المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

رعبٌ مفاجئ

تأليف محمد لفتح

ترجمة عزيز لمتاوي

    كانت والدتي والخادمة تنظفان أرضية فناء المنزل بدلقهما الكثير من الماء، ربما كان ذلك بمناسبة حلول عيد أو قدوم ضيوف. لم يكن الفناء سوى أرضية ملساء ولامعة تنعكس عليها أشعة الشمس.

    هل كان سحرُ منظرِ أمواجِ السماءِ الزرقاءِ، التي كانت تَغرق في الأرض وتجعل منها سماء مقلوبة، هو الذي منحني الرغبة المجنونة والغبية في التزلج حافيَّ القدمين على هذه الأرضية المسحورة؟ هذه الأرضية التي تلقت جمجمتي بقسوة لأنني سقطت على ظهري، لأنهض بغثة غير قادر على أن أنبس بكلمة. أدركتُ، وقد تملكني الرعب، بأني أُصدر أصواتا غير مفهومة لَمَّا رأيت والدتي تركض نحوي، يستبد بها خوفٌ شديد، دون أن تخشى الانزلاق بدورها. لقد فقدتُ، في لمح البصر، ما يُشكِّل خصوصيةَ الجنس البشري؛ أقصد اللغة. بدأت أمي بالصراخ ولطم خدها، مما ضاعف من هلعي. ووددت أن أقول لها بأن توقف هذا المأثم، وهذه المناحة التي انخرطت فيها، حتى أخبرها بأنه لم يكن سوى أمرٍ عارض هذا التوقفُ المفاجئُ عن الكلام الذي نزل عليَّ كالبلاء دون سابق إنذار. بيد أن الأصوات الصادرة عني، للمرة الثانية، لم تكن سوى أصوات مشتتة وغير آدمية. لهذا شرعت والدتي في الصراخ ولطم وجهها من جديد. قُمت بتثبيت يديْها بيدِي اليمنى، وأشرتُ لها بيدي اليسرى بأن تلزم الصمت بوضع سبابتي على فمي.

    حافظتْ جدتي على هدوئها. وأرسلت الخادمة لإحضار سيارة أجرة كي تأخذني إلى الطبيب. لم يتوقف السائق طوال الطريق عن السؤال عما طرأ. وحين شرحت له والدتي ما حدث بالفعل، طفِق يُردد بصورة غير لبقة، بل وساخرة أيضا، المثلَ الشهير الذي يَقرِن الكلامَ بالمال والصمتَ بالذهب.

– إذن، فأنا أسأل الله أن يُذهِب صوتَكَ على الفور كما حدث لابني.

    لما توجهت له أمي بهذا الكلام، رمته بنظرة تدل على أنه إذا لم يتحقق رجاؤها، فإنها هي التي ستتكفل بإسكاته إذا أصر على نيته البئيسة بأن يستمر في الكلام. صَمَتَ السائق، وزاد من سرعة سيارته.

    أوضح الطبيب الفرنسيُّ العجوزُ لأمي-وهو الطبيب الوحيد الذي كان يوجد بالمدينة، والذي كان يتحدث الدارجة المغربية بطلاقة-أن صمتي المفاجئ كان نتيجة الشعور بالخوف الذي استبد بي لحظة سقوطي. وصف لي أدوية مُسكنة وحبوبا منومة. وأخبرنا بأنه إذا ما استيقظتُ، وكنتُ ما أزال صامتا، فإنه ينبغي نقلي على وجه السرعة إلى الدار البيضاء، لدى طبيبِ أعصاب.

    نمتُ مثل جذع شجرة حتى هبوط الظلام. وحين فتحت عينَي، رأيتُ أمي وجدتي جالستين بجانب سريري، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة عريضة.

– هل استعدت الكلام؟

انفجرتا ضاحكتين:

– كما ترين، هذا ما حدث بالفعل.

    قَالتَا لي إنه لم يسبق لي أن تكلمت كثيرا في حياتي كما فعلت اليوم، وعندما سألتهما عما قلتُه، أجابتْ والدتي:

– قصص غير مفهومة. تعرفَتْ جدتُك فيما قلته أثناء هذيانك على شذرات من بعض قصص ألف ليلة وليلة التي كنتَ قد قرأتَها لها من قبل.

    تبادلتُ مع جدتي ابتسامة غير بريئة. غدا، بعد المدرسة، سأجلس بجانبها مرة أخرى في جِلسة قراءةِ الكتابِ السحريِّ اليوميةِ.

*****

*عنوانُ القصةِ الأصليُّ:

Mohamed Leftah, Terreur subite, in : Une fleur dans la nuit, suivi de Sous le soleil et le clair de lune (nouvelles), Éditions de la Différence, 2006, P.49-51.

*المؤلف: محمد لفتح روائي، ناقد وصحفي مغربي (1946بسطات/ المغرب-2008بالقاهرة/ مصر).

*المترجم: د. عزيز لمتاوي كاتب ومترجم من المغرب