المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الليل والطفل الذي كنت

عبد الغفور مغوار

كم مرة يحصل هذا في حياتنا، حينما يأتي المساء، نتوه وسط دوامة من ذكريات نواجه فيها وحدنا خليطا من المشاعر، فبالنسبة لي غالبا ما كانت تتجسد الكآبة أريكة، مرغما أرمي عليها جسدي بين مستيقظ ونائم، أحدث نفسي بالإشارات الميمية متحسرا على ما كان وما يكون ومتلهفا لما سيكون. فعلا، الليل منصة المعذبين وشرفة المحرومين وملاذ المبعدين وهو زنزانتي السوداوية. الليل للسبات، غير أنه كان لي سفرا والسفر قطعة من جهنم. الليل والوحدة وهموم الزمن التي لا تنطوي خصوم سلبوني لعمر طويل حرية الحلم وشهوة النوم، حتى حينما أغمض عيني تنط مشاغل اليقظة في رأسي لتخرجني من خدر قد تستحليه حواسي في بعض الأحيان فأجدني أتخبط في مكاني كالممسوس، وكان كل مرة يخيل لي فيها أنني لن أخرج من تلك الحالة سليما. 

وجاءت الليلة التي التقمتني الأريكة ذاتها في جوفها واحتلك الظلام حولي حتى لأني لم أستطع تمييز أعضائي من بعضها. كنت من الأرق لا أقوى على فعل أي شيء. حاصرتني الوحدة الجليدية وأحسست أني قطعة ثلج تنهال عليها قطع ثلج أخرى، رغم أنه في نهار ذلك اليوم كانت الشمس حارقة وريح سموم قد حركت غبار البلدة حتى اضطر الناس لزوم بيوتهم والارتكان إلى مراويحهم. لم أكن أسمع صوتا ولا حركة، ربما كان المكان غير غرفتي النائمة في العدم. استسلمت لذلك الهدوء الغريب وانقطعت حبال أفكاري وتيقنت أني خرجت من عالم الأحياء. 

وأنا بلا وعي، غارق في اللاشيئية، سطع من بعيد خلف النافذة المشرعة شعاع شرارة حمراء شطرت الفضاء نصفين، النصف الأول أمسى يما ذا أمواج عاتية، والنصف الثاني أمسى سعيرا ذا لهب. وفجأة ورغم هذا المشهد المريب استسلمت لدبيب حياة جرى من جديد في عروقي. وتتالت الذكريات مُتَمَادية في الهجوم حتى أني لم أتمكن من حصر اندفاعها، وكأن الذاكرة أصابها نزيف حاد. صارت تعرض صوراً لمواقف ما كان لي لأنساها. في البداية، لقطة مقرّبة لي وأنا مختبئ تحت مائدة ببيت الجيران ويد تمسك بقدمي الصغير تجرني منه وسيل من الشتائم تخرسني ولم أكن لأفهم معناها، ولقطة أخرى كنت فيها مستغرقا في تأمل العالم من حولي وأنا تائه في حقول الزيتون وقت القيلولة حتى تعرضت لهجوم مباغت لسرب من النحل. توالت اللقطات والذكريات، تذكرت السقطة التي انشقت لها شفتي العليا وأنا أنزل درجات السلم المؤدي إلى سطح المنزل، تذكرت الكلب الذي كاد أن يفقأ عيني بمخلبه، تذكرت ألعابا سحرية كان يبهر بها عقولنا الصغيرة أستاذ القسم الثاني، تذكرت يوم سرقت ملابسي وأنا أستحم في جدول كان يجري في فضاء حديقة ‘‘جنان السبيل٭‘‘ فعدت إلى المنزل بسروال قصير حافي القدمين، تذكرت أول مرة رأيت فيها البحر والموجة الأولى التي أوقعتني والموجات الصغيرة التي أعقبتها وتعاونت على إغراقي والضحكات التي تعالت قريبا مني وأنا أستنشق الماء المالح والرمل. كل الماضي حل بذهني بكل أشكاله وألوانه حتى غصت قبالتي في برزخ بين اليم والنار وفقدت من فرط التذكر وعيي من جديد. 

الطفل الذي كنت غط في النوم ذراعاه مبسوطتان أعلى رأسه، أحسست به يتقلب في فراشه حتى أني استنشقت معه رائحة الخبز المقلي في الزيت والشاي بِالنَّعْنَاعِ تملأ الغرفة في عقر الدار وأفراد الأسرة يتناولون وجبة السحور، وكدت أسمع وشوشتهم. 

أكان ما رأيت جنونا أم يقينا؟ لم أكن أميز، لكن الصيف قد بدأ بموجة حر لا سابقة لها، الشيء الذي عرضني لضربة شمس ربما. لم أستيقظ من ذاك النوم العجيب، غير أني نجوت من الهلوسة الليلية في تلك الأمسية الغريبة. لقد هيئ لي أني ولدت فيها من جديد لكن ميتًا مُكَفَّنا في وحدة بشعة تحارب من أجل توطيد عهد مع ذكريات متذبذبة بل مبتورة. 

أخيرا، لقد نام الطفل الذي كنت دون صداع أو كوابيس، لعلها كانت بوادر تعاف من حياة أليمة.

٭ يعتبر جنان السبيل بفاس من أجمل الحدائق التاريخية على المستوى الوطني (المملكة المغربية). 

فاس، في: 17/07/ 2022