المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

المسلم به والمشكوك فيه

 داود سلمان الشويلي

 

من تعاريف المُسلَّمة أو الموضوعة أو البديهِيَّة، العامة بين الناس انها منطقٌ أو قضيَّةٌ أو مبدأٌ يُسلَّم به دون برهان أو دلائل تسنده؛ بخلاف المبرهنات، وهناك نوعان من المسلمات: المسلمات المنطقية، والمسلمات غير المنطقية. 

والمسلمات تأخذ بشكل أساسي على أنها صحيحة، ولا تحتاج لإثبات، ومن هنا جاء اسمها (مسلمة).

في بعض نظريات المعرفة (الابستمولوجيات): تعتبر المسلمات حقائق ذاتية الصحة تستند إليها بقية المعارف. 

وقد ذكرها الجرجاني في كتابه التعريفات، إذ قال ((المُسَلَّمات قضايا تسلم من الخصم ويبنى عليها الكلام لدفعه، سواء كانت مسلمة بين الخصمين، أو بين أهل العلم، كتسليم الفقهاء مسائل أصول الفقه، كما يستدل الفقيه على وجوب الزكاة في حلي المبالغة، بقوله صلى الله عليه وسلم «في الحلي زكاة»، فلو قال الخصم: هذا خبر واحد ولا نسلم أنه حجة، فنقول له: قد ثبت هذا في علم أصول الفقه، ولا بد أن تأخذه ها هنا.))(1).

ولا أريد هنا أن أحدد ما هي الأشياء المسلمة بها وهي صحيحة، وما هي الأشياء التي تعد غير مسلمة، ومشكوك في صحتها؟ لأن المسلمات تنطبق على كل شيء متداول بين الناس. فهي تنطبق على أي نص سردي أو شعري. وتنطبق على الشعائر التي يمارسها بعض الناس، الاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والثقافية كذلك، وهي تنطبق على الصورة، وتنطبق على النسب، إذن لا يمكن تحديدها بشيء.

ولما كان حديثي ينصب في كتابي هذا على السرديات التوراتية الاسطورية، والخرافية، التي أصبحت من مسلمات الدين اليهودي، وهذه المسلمات سأطبقها على هذه السرديات التي سأتناولها في دراسات هذا الكتاب.

***

المسلم به يعود إلى الإيمان، والايمان الدوغماتي خاصة، غير المبصر. هذا الإيمان الذي يمنع فتح الأبواب، والنوافذ، أمام الرأي الآخر، وتجديد أوكسجين الأفكار، والمعتقدات التي تقع من ضمنها. وأن تجديد أوكسجين الأفكار، والمعتقدات، ليس معناه نفيها أو تغييرها مئة وثمانين درجة، بل انتعاشها، وجعلها ذات حركة، وقابلة للنقاش الذي يفضي الى تغيرها أو ثباتها، أو نفيها كليا.

لقد مرت البشرية منذ القدم بالكثير من الأمور التي أصبحت ذات مقبولية عند بعض الناس المؤمنين بها، وصارت من المسلمات التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، ولا من خلفها، فكانت بعيدة عن دائرة الشك. وأيضا، هذه البشرية انقسمت إلى أقسام عدة في قبول هذه المسلمات، فكان لكل قسم من الناس، شعب، أو قومية، أو مجتمع، أو أصحاب ديانة، أو طريقة في الحياة، وغير ذلك، نوع من المسلمات الخاصة بهم، وتصل إلى حد الأختلاف النوعي، والكمي، فهي مختلفة فيما سلمت به، فاذا كان قسم من البشرية (س) يسلم بهذا الأمر تسليم دوغماتي فإن قسم آخر من البشرية لا يسلم به بل هو لا يعترف به أساسا، وهكذا.

لقد سلم الناس في أرجاء المعمورة من قراء الشعر العربي في أن الشعر الجاهلي غير منحول بل هو واقعي القول، إلا أن الدكتور طه حسين طبق منهج الشك الديكارتي وتوصل إلى أن هذا الشعر هو شعر منحول كتب في العصر العباسي لكي يسند بعض الآيات القرآنية عليه لغويا، أي أن الحاجة دعت لذلك، والحاجة أم الاختراع، فسار وراء ما جاء به الدكتور الكثير، وأصبح عند البعض من المطلعين على أفكار الدكتور من المسلمات التي لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها، فيما ذهب البعض الآخر إلى عكس ما جاء به الدكتور من براهين، وأدلة، وأسانيد، وظلوا محتفظين باعتقادهم الأوّل.

***

في السرديات التوراتية، والسرديات اليهودية المحايثة لها، الكثير من تلك المسلمات كأي سردية دينية غيرها، ومن هذه المسلمات نظرية الخلق، وهي مستندة إلى نظرية الخلق البابلية “إينوما إليش”. وحادثة الطوفان السومرية، والبابلية. وكذلك رحلة ابراهيم التي حاول اليهود أن يبعدوا الأصل العربي لهم في اليمن فجعلوا مسار رحلة إبراهيم تبدأ من العراق “أور الكلدانيين”، وإلى تركيا، ومن ثم بلاد الشام، حتى مصر، والعودة إلى منطقة بلاد الشام، وصحيح مسار الرحلة(2) انها بدأت من “أور كسديم”الى حبرون داخل جغرافية اليمن. وأيضا قصة هروب موسى فقد جعلوها تقع في مصر فيما هي قد حدثت على أراضي اليمن. وقصة يوسف التي جعلوها تحدث في مصر فيما هي حادثة في اليمن، والسبب في ذلك لكي يقولوا للمصريين ان يوسف الشاب القادم من مجتمع رعوي قد علمهم نظرية اقتصادية هي كيفية خزن الحبوب لسنوات المجاعة، وقد نسوا أو تناسوا ان المصرين هم أصحاب حضارة زراعية، ولم يفتهم ذلك. وغير ذلك من هذه السرديات، الأساطير، والخرافات، والقصص، التي أصبحت من مسلمات الدين اليهودي، والتي سوقوها إلى العالم على أنها حوادث حقيقية وقعت لبني إسرائيل، وعليهم كذلك..

لنتساءل: هل يمكن مناقشة هذه المسلمات في الدين اليهودي؟

الجواب: كلا. 

إذن انتقلت هذه الأساطير، والخرافات، والقصص، من منتج ثقافي لحضارات أخرى إلى منتج إسرائيلي واقع، وأصبحت فيه من المسلمات التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، ولا من خلفها، ولا يمكن مناقشة صحة حدوثها، أي لا يمكن الشك بها. لقد اصطبغت بالقدسية.

لولا تطور علم الآثار، واللقى الآثارية، وعلم الخطوط، والنقوش، في المئة سنة الأخيرة، وتكاملهما، لبقينا مصدقين بتلك المسلمات، ومؤمنين بما جاءت به، إلا ان تلك العلوم فتحت أذهاننا، وعقولنا، إلى أن ما جاء في التوراة من سرديات هو عبارة عن أساطير مأخوذة من حضارات عاش اليهود في كنفها. فقد عاشوا في كنف الحضارة الرافدينية فترة السبي البابلي الذي وقع في عام 586 ق.م.، وبعد هذه الفترة أطلق سراحهم من الأسر تحت ظل الملك الفارسي “كورش” فكتب الكاهن عزرا التوراة من ذاكرته، وأتى بالكثير من المنتج الثقافي لحضارات وادي الرافدين، وسجلها بعد أن غير فيها الأمور الوثنية، وجعلها ذات صبغة إلهية، وخير مثال على ذلك هو قصة ميلاد موسى المأخوذة من قصة ميلاد سرجون الأكدي(3). 

***

دراسات هذا الفصل ستتناول أغلب ما جاء في التوراة من تلك الأساطير، والخرافات، والقصص، والتي أصبحت من مسلمات الدين اليهودي.

***

الهوامش:

1 – كتاب التعريفات – الجرجاني – تح: ابراهيم الابياري – دار البيان – ب. ت. – ص 273.

2 – راجع كتابنا (الخيانة العظمى – أشعار التوراة وجذورها العربية القديمة- ” مقاربة نقدية جديدة بين ترجمات الربيعي والنصوص التوراتية الرسمية”)- دار الرافدين – 2021 – ص273.

3 – راجع كتابنا (الذئب والخراف المهضومة) الصادر من دار الشؤون الثقافية العامة – 2001.