بقلم عبدالقادر رالة
استطعت أن أنسى الكثير من الإهانات، واللكمات لكن ذلك الازدراء لم يستطع عقلي أن يتركه، ولم أفهم لماذا اختلفت تلك الإساءة عن باقي الإساءات؟..
ولأننا مختلفون عن بعض فأمر طبيعي وطالما تقبلتُ أن نتناقش، ويقع سوء الفهم، ونتشاجر وفي أحيان كثيرة نتعارك، حتى أن جسمي تعود العراك، وفي عالمنا مثل شهير يقول: الرجل يغلِبْ ويُغلب!
لم أقدر على أن أنسى ذلك الانتقاص، واحتفظتُ به لمدة طويلة تعدت الأيام والأشهر؛ لقد احتقر شخصي، وأنا أشدّ ما أكره أن يستصغرني أي إنسان، لأني إنسان مثله، وخلقني الله مثله، وحملتني أمي تسعة أشهر مثلما حملته أمه!
رد فعل بدأ بالشتائم، ثم تلويح بالأيدي ثم عراك قوي، لكن سرعان ما تدخل زملاءنا لفضه! لكن هذه المرة الأمر مختلف لم أستطع أن أنسى !
ومضت أربع سنوات… لمحته من بعيد، عرفته، إنه هو ذو القامة الطويلة، وقد نزع سترته، ويبدو أنه تائه وسط الحافلات في المحطة…
دنوتُ منه، ثم أمسكته من ذراعه وجذبته بقوة وقد كنت مصمماً على أن أشبعه ضرباً ولن أتركه حتى يُصبغ وجهه باللون الأحمر، غير إني اندهشتُ فهو لا يعرفني، قد نسيني، ولا يتذكر مع حصل بيننا!
حاولتُ تذكيره ُ، وأخبرته باسمي وما حدث بيننا… تذكر المكان، وقال أنه التقى الكثيرين، وجميعهم لهم معه ذكريات طيبة! هل هو خائف؟ هل يتصنع النسيان؟ غير أن تصرفه كان طبيعياً!
سألته ماذا يفعل في المحطة؟ فقال نقوده نفذت وهو حائر كيف يعود الى البيت، فاقترحت عليه أن يبيت عندي، وغدا أوصله، ولأن مدينته غير بعيدة فقد رفض شاكرا لكني ألححتُ عليه وحملته معي في السيارة…
وفي الطريق اندهشت؛ هل حقا هو ذاك الشخص الذي احتقرني وعذبني كل تلك السنين؟ هل هو إنسان طيب وأنا لم أحاول اكتشاف ذلك؟ أم أن أربع سنوات غيرته؟
وأجمل ما فيه، وبذلك يكون أفضل مني، فهو لا يحتفظُ إلا بالذكريات الطيبة الجميلة !

