جعله الشيخ همام ضمن دائرة صنع القرار داخل هوارة في عنفوانها، ونائبا عنه في إدارة الحكومة المؤلفة من طبقات الموظفين والمباشرين، أدي منقريوس مهاما بالغة الحساسية في تلك الفترة المتزامنة مع صراعات همام مع طبقات المماليك، وعلي رأسهم علي بك لكبير، كان منقريوس يقوم بشراء وبيع الأراضي نيابة عن شيخ العرب همام، وجمع الجزية، المؤلف الدؤوب حصل علي وثائق أل تكلا سيداروس حفيد منقريوس، وهي مصدر تاريخي يجري نشره والاستفادة منه لأول مرة، فرسم عبر هذا المصدر التاريخي صورة قريبة لحيوات وسلوك وتعاملات النخبة القبطية في الصعيد، مع مجتمعها المحلي، بمكوناته الاجتماعية المعقدة، من خلال نموذج بقطر البلوطي مؤسس هذه العائلة ،والجد المباشر للوزير منقريوس بن إبراهيم وزير الأمير همام بن يوسف.

يوضح المؤلف أن بقطر البلوطي أول أفراد هذه العائلة التحق بخدمةالبكوات المماليك، ولم يحظي بشهرة ويرجع أميرالصراف ذلك إلي أن دوائر التكنوقراط الأقباط بالعاصمة كانت كبيرة، وورثه في وظيفته ابنه سليمان بن بقطر، تتبع أمير أجيال هذه الأسرة إلي الجيل التاسع ومنه كامل جرجس الذي ولد في 1885 والذي ترشح للمجلس النيابي عن دائرة نجع حمادي عام 1924، وفاز بالتزكية، وعرف بنشاطه فقد كان له دور في إنشأ مركز اسعاف في قرية بهجورة، كما خصص بيتا للضيافة في بلدته لكل عابر سبيل، وأقام مقبرة لأجداده في مقابر هو.

هذا الكتاب لا نري فيه إلا شغفا يدفعنا للتسائل، وأين باقي تاريخ عائلات الصعيد من المسلمين والأقباط، فقد حظي الهوارة بقسم كبير من اهتمامات المؤرخين، لكن تبقي عائلات كثيرة دون تأريخ، كعائلة نصار في البداري بأسيوط، وعائلة عامر في المنيا، وعائلة ثابت في المنيا وغيرها كثير، وهذا ما يحتاج تعاون هذه العائلات.