المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الأضواء الشمالية

أبانوب عدلي

بعد منتصف الليل وقبل بزوغ الفجر بدقائق قليلة وخاصةً بعد الأيام الممطرة. اعتدت دوماً المكُوث على ضفاف البحر كعادتي بعيداً عن ضجيج المدينة. منصتاً باهتمام شديد إلى نعيق طائر النورس مع صوت تلاطم موج البحر وصوت ضرب الريح للماء وكأنها سيمفونية رائعة من إحدى معزوفات بيتهوفن. أتأمل تلك الأضواء الشمالية الساحرة التي دوماً كانت تزداد براقاً وجمالاً في فصل الشتاء وخاصة بعد المطر وكأن المطر يغسلها من الهموم ويطهرها كلياً من جميع أحزانها ويجعلها تضئ كما لو كانت لم تضيئ من قبل. منذ زمن بعيد أردت أن أكتب إليك بشدة أردت أن أخبرك بالكثير عما يحدث معي ولكن لم تتح لي الفرصة فلقد كنت وما زلت سائحا غريباً على هذا العالم. ولكني سأكتب إليك الآن بكافة خواطري وآمل أن يتسع صدرك لجميع أحزاني الكثيرة فقد تثاقلت فوق الطاقة. عزيزي صاحب الفنار على الجزيرة بالجانب الآخر من البحر. أعجب كثيراً بالتزامك بالمواعيد التي تضئ بها الفنار وكيف تكون سبباً في أن تنير الطريق للبحارين الضائعين في شقوق البحر. أتذكر حين حدثتني وقالت لي إنه حينما يفيض بي الحزن ويتملك مني هذا العالم البائس بأن أنتظر على الشاطئ وحين تأتي إلى الأمواج أحدثها عن آلامي وأوجاعي وسوف تأخذها من داخل قلبي إلى أعماق البحر دون رجعة وقد كانت حقاً فكرةٌ رائعة حقا ولكنها كنصائح جدتي غير عملية ولا تجدى نفعاً في هذا الزمن فقد شابت وانتهت بمرور الوقت. ها أنا فعلت مثلما قلت لي تماماً ولكن أمواج البحر لم تفعل كما قلت أنت فما زال بداخل قلبي الصغير آلاماً مريرة وأوجاعاً كثيرة. ولم يقدر البحر ولا المطر من أن يغسل ويطهر قلبي من الهموم والأوجاع مثلما يفعل مع تلك الأضواء الشمالية في سماء جزيرتك. ولقد فاض بي الكيل فأنت تعلم كامل العلم أنني لا أنتمي إلى هذا العالم ولا هذه المدينة ولا هؤلاء الأشخاص أيضا. لا أنتمي إلى هذا المكان على الاطلاق. فلقد أحبوني بطريقتهم الخاصة وجعلوني حقل أحلام لهم أرادوني أن أحقق كل ما خفقوا وفشلوا في تحقيقه، أرادوني أن أعيش ما لم يقدروا أن يعيشوه هم دون أن يكترثوا بماذا أريد أنا. احتلوا أقدس الأماكن بداخلي باسم الحب. ولكنهم يفهمون الحب بطريقة خاطئة أو بالأحرى يفسرونه بالطريقة التي تخدم مصالحهم الشخصية. الحب إذا كان خطية وذنب فيتحتم علينا أن نتوب عنه والحب أيضاً دون حرية كالبحر الجاف الذي يدعونه الناس بالبحر ولكنه لم يعد به ماء. فلقد أصبح تعبير مجازي ليس له وجود بعدما كان تعبيراً حقيقاً وفعلياً. أعلم جيداً ماذا يعني أن يشعر المرء بالغربة بين أصدقائه وأقاربه وفي وطنه الذي من المفترض أنه ينتمي إليه ماذا يعني أن ينتمى إلى أماكن وأشخاص لم يكتب له أن ينتمي لهم قط. تخيلت نفسي كثيراً وأنا أتبادل الأدوار معك فأصبح أنا صاحب الفنار وتصبح أنت أنا. ولكني سوف أكون قد قسوت عليك. لأنه لو كان من السهل أن أكون أنت فليس من السهل إطلاقا أن تكون أنت أنا. ذاك الطفل صعب المراس المتوحد الذي يحب العزلة والابتعاد عن الناس يحب رسم لوحاته بجوار البحر وليس بالمرسم. حتى وإن كانت الأمواج تبللها وتخلط ألوانه بها بعدما ينتهي منها. أنا حقا لا أجد نفسي هنا، ربما لم أولد بالمكان الصحيح وقد سئمت من البحث عن ذاتي وعن مكان أنتمي إليه. ربما كتب على أحلامي الصغيرة الإجهاض قبل أن تولد وترى النور. ولكني لم أيأس يوما ولم أكف عن المحاولة. لا أريد أبداً أن أقف في منتصف الطريق أو أن أرجع إلى الوراء حتى وإن كنت أعلم إنني ربما لن أعود سالما كما كنت سابقا – إذا اعتبرت أنني كنت سالما- أن تخرج عن المسار الذي حُدد لك ليس بالأمر الهين على الإطلاق. وقد تضحي تضحيات ثمينة جدا ولكني لن أعيش حياة لا تشبهني ولن أرضى بأنصاف الأشياء أبدا، أشباه الأصدقاء، أشباه الأحباء، فهذا ليس من عادتي وليس من عادتك أيضا، أعلم أن كلانا يشبه الآخر في الكثير من الأشياء فلقد استمعت إحدى المرات الأشخاص في سوق المدينة يتحدثون عنك وكيف تركت كل شيئ وذهبت نحو الأضواء الشمالية بجزيرة الفنار. ولم يرك أحداً من وقتها ولكنهم يرون ضوء الفنار كل ليل فيعلمون أنك بخير ومازلت على قيد الحياة. يتعجبون كثيراً كيف تعيش في الظلام ولا تخاف، كيف استطعت أن تنجو وحيداً بعيداً على متن الجزيرة يقولون إن الوحدة قاتل محترف يعرف كيف ينهي الحياة ببطء. ولكني لست متعجباً مثلهم أعرف أن جدتك ذكرت لك إحدى المرات حينما كنت تخاف أن تنام في الظلام أن تردد العبارة الآرامية “ماران آثا” والتي تعني “تعالى أيها الرب” فيطمئن قلبك وتنام سريعا. وأعلم أنك مازلت تستخدمها حينما ترتعب من العاصفة وتخاف ظلام الليل. لا تتعجب ف أنا أعلم عنك الكثير. قرأت ذات مرة جملة صادقة في كتاب ١٩٨٤ لـ جورج أورويل ‏”ربما لم يرغب المرء في الحب، بقدر رغبته في أن يفهمه أحد.” وهذا ما أردت قوله أيضا. فلقد تساءلت مراراً وتكراراً عن كيفية إضاءة الأضواء الشمالية بداخلي ولم أجد إجابة. ولكنني أيقنت أنها لن تضئ إلا في المكان الذي تنتمي إليه وفي وسط من يفهمونني جيدا ويشبهونني في الحزن الداخلي. وهذا يعني أني مازلت عالقا في عالم لا أشبه ولا يشبهني. فكل الأشياء هنا بلا معنى وكل الألوان باهتة وكل أضواء المصابيح خافتة عدا الأضواء الشمالية بجزيرة الفنار. تقول أمي إن لكل منا قطعة من السكر تنقص كوب القهوة الخاصة به سوف يظل يشربها بطعمها المر إلى أن يجدها، لن تُحلي فقط قهوته ولكنها سوف تحلين كل الأشياء. أليس يكفي كم السنين من المُر قد مضت! أين أنتِ أيتها قطعة السكر؟.

ربما ستجد رسالتي مليئة بالغموض وغير مفهومة ولكن دعني أساعدك في أن تفهما. عزيزي صاحب الفنار يا من كنت تظن أنك لا تنتمي إلى هذه المدينة التي لم تسترح بها. ها أنت الآن تركتها وذهبت نحو الفنار والأضواء الشمالية فهل وجدت الراحة والانتماء هناك. دعني أجب نيابة عنك. لا لم أجد الراحة هناك . نعم “لم أجد” هذا ليس بخطأ إملائي لأن يا عزيزي أنا أنت وأنت أنا نحن عالقين سويا هناك بعيدا ولا أعرف إلى متى!

هنا انتهت رسالتي إليك فقم بطيها وضعها في جيب قميصك القرمزي وأذهب إلي الفنار لأن الوقت قد سرقنا وحل الليل وعلينا أن نضيئ الطريق للأخرين مثلما كنا دوماً نفعل.