المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

“حكمة متسول”

عبدالعزيز صلاح الظاهري

قبل أسبوع من الآن استيقظت من النوم، وتفاجأت بالأصبع الأوسط الذي يقف بين السبابة والخنصر ليدي اليمنى قد تصلب وتقوس..

كم كان الأمر مخيفاً لي، إنها اليد اليمنى التي أتناول بها الطعام، وأرد بها التحية والسلام، وأمدها للكرام..

 لو كانت اليد اليسرى لما كانت مشكلة بالنسبة لي ولكان الأمر هيناً، لكن اليمنى ! هذه مصيبة !

إن ذلك الأصبع سيسبب لي الكثير من المشاكل..

استعرضت كل ذلك في مخيلتي، وشعرت بالاضطراب..

فجأة برقت في ذهني فكرة، وبزغ بصيصٌ من الأمل، وبعد تردد حسمت أمري وأخذت أردد هذه العبارة مرة تلو الأخرى: “من الأحسن أن ينتهي الأمر الآن”، أسرعت وحملت مطرقة وبسطت يدي اليمنى حيث الأصبع الأوسط الذي كان راكعاً غير مكترث، ورفعت يدي اليسرى التي تحمل المطرقة عالياً وهويت بها عليه، لم أصرخ أو ترتعش شفتي السفلى حتى إني لم أتلو من الألم..

حسناً.. انتهى الأمر وأصبح ذلك الأصبع واقفاً شامخاً بين إخوته الذين كانوا يتحركون بخفة ورشاقة ونشاط..

 لكن كما يقال: المصائب لا تأتي فُرادى..

 في اليوم التالي وعندما استيقظت من النوم وجدت أن السبابة والخنصر والبنصر لنفس اليد، أقصد اليمنى قد انحنت وتصلبت..

 عندها لمعت في ذهني تلك الفكرة وشع بصيصُ ذلك الأمل مرة أخرى، وأخذت أردد نفس العبارة السابقة: “من الأحسن أن ينتهي الأمر الآن”..

أسرعت إلى ورشة صديقٍ لي، واتجهت إلى طاولة العمل حيث الملزمة، رفعت فكها العلوي المتحرك ووضعت يدي في فكها السفلي الثابت، كانت الأصابع الثلاثة جاثية، ماعدا الأوسط، فقد كان مستقيماً، وبكل رباطة جأش حركت العتلة وأنزلت الفك العلوي رويداً رويداً، كنت أسمع طقطقة الأصابع الثلاثة وهي تتهشم، لم أتوقف حتى انبسطتْ واستقامت..

قد لا تصدقون ذلك !! أيضاً هذه المرة لم أصرخ أو ترتعش شفتي أو أتلوى من الألم..

أعلم أنكم ستسخرون مني، ولكن ما أقوله حقيقة.. ولأقول ذلك مباشرة أن أتحمل الآلام، أن أكون موضع سخرية، أن تكسو وجهي ابتسامة استجداء، أن تتوسل عيني، أفضل من أن أخسر لقمة عيشي..

 نعم، لا مشكلة عندي في ذلك، إن هذا السلوك مهاراتٌ وفنٌ يمكنكم رؤيته ببساطة في وجوه الحيوانات!