المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

خطاب ما بعد الكولونيالية في رواية صديقتي اليهودية لصبحي فحماوي. (1)

هاجر بن يحيى

في الرواية التّاسعة الموسومة بعنوان “صديقتي اليهوديّة” للكاتب صبحي فحماوي”، الطبعة الأولى،المؤسّسة العربيّة للدراسات والنّشر، بيروت 2015م. يسافر جمال قاسم في رحلة سياحيّة من عمّان إلى روما، فيزور الفاتيكان برفقة سائحة أمريكيّة، يغادر بالقطار إلى مدينة فلورنسا، فتكون له قصّة حب مع صبيّة إيطالية تنتهي بليلة غرام بفندقه تستمر حتى الصّباح، يصل إلى مدينة جنوة، فيسافر بالطّائرة إلى لندن، حيث يواجه في مطارها صدمة تفتيش وتدقيق في أوراقه، فقط لأنّه عربي.. ومن لندن يغادر إلى مدن إنجليزيّة، حيث يتعرّض على شاطئ البحر الجنوبي لضربات عنيفة من مشجعي كرة القدم الإنجليز.. يعود بعدها إلى حافلته السياحيّة في لندن التي تنطلق في رحلة سطحيّة من لندن إلى بحر الشّمال، فبلجيكا وهولندا وألمانيا والدنمارك والسويد، والنرويج، فتكون (يائيل) الجالسة إلى جواره يهوديّة من المكسيك. ومن خلال الرّحلة يتعرّفان على بعضهما، ويتحاوران بعمق حول موقفيهما المتناقضين من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ويتبادلان قصصا كثيرة، تنتهي بوقوعهما في الغرام. تستمر قصة حبهما الذي ينتهي بالوداع في مطار العودة.
تنتهي الرواية بمفارقات معاهدة أوسلو عام 1993. والرّواية تفجر أسئلة كثيرة، تستلهم أفكار جديدة.

1- التمفصلات الكبرى للرواية:
تعرض الرّوایة حوارات مختلفة أو ثرثرة متنوّعة المواضيع أثناء رحلة یقوم بها ” جمال القاسم ” العربي الراوي، في مجموعة من المدن الأوروبي مع “یائیل” الیهودیة المكسیكیّة، المنحدرة من أصل ألماني، و وفي خضمّ الحوارات تنشأ بينهما علاقة راحت تنمو بتقدّم الرّحلة، من خلال نقاط الخلاف و التقاطع…، تبدأ العلاقة بالصّمت في مقعدین متجاورین في حافلة سیاحیّة، تهمّ بالانطلاق من ساحة “بیكادیللي” وسط لندن لتطوف في سبع دول من شمال أوروبا، و تنتهي بألم الفراق، في نهایة الرّوایة عند سلّم الطائرة في “كوبنهاجن”: « … كلّ الذي أذكره أنّ الأفق كان ضبابیا، و أنّ دموعنا الممتزجة على وجهینا الملتصقین، لم تجعلنا نشاهد بعضنا بعض…»وبین الانطلاق والفراق، قرّبت الحوارات بین الشّخصیّتین المختلفتین دینیّا وقومیّا وسیاسیّا، لكن تقاطعا إنسانیا، حتى إذا حلّت لحظة الفراق، كان ثمة عناق وقبل ودموع، في إشارة واضحة إلى أنّ العلاقة الإنسانیة هي علاقات تتجاوز الحدود العرقيّة والدّينيّة.
یبادر “جمال” الكلام، لیستدرج جلیسته إلى حوار یذيب الجلید بینهما، تعرّفه بنفسها وأسرتها وأصولها، وهنا تتنامى سریعا الشخصیة البطلة بنجاح جمال في كسر تحفّظ يائيل وتجاهلها له لتخبره بخصوصیاتها، رغم علمها وهي الیهودیة، أنّه عربي بمجرد دخوله الحافلة، وبعد أن تلفّظت امرأة باسم “صدام حسین” ما یعني أن ثمّة صورة نمطیّة للعربي في الغرب ترادف الإرهاب والاستبداد.
مع تقدم الحوادث، ینجح “جمال” في تهذيب الصورة النمطیّة المشوّهة التي اختلقها الغرب في ذهن “یائیل” من خلال المناقشات والمواقف، وتتطوّر العلاقة بینهما من الجیرة إلى الرفقة إلى الصّداقة، ویتخلّلها شراب ورقص وتسكع وتغدوا “یائیل” جزءا من حیاة “جمال” السیاحیّة على الأقل. خلال الحوار غیر المتكافئ بینهما، تكتفي هي بطرح الأسئلة، و یحتكر هو الإجابة عنها، غیر أنّ امتلاكها حریّة تغییر الأسئلة و الموضوعات یعید إلى الحوار شیئا من التكافؤ، ولعلّ أهمّ ما یترتب على هذا الحوار تحوّل جذري یطرأ على موقف البطلة من “إسرائیل”، فبعد أن كانت تتمنّى في متن الروایة أن یكبرا ولداها و یتخرجا من المدرسة لترسلهما إلى “إسرائیل”، ترفض في نهایة الرّوایة أن تهجّر ولدیها من “مكسیكو” إلى “فلسطین” بقولها: ” لقد سئمت غربة البواخر، ولن أبحث لهما بعد الیوم عن غربة جدیدة.”

1- اللغة في روایة صدیقتي الیهودیة:
ولأن اللغة ضرورة يقوم عليها كلّ نصّ أدبيّ، فقد اعتمدها فحماوي بكلّ أنواعها فنجده يوظفها فصحى وكذا دارجة وكذلك أجنبيّة، وتعد اللّغة حليّ الكتابة الرّوائیة، وللحدیث عن اللغة لابد من الإشارة لتعریفها، یقول “ابن جني”: «… هي أصوات یعبر بها كل قوم عن أغراضهم.”، فاللغة عبارة عن أداة یعبّر بها النّاس عن أفكارهم”، و يختلف ارتفاعها عند فحماوي باختلاف الموقف الذي تعبّر عنه فنجدها إنسانيّة راقية وتنزل حدّ الإسفاف باستعمال كلمات نابية تعبيرا عن سخطه وغضبه.
ومن أمثلة توظيفه اللغة العربيّة الفصحى، التي تمیل إلى البساطة قوله في المقطع التّالي: «… فغادر لندن صاحبة السّماء المجلّلة بالغیوم البیضاء الهائمة على وجوهها…» فالكاتب بنى روایته بلغة سهلة وجمیلة، وجمل قصیرة تكاد تلامس الشّعر، وهذا ما نلمسه في قوله:« … الإنسان یاخال حیوان بشع قاتل مدمّر، فهو یدبّر الشّر، ویشنّ الحرب… » الرّوایة تحكمها اللغة البسیطة التي يفهمها الجميع، فاستطاع أن یعبرمن خلالها عن قضیته.
وظّف إلى جانب اللّغة الفصحى بعض الكلمات الأجنبیة مثل قوله: «… سِفِنْ أو كلوك…» وكذلك تحدّثه في الرّوایة بما أنّه في رحلة سیاحیّة في أوروبا عن أسماء مدن أوروبا مثل: «… دنمارك، كوبنهاجن، هامبورغ، فلورنسا… ».


وكان للّهجة الفلسطينية المصرية الأردنیّة العامیّة أو الدّارجة نصیب من الرّوایة حتى وإن لم یكن وفیرا یقول: « بعدك حتى السّاعة أربعة الصبح تدور في الشّوارع. اطلع لي لأورّیك. » و قوله أیضا: « خسارة ، عُمْر الزّین ما كمل ! » وكذلك وظّف بعض الأشعار من بینها قول نزار القبّاني: «…إني أغرق، أغرق، أغرق… » وأغنیة لأمّ كلثوم :​
« ما أقولش منّا یا كان حبّك دا أكثر من اللّي بتمناه
و من الفرحة و أنا جنبك بعیش في كلّ لحظة حیاة»
2- الشّخصیات في روایة صدیقتي الیهودیّة : جمال قاسم/يائيل
الشّخصیة هي المحرّك الأساسي للأحداث في بناء الرّوایة، إذ لا یمكن بناء روایة دون شخصیات، وتعرف الشّخصیة على أنّها: «… مجموع الصّفات التي كانت محمولة للفاعل من خلال الحكي ویمكن أن یكون هذا المجموع منظّما أو غیر منظم …» () فالشّخصیة في الرّوایة تحمل صفات یذكرها الكاتب: مواصفات خارجیّة واجتماعیّة، وتعتبر الشخصیّة أهمّ عنصر.
وفي روایة “صدیقتي الیهودیة” حدّدت الشّخصیّات الروائیّة الأساسیّة لشخصیّتین هما “جمال قاسم” و “یائیل آدم” ولم تفتح الأبواب لشخصیات أخرى لتتدخل في مجرى الأحداث.
1-“جمال قاسم”: شخصیّة واعیة، سائح مغامر، مدافع على قضایا أمته، یحمل حقدا على الغرب وممارساته، وهو السّارد، تتّهمه امرأة بأنّه إرهابي في بدایة الرّوایة بتلفظها “صدام حسین”، یستخدم العقل والمنطق في ردّ التّهم عنه، له قدرة على الحوار، یملك ثقافة غزیرة، وفي الروایة یقدّم دعوة صریحة لتجاوز أخطائنا والتّقدم لیس انبهارا بالحضارة الأوروبیة بل استحسانا لبعض تصرفاتهم، یحاول إقناع “یائیل” بطریقة حضاریة ومسلّمات قویّة أن فلسطین عربیّة، وأن أفكارها مضلّلة وینجح إلى حدّ بعید في إقناعها.
2-“یائیل آدم”: المكسیكیّة الیهودیّة، مشبّعة بأفكار الإعلام الغربي المضلّلة، جمیلة، ذات عینين زرقاوتين، بشرتها شقراء مشمشیّة في الثلاثنیات من عمرها كما وصفها الكاتب، عاشت حیاتها بين الألم والظلم والقهر وطفولة مشتّتة، ذات أصول ألمانیة، منحازة لإسرائیل، متحفّظة تجاه الآخر العربي، مرّت بتجارب عاطفیّة مریرة، مؤمنة بفكرة أنّ التّاریخ ظلم الیهود…تقرّبت من “جمال” وأعجبت بشخصیّته ووثقت به، تأثّرت بأفكاره وعدلت في النّهایة عن فكرها المضلّل وقرّرت التغییر.

1- المفاهيم الأساسية في الرواية:
1- الهجنة:
وتعني التقاء جنسين مختلفين، وتقاطعهما في الأفكار وربّما الانصهار في زاوية معيّنة وتجسّدت هذه الظّاهرة منذ الوهلة الأولى من خلال العنوان (صديقتي اليهوديّة) وهو عنوان مثير للفضول لأنّه يطرح إمكانيّة قيام صداقة بين شخصين مختلفين دينيّا وقوميّا وسياسيّا.
ومن هذا حاول الكاتب أن یجعل من العنوان الطّعم الذي یصطاد به القارئ.
كما ظهرت الهجنة من خلال سرد “جمال” لبعض المواقف التي مّر بها مع الغرب ومن بینها قصّة السّفیر الغربي الذي نزل ضیفا عنده فاستفزّ “جمال” بمحاولة منه أن یهین الرّسول _صلى اﷲ علیه وسلم_ إذ یقول السّفیر: «…لماذا وجّه نبیّكم محمّد فتوحاته باتجاه خضرة بلاد الشّمال، وجعل القدس قبلة المسلمین؟ ألیست عقدته من حیاة الصحاري العربیّة هي الحافز… » فالسّفیر هنا یطرح على “جمال” سؤالا قصد إهانته ولكي یبیّن له أنّ العرب یعانون من عقدة العیش في الصّحاري وأصدق دلیل الفتوحات تجاه الشّمال فردّ علیه “جمال” بخبرة وذكاء قائلا: «… هذا یعني أنّ الاسكندر المقدوني، وهولاكو، والصّهاینة كلّهم كانت عندهم عقدة كراهیّة الخضرة فراحوا یبحثون عن التّصحر، و هم یتوغّلون في غزواتهم لبلاد العرب…» هنا أزعج “جمال” السّفیر خاصّة عند ذكره كلمة صهاینة فهم یتحسّسون لهاته الكلمة، وأسكته بطریقة ذكیّة معبّرا عن موقفه ..
وتجسّدت الهجنة كذلك من خلال قصة الیمنيّ مع مضیفة الطّائرة حیث أخذ الیمنيّ الخبز بیده فاستهجنت المضیفة هذا السّلوك وأخذت تسبّ وتشتم العرب وتصرّفاتهم وسلوكهم الذي اعتبرته غیر حضاري فردّ علیها الیمني قائلا: «… هذه خبزتي، وأنا أخذتها بیدي، فهل استهجانك هذا كله نظافة؟ وأمّا أنتن فإنّكن تقبّلن فم الكلب، وتتباطحن معه، ناهیك عن مداعبات فاحشة أخرى لا أستطیع ذكرها … ألا تفكّرین هناك في الخصوصیّة والنظافة… » فهذا الیمني وضّح للمضیفة أنّ مجتمعهم المتحضر فیه من المعاملات والسلوكات التي تتنافى مع العقل والمنطق الكثير.

1- الإثنية:
وتتجسّد من خلال الاختلاف في النسب، اللغة، العادات، التقاليد. ففي الحوار بین “یائیل” و”جمال”، یتواجه وعیان مختلفان، وعي یهودي مسكون بثلاث ألاف عام من الاضطهاد و التّشرد، یرى في البواخر معتقلات سابحة وسجونا متحركة، وأماكن للبغاء والاغتصاب والمخدرات، ووعي عربيّ مسكون بعقدة الاضطهاد الأوروبي، والإحساس بالظّلم یرى في البواخر التي تحمل المهاجرین الیهود والملحدین إلى فلسطین أحصنة طروادة لاحتلالها، غیر أنّ هذه المواجهة بین الوعیین لا تلتقي عند كره البواخر وحسب، بل تتقاطع في غیر محطّة إنسانیّة ما تعبر عنه “یائیل” بالقول :«… رغم وجهتي نظرنا غیر المتطابقتین في أشیاء كثیرة إلا أنّ عربات هجرتنا مشتركة … » وعلى رغم النتیجة المهمّة التي تمخّض عنها الحوار والمتمثّلة في عدول “یائیل” عن إرسال ولدیها إلى “فلسطين”.

طالبة دكتوراه/ جامعة باجي مختار عنابة/ الجزائر