المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

المنطقة المُثلى: متعة المعاناة والبحث عن المعنى

بقلم ستيوارت ريتشي

ترجمة: عباس حسين جمعة

على قمة جبل إيفرست، ترقد رفات ما يزيد على مائتي جثة بعضها متجمد يعود إلى متسلقي الجبال الذين لقوا مصرعهم نتيجه لنقص الأوكسجين أو الإرهاق، أو علقوا في العواصف الثلجية، أو سقطوا في الوديان. إنَها هناك ملقاة امام انظارالجميع، وعلى المتسلقين تجنبها في رحلاتهم القادمة. تشير إحدى الإحصائيات أنَ واحدًا من كل عشرين متسلقًا، قد لا يتمكن من العودة بعد أن يحظ رحاله أعلى الجبل. لماذا، بحق الجحيم، يتحمل البشر هذه المجازفة؟

هذا السؤال المتصل بالسّبب الذي يجعل الناس يختارون طوعًا الخطر والمعاناة هو الدافع وراء تأليف عالم النفس بول بلوم لكتابه المنطقة المُثلى. ليس الأمر محض تسلق للجبال؛ بل هو تعبير إضافي عن خيارات أسهل مع أنَه ما يزال غامضًا. لماذا يشاهد الناس الأفلام التي تُشعرهم بالخوف والاشمئزاز؟ لمَ تراودهم تخيلات-وممارسات- جنسية يشوبها العنف؟ لمَ ينجبون أطفال ؟ ليس يسيرًا تفسير هذه الأمور إذا كنت من معتنقي مذهب اللذة الخالصة، وتتصور أن الناس لا يرغبون سوى بزيادة مقدار المتعة في حياتهم. في العديد من الأشياء التي نجدها ممتعةً جرعة كبيرة من الأسى الحقيقي (أو المتخيل). وأحد المخارج من هذا التناقض هو في القول إننا نقدر الجهد المبذول: فإذا كانت بعض المقاصد، مثل تسلق إيفرست، تقتضي الكفاح والمشقة، فإن قيمتها ستزداد. غير أنّ الأمر سيختلف لو نُقلت إلى القمة بوساطة الهليكوبتر (حسنًا، إن قيادة طائرة هليكوبتر بنجاح إلى قمة إيفرست أمر مجهد للغاية أيضًا، لكنك تعرف ما أعنيه).

يُلمح بلوم تلميحًا عابرًا إلى علم الاقتصاد مع أنَ هذا النقاش دالٌ على أحد أهم السّجالات التاريخية في هذا الموضوع. هل تتحدد قيمة المُنتج في ضوء مقدار الجهد الذي يستثمره المرء فيه؟ كان آدم سمث يعتقد بذلك، واتخذه كارل ماركس أساسًا لنظريته الخاصة بالرّأسمالية. لكن الاقتصاديين المعاصرين ليسوا من مناصري نظرية قيمة العمل: إذ هناك الكثير من الظواهر التي يتعذر على هذه النّظرية تفسيرها (سأكون على استعداد لدفع الكثير مقابل فتاحة العلب إذا كنت أتضور جوعًا وكل ما لدي هو علبة من الخوخ، لكني لن أدفع هذا المقدار إذا كانت هذه الأداة متوفرة بالفعل في مطبخي – تذكر أنَ قيمة الأشياء سياقية وذاتية).

ويصدق الحال ذاته على نظرية الجهد في المتعة التّي لم تفشل في إلقاء الضوء الكافي على أفلام الرعب أو الاستعباد والهيمنة الجنسية فحسب (لشرح هذه الجوانب، يوظف بلوم سلسلة من التعليلات المنطقية المتصلة بالتطور، التي يعترف بأنها غالبًا ما تكون ضعيفة وملتبسة على سبيل المثال، هل مشاهدة أفلام الرعب هو نوع من «التّمرن العملي» على مواجهة الخطر في الحياة الواقعية؟)، لكنها أيضًا تفتقد إلى المعنى. غالبًا ما تكون المساعي الهادفة – مثل إنجاب الأطفال- مصحوبةٍ بالألم «على طول الخط»، وليس هناك الكثير مما يمكننا القيام به.

وحتى لو كان كتاب (المنطقة المُثلى) يفتقر إلى الثقل المُفضي إلى تغيير الآراء الذي تميَز به كتاب بلوم السابق، (ضد التعاطف)، فإنه لا يزال يطرح العديد من الأسئلة. يتميز بلوم برشاقة الأسلوب الذي لا يُمكن إلا الإعجاب به – على العكس من الأكاديميين الذين يؤمنون على ما يبدو بنظرية التّكلف الذي يضيف قيمة إلى نصوصهم الممكتظة بالمصطلحات التي لا يمكن استيعابها.

والشكل الخاص المازوخية الذي خضت غماره هو قراءة تلك النصوص الأكاديمية، والتحقق مما إذا كانت الدراسات المذكورة في كتب علم النفس الشعبي معقولة من حيث صلتها بالواقع. يربط (المنطقى المثلى) الدراسات معًا لدعم النقاط الفلسفية، والقليل منه يدور حول ما إذا هذه النتيجة أو تلك أصيلة. ومع ذلك، هناك بعض المراجع التي ربما لم أكن لأستخدمها، فالإحصائيات في إحدى الدراسات عن مزاج الناس في أثناء الاستماع إلى معزوفة طقوس الربيع لسترافينسكي لا تبدو مقنعة تمامًا ؛ وبالنظر إلى الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها خلال العقد الماضي، فإني سأبتعد، على الأغلب عن الأدبيات المتعلقة باستنزاف الأنا.

إلّا أنَ ذلك هو أشبه بتصيد الأخطاء – بلوم واضح أن الأدلة التي يستشهد بها تتفاوت قوة، وهي بالكاد منيعة ضد النقد في عمومها. والواقع أنَه، في مرحلة ما، فندَ نظرية النمو اللاحق للصدمة بأكملها، النظرية التي تقول إنّ الذين يعانون لا يتعافون فحسب، بل يمكنهم تحسين أوضاعهم بطرائق فريدة. إنها نظرية مُفرطة في استبشارها وجمودها، وبلوم محقٌ في تشككه. قدم بلوم برهانًا بنقض الفرض: هل من المحتمل أنَ يتفق المؤيدون على أنه يجب علينا معاقبة المجرمين بقسوة أكبر، لأن الصدمة قد تجعلهم أشخاصًا أفضل؟ ل أشك في ذلك في الواقع.

في محاولة لفهم سبب مخاطرة الناس بالموت عند تسلق الجبال، يستشهد بلوم بورقة كلاسيكية للخبير الاقتصادي جورج ليوينشتاين تسرد الدوافع المحتملة: الفوز بالمكانة. ؛ وإنجاز الأهداف ؛ والسيطرة على البيئة ؛ إضافة معنى في عالم غير مبال. يؤيد بلوم التعددية التحفيزية: إنَنا جميعًا مجموعة متشابكة من الدوافع والمنبهات المعقدة، وبلوغ المنطقة المثلى التي تحتوي على المزيج الصحيح من المعاناة والقيمة والرضا هو، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، (مفتاح الحياة الجيدة).