جاك داريدا
ترجمة : عبد الوهاب البراهمي
– ماذا أعني بقولي: ” أركض نحو الموت”؟
” إنه كما لو كنتُ الآن قد متّ ، تُقْبِل الموت عليّ بسرعة شديدة وأقبل عليها، ولا نعرف ما إذا كنت أنا الأسرع منها إليها أم هي الأسرع مني إليّ، يركض كل منا نحو الآخر، كما لو كان من أجل معرفة من سيصل فينتظر، ولا نعرف من يكون، ومن كان بالأمس ، قد وصل الأوّل، وفي لقاء لا يحدث أبدا بما هو أوّل أو أُوُلى، لقاء أسرع على أيّ حال من الحياة، حياة تغنم فيها هذه الحركة المتسارعة المزدوجة سرعة ً، فتغنم هكذا زمن السرعة، بل سرعة السرعة، لتذهب أسرع من الزمن؛ وأنّ السرعة ذاتها، بغنمها زمن السرعة، هي أسرع كثيرا ممّا أحياه حاضرا، لا بل ممّا أنتظره مستقبلا، هي سرعة قد مضت، هي بعدُ ذاكرة وحزنا أو حنينا. هذا ما أودّ قوله ، كلّما قلت: “كانت الحياة جدّ قصيرة.” عَجَلَةً أو تسارعا يتعذّر تقديره، وقَيْسُه، متقدّما عن نفسه، يغنم زمن السرعة. إذن، يمكن أن يعني القول “أنا أركض نحو الموت I run to Death” في ذات الوقت ” أَسْرِع نحو الموت، واستحثّ السير نحوها، استعجل متجها إلى الموت التي تأتي إليّ يشكل أسرع”، ولكنه يعني أيضا “أركض حتّى الموت”، أركض مثل مجنون، حتى ينقطع نفسي، كي أهرب من الموت، أركض حتى الموت كي أتجنّب الموت، أركض متقدّما على الموت حتى لا تفاجئني، حتى أسبقها؛ إلاّ أنها سرعان ما “تتخطّفني”، غير أن خطفها لا يعني هنا اللقاء بها “meet”، علينا أن نفترض بأننّي حتى لو ركضت حتى الموت، متقدّما على الموت، أمام الموت، حتى أفرّ منها، فإنّ الموت هنا أمامي، تنتظرني بعدُ في سمَرْقٌنْد ، في الآن نفسه، لأنّها أسرع سيرا ولأنّها حينما تأتي متقدمة عليّ، تبادرني، وتسبقني، فإنّها تنتظرني وتقبل عليّ في اللحظة ذاتها التي أركض فيها حتى الموت، في الآن نفسه، كي أهرب منها والتحق بها. أهرب منها وألتحق بها في ذات الوقت (…) هي دوما سابقة، في مستقبليتها بالذات، مثل الذي سيأتي (…).”(جاك داريدا ” الندوة – الوحش والحاكم. الجزء 2 ص 87.)
– داريدا قارئا هيدجر: ” مباشرية الموت”:
يقول هيدجر:
“لا يوجد غير شيء واحد يوقف مباشرة كلّ تعنيف. هو الموت. إنّها تزيد إتمام كل إتمام، وتتجاوز حدود كلّ حدّ. فلا يوجد مخرج ولا استصلاح ولا مكسب ولا ترويض. غير أن هذا المُقلق الذي يطرد الإنسان مطلقا ومرّة واحدة من كلّ طمأنينة مألوفة، ليس حدثا مخصوصا يجب أن يسمّى إذن من بين أحداث أخرى، لأنّه يحدث أيضا في النهاية. ليس للإنسان من مخرج قبالة الموت، لا حينما يحضره الموت فحسب، بل باستمرار وبالأساس. يمكث الإنسان من حيث هو موجود، في غياب مخرج من الموت. هكذا يكون “الكائن هناك” هو القلق ذاته القادم. (يجد القلق القادم أساسه بالنسبة إلينا بوصفه كائنا هناك). يضع المشروع الشعري للكائن وللكائن – الإنسان لنفسه حدّه الخاص، بتسمية هذا العنيف وهذا المقلق “.
هيدجر، مقدمة للميتافيزيقا – ترجمة فرنسية ص 164-165.
يعلّق داك داريدا على هذا النص”بقوله:
“يكتب هيدجر هذا، لكن لست على يقين بأني سأقرئه مثلما كتبه أو أن أّْوله مثلما يؤوله ذاتيا (وأؤكد على ذلك)، يجب إعادة بناء كل الفقرة:
“Nur an einem [souligné] scheitert alle Gewalt-tätigkeit unmittelbar”.
(لا يوجد غير شيء واحد يبطل مباشرة unmittelbar كلّ عنف، الفعل العنيف و النشاط العنيف). لاحظوا بأنّه مثلما هو البطلان وحدّ العنف، وزيادة الرحمةWalten,و الـ، Gewalt العنف، فإنّ ما يبدو لي مهمّ هنا، هو المباشرية limmédiateté، المباشرl’immédiat لهذا الحدّ التي ُتوقف الـ la Gewalt au Walten و( unmittelba هي كلمة النهاية ) (…)“Das ist der Tod (C’est la mort).” ” إنّه الموت”. ويظلّ السؤال تامّا عن معرفة (…) من يستطيع الموت؟ إلى من وهبت هذه السلطة أو مُنعت؟ من يستطيع الموت، وبالموت يضع حدا للسيادة العليا أو المفرطة للعنف Walten .”
(داريدا في حوار مع إليزابيت رودينيسكو ماذا غدا …؟. 2000)
عن مشروعية الحكم بالإعدام
“نعم أنا مع إلغاء حكم الإعدام بصفة لا مشروطة، في الآن نفسه لأسباب مبدئية (أؤكد على هذه النقطة: مبدئيا وليس لمبررات نفيعة أو لتأسيّ مريبا) ولمبررات تقوم في القلب (“القلب” مقولة… أحاول ردّها، كما التعاطف، إلى مجرّد شعور بالشفقة، وأودّ ربطها بـ”مبررات مبدئية”.
(داريدا من المصدر السابق : حوار مع إليزابيت…)
“الفظاعة هي تجربة الزمن”: أن يكون الزمن تقدير الآخر
“إذا ما وجد التعذيب، والمعذّب والفظاعة في مسار الحكم بالإعدام، وبمعزل عن كلّ شيء، وبمعزل عن ظروف الإيقاف مثلا وغير ذلك من الآلام الأخرى، فإنّ ما يوجد فعلا ممّا هو فظيع بل الفظاعة ذاتها، الصليب، هو تجربة الزمن. لا يمكن أن نتصوّر الفظاعة دون الزمن، ما يُمنح من زمن أو ما يُسلب، الزمن وقد صار تقدير الآخر، الزمن متروك لقرار محسوب من الآخر، أحيانا من آخر مجهول كالدولة أو جهاز القضاء، في الحقيقة، وفي نهاية الحكم، القرار المقدر والاستثنائيّ لآخر كبير في شكل أمير، رئيس وحاكم، أي صاحب سيادة ماسك لحقّ العفو.”
(داريدا – ملتقى حول “الإعدام” 1999- 2000 ص 301-302)
– عن الحياة والموت:
“لا أحد يموت مكاني”، “نحن مدينون للموت” ( داريدا)
“ليس الانتماء إلى الحياة بالضرورة أن تكون خالدا بل أن لا يكون لك مستقبل، وبالتالي الحياة أمامك، أن لا يكون لك حدث قادم حيث الموت، لحظة الموت، ليست قابلة للتقدير، وليست موضوع قرار محسوب(…) وما يضع حدّا لإمكان الحكم بالإعدام، ليس لا نهائية الحياة أو الخلود، بل على العكس نهائية “حياتي”. هو لأنّ حياتي “انتهت” في معنىً أحتفظ فيه بهذه العلاقة غير القابلة للحساب وعدم قابلية اتخاذ قرار بشأن لحظة موتي”.
داريدا “التفكير فيما سيأتي” في: ر. ماجور “داريدا لأزمات الآتية” ( 2007) ص21.





