المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

أسطورة ابراهيم والأسطورة الهندية “رامايانا” والتناص بينهما

داود سلمان الشويلي/ العراق

لا نريد أن نخوض في ما تعنيه الاسطورة، فقد باتت معروفة للقاصي، والداني، على الرغم من معانيها المتعددة، والمتنوعة، وقد نوهت عن ذلك في كتبي السابقة، خاصة في مقدمة كتابي (رؤى الأسلاف) الصادر عام 2021. وكذلك لا نريد ان نقدم تعريفا لما نعنية بالتناص، لأننا كتبنا عن ذاك في دراسات كتابنا (الذئب والخراف المهضومة) الصادر عام 2001، وهذا الكتاب يضم دراسات عنه، أولها بعنوان (تناص ميثولوجي – ثيولوجي – سلّة الولادة المرفوضة – دراسة تناصية بين ميلاد موسى وميلاد سرجون الأكدي). ونشرت دراسة بعنوان (تنوعات الرؤى الأسطورية – التناص بين قصة موسى وقصة يوسف في التوراة)، ودراسة أخرى بعنوان (الاسطورة والقصة التوراتية/القرآنية – التناص بين جلجامش البطل ويوسف النبي.) وهذه الدراسات تعطي معلومات كافية عن الآلية النقدية (التناص)، فليس من داع لأية مقدمة ندبجها عنهما.

***

يعتقد غالبية علماء الكتاب المقدس أن التوراة كانت نتاجًا للأسر البابلي (القرن السادس قبل الميلاد)، بناءً على مصادر مكتوبة سابقا، وتقاليد شفوية، وأنه تم الانتهاء من التنقيحات النهائية لها خلال فترة ما بعد السبي، والمنفى (القرن الخامس قبل الميلاد).

فيما اسطورة رامايانا التي تعني باللغة السنسكريتية سيرة حياة راما، هي ملحمة شعرية هندية تنسب إلى الشاعر المغنّي الأسطوري “فالميكي”. وتعود إلى القرن الثاني للميلاد.

وعلى هذا الأساس، ومن الجانب المنطقي، يكون الشاعر الهندي فالميكي قد تأثر باسطورة ابراهيم التوراتية لو كان قد سمعها، أو قرأها، أو ان اسطورة ابراهيم التوراتية قد تأثرت بأساطير، وقصص، حضارات كانت تعيش اسبق من تدوين التوراة، وكتبة التوراة قد سمعوا تلك الأسطورة، مثل الحضارات الرافدينية، ولحضارات التي كانت في اليمن، لأن اليمن، وكما يذهب الكثير من الدارسين، ومنهم المفكر العراقي فاضل الربيعي في أغلب كتبه، وحواراته التلفزيونية، على ان التوراة كتاب يمني، وان قصة ابراهيم قد حدثت في اليمن، كما ذهب في كتابه (ابراهيم وسارة – الرحلة الوهمية الى فلسطين)، ولكن اسطورة(راما) هي اسطورة جاءت بعد اسطورة ابراهيم تاريخيا، فهي غير متأثرة بها، إلا ان هناك مفاصل تناص بينهما ربما انتقلت بين الحضارت المعاصرة لملحمة رامايانا. 

إذن نحن أمام نص سردي من سرديات التوراة، وآخر نص سردي من سرديات الهنود، وفيما بينهما تناص، هذا التناص يرتكز على مجموعة من المفاصل سنناقشها في هذا السطور لآكمال حيثيات اسطورة ابراهيم(1) كما جاءت في سفر التكوين.

***

* مفاصل التناص:

1- الانجاب على كبر:

ابراهيم وزوجته سارة وصلا الى عمر متقدم دون انجاب أي مولود فتضطر سارة ان تزوج ابراهيم بخادمتها هاجر(2). 

*(( الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين:

16 :1 و اما ساراي امراة ابرام فلم تلد له و كانت لها جارية مصرية اسمها هاجر

16 :2 فقالت ساراي لابرام هوذا الرب قد امسكني عن الولادة ادخل على جاريتي لعلي ارزق منها بنين فسمع ابرام لقول ساراي

16 :3 فاخذت ساراي امراة ابرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لاقامة ابرام في ارض كنعان و اعطتها لابرام رجلها زوجة له

16 :4 فدخل على هاجر فحبلت ولما رأت انها حبلت صغرت مولاتها في عينيها)).

وفي الأسطورة الهندية “رامايانا” الملك “داسارتا” ملك مدينة “آيودهيا” تزوج بثلاث نساء هن “كوشاليا”، و”كييكي”، و”سوميترا”، دون انجاب مولود.

* ((قال الحكيم فاسيستا : ” لا يمكنك أن تتعرف إلى “يانيا” إلى بواسطة الحكيم “شرينجي shringi” وحده، ويجب أن تذهب إليه سائراً “.

فقصد الملك “داشارات” في اليوم التالي إلى الحكيم “شرينجي”، وركع على قدميه أمامه وتوسل إليه ماداً إليه يديه: “لقد قدمت إليك لأبتهل إليك لتتفضل بتقديمي إلى “ياجنا” الذي يهب الأولاد”. فقصد الحكيم شرينجي إلى آيودهيا وقدم هذا المدعو “يانيا”، وبعد انتهاء الطقوس ظهر إله النار شخصياً وقدم بنفسه وعاءاً مليئاً بمزيج مقدس من الحليب والأرز للملك داشارات وقال له : أيها الملك ! لقد تحققت أمنيتك، قدم هذا المزيج من الطعام بنسب متساوية إلى ملكاتك، وسوف يباركك الإله القدير. ثم تورا إله النار عن الأنظار. )) وهكذا تحبل زوجات الملك.

***

2- الحبل:

تحبل هاجر، امراة ابراهيم، وكذلك نساء الملك الثلاثة.

***

3- الانجاب:

تنجب هاجر اسماعيل، وكذلك نساء الملك ينجبن. إذ تنجب الأولى ابنها (رام)، وتنجب الثانية ابنها (بهارات)، وتنجب زوجته الثالثة توأمين هما (شاتروجنا)، و(لاكشمان).

***

4- الغيرة:

تغار سارة من ضرتها هاجر. إذ تذكر سردية التوراة:

* ((ورأت ساراى ابن هاجر المصرية الذي ولدته لابراهيم يمرح فقالت اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق)).(تك:18)

وكذلك تغار زوجة الملك الهندي “كييكي” إذ تقول له: 

* ((وعدتني بمنحي هديتين، ووافقت على أن أطلبهما عندما أحتاج إليهما، والآن حان الوقت لأخذ الهديتين. فإن كنت تؤمن بالصدق والأمانة يجب أن توافق على ما أطلبه منك، ولما سمع الملك “داشارات” هذا الكلام من الملكة “كييكي” صار أبكماً كالتمثال وأخذ يحملق في وجه كييكي.)).

***

5 – النفي: 

في اسطورة ابراهيم تطلب سارة منه نفي زوجنه الثانية “هاجر” وابنها اسماعيل، فيفعل ذلك:

* ((ورأت ساراى ابن هاجر المصرية الذي ولدته لابراهيم يمرح فقالت اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق)).(تك:18)

ويفعل الملك”داسارتا” هذا الفعل كذلك، إذ يأخذ كلام زوجته الثانية (كييكي) ويغير في منصب ولي العهد الذي كان (رام) على وشك استلامه، وينفيه الى الغابة. 

((ولما رأت ” كييكي” أن الملك دهش وأصابه الصمت، قالت: اليس “بهاراتا ” أبنك؟ أو لست أنا أيضاً زوجتك الشرعية؟ قال الملك: عزيزتي ! لا تنطقي بكلمات تسيء إلى الحب المتبادل، وتكون ضد طبيعة السلوك الإنساني، فبهاراتا وراما عيناي وسوف أبعث رسولاً وراء “بهاراتا” “وشاتروجهنا”، وأتوج ابنك بهاراتا ملكاً لأيادوهيا فليس لرام رغبة في العرش، واصرفي عنك الغضب والحزن وافرحي سوف أقوم بالترتيبات من أجل تتويج بهاراتا بعد بضعة أيام، ثم لمس الملك بيديه قدمي الملكة كييكي وقال:

. ” أرجو أن تسحبي طلبك الثاني فهو غير مرغوب فيه، فما هي غلطة رام؟، إنه كالملاك. فأجابت الملكة بتجهم:

مهما حاولت فلن تنجح حيلتك، يجب أن تمنحني ما أطلب والا فالعار والدمار لك ولمملكتك، إنني لا أحب النفاق. (…) ثم سأل رام الأم كييكي:

. أماه أرجو أن تخبريني بأمر هذين الطلبين وسوف ألبيهما حتى لو خاطرت بحياتي”.

فقالت الملكة إذن اسمع، إن طلبي الأول هو أن يكون بهاراتا ابني هو الملك بدلاً منك، أما مطلبي الثاني فهو نفيك لمدة أربع عشرة عاماً.

فابتسم رام وقال أنا مستعد لتلبية مطلبيك اللذين وافق عليهما 3والداي، وهذا أفضل لي فسوف تكون لدي فرصة لأرى عدداً من النساك المتعلمين الذين سوف يهذبونني من الناحية العقلية والأخلاقية “(…) من العار الاً البي مطلبي والدي.)). (ص79 وما بعدها) إلا ان النفي جاء في اسطورة “رامايانا” على غير ما جاء في اسطورة ابراهيم، وكذلك الزوجة الحاسدة.

في الاسطورة الأولى الزوجة الكبيرة هي التي تطلب نفي الزوجة الصغيرة وابنها، فينفيهما الى “وادي ليس ذي زرع”، أي ليس فيه أي شيء لادامة الحياة، والنفي يكون نفيا نهائيا. فيما يكون الطلب في الاسطورة الثانية قد جاء من الزوجة الثانية لابعاد ابن الزوجة الكبيرة فقط من منصب ولي العهد، ونفيه هو، وينفى الى الغابة، وهي مكان فيه وسائل ادامة الحياة، ولزمن محدد.

***

ذكرت مفاصل التناص بين الاسطورتين لابرهن على ان ما تنتجه حضارة ما على الصعيد الثقافي، المادي، وغير المادي، ينتقل، أو جزء منه، الى باقي الحضارات، ويمتزج مع ما تنتجه تلك الحضارات على الصعيد الثقافي، كما حدث مع القصص الشعبي، فهو أما ينتقل كليا، أي قصة شعبية كاملة، أو جزء منها، أو موتيفة واحدة، أومجموعة موتيفات(3).

***

الهوامش:

1 – ربما كان هناك شخص يدعى ابراهيم، أو ابرام، له دور كهنوتي في الديانات التي سبقت الديانات التوحيدية، إلا ان الرحلة التي قام بها هذا الشخص هي رحلة اسطورية كما وردت في التوراة، أو كما أوردها المفكر فاضل الربيعي على انها وقعت في اليمن، لهذا أطلقت على هذه الرحلة مصطلح اسطورة.

2 – هذا أول ازدراء بالمصريين، وكذلك العرب، حيث يمثل ابن الجارية جدا للعرب.

3 – راجع كتبي عن القصص الشعبي. كتاب (القصص الشعبي العربي – دراسات وتحليل– دار الشؤون الثقافية العامة– 2020). وكتاب (السقوط والصعود في القصص الشعبي – “نحو منهج لدراسة القصص الشعبي” – دار الشؤون الثقافية العامة – 2022).