المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

سي مراد

بقلم عبدالقادر رالة

كل من سكن حي لا سيتي ، أو مر بالقرب من المسجد العتيق إلا وعرف معلم القرآن الطاعن في السن، سي مراد، الذّي كان يطيبُ له أن يجلس يوميا كل مساء، أو صباح أمام بيته، يتصيدُ أشعة الشمس في فصل الخريف الكئيب، أو الظّل في فصل الصيف الصاخب ..
كان أيضا يطلبُ الأطفال المشاغبين، سواء أولاد جيرانه أو أولئك المارون عبر الطريق أمام بيته، فيرمون علب الطماطم الفارغة أمام منزله ، أو يثيرون الجلبة، أو يتفوهون بعبارات سوقية تؤذيه، أو يلهون بتكسير أغصان الأشجار المصطفة على جانبي الطريق، أو يتعاركون تحت نافذة داره …
كل أطفال مدينتنا الصغيرة كانوا يرهبونه، وبالأخص أولئك الذّين يقطنون في المنطقة الشمالية من مدينتنا الصغيرة أين يقع حي لا سيتي العتيق .
كل من يسمع اسمه يرتعب، وتتسارع دقات قلبه، حتى أولئك الذّين يعتقدون أنهم دهاة، وبإمكانهم الاستفادة من خفتهم هم وكير سنّه هو !
كانوا جميعا يقعون في يده، التي تمسكهم على حين غرّة !
العقوبة واحدة تتكرر ولا تتغّير، وما أوجعها من عقوبة! يمسك أذنك اليمنى فيفركها بقوّة بيده الغليظة ،وفي نفس الوقت يأمرك أن ترفع رجلك اليسرى ! تنحدر العبرات من عينيك.. تتوسلُ إليه… يواصل عقابه بصمت فظّ… تئن .. تبكي .. ثم تصرخ …
وعندما تصيح بأعلى صوتك… يرفع يده عن أذنك… ويمسكك من ذراعك، فيجلسك بجانبه ويسألك عن والدك، وأين تسكن، فيمدح أباك، ويثني على جدك ، وعمك أو خالك … يطلبُ منك أن لا تكرر ذلك مرّة أخرى… فالشجرّة كائن حي مثلنا، وعلبة الطماطم قمامة لا يُحسن اللعب بها، والعراك عمل همجي، والشتائم لا يحبها الله، وتؤذي الناس…
ولا تصدق أنك تحررت من قبضته، وتستمر أذنك أسبوعا وهي تؤلمك!
أنا تعرضتُ لعقابه مرتين …
المرة الثانية ألمتني أكثر، لأنه عاقبني في حضرة جدي، إذ كنتُ ضيفا عنده…
كان جدي يتوسل إليه: ــ اترك الولد! انه حفيدي الصغير .. وهو ضيف عندي …
يضغطُ على أذني أكثر ويقول مبتسما َ: ـــ يا سي عبد الجبار.. الضرب لن يقتل أبدا… لكنه يُؤدبْ…
وحتى الآن لا أتذّكر أي خطأ ارتكبته في ذلك المساء الصيفي البعيد؟…