عبدالباري الصوفي*
سبق وأن كان لي دراسات نقدية لكل من مسلسل ليالي الجحملية الذي تم عرضه على قناة يمن شباب، وكذلك مسلسل ربيع المخا الذي تم عرضه على قناة السعيدة، لهذا وقعت صنارة النقد لهذا العام للمسلسل الأكثر من رائع ألا وهو (مسلسل العالية) والذي يتم عرضه على شاشة يمن شباب خلال شهر رمضان المبارك لهذا العام 2023م
لذا بعيدا عن المواقف التي يكتب عنها الكثيرون ممن ينظرون إلى أن النقد عبارة عن مجموعة كلمات يكتبونها لأغراض شخصية أو تأثراً بجوانب سلبية أو إيجابية معينه أو بواسطة تعليقات تكون محصورة فقط بفجوة فنية معينة هنا أو هناك.
ويجهلون كثيرا أن الشيء الأكثر أهمية هو بناء النقد على معايير فنية إعتمادا على أهمية ما تقدمه هذه المؤسسات للمشاهد؟ وما هو المستوى الفني الذي يتم عرضه؟ ثم ما هي المعايير الفنية والإنتاجية التي تم على أساسها بناء هذا العمل الدرامي المعروض؟
سيتم إجراء القراءة النقدية بناء على المستوى الفني والمعايير الفنية والإنتاجية التي على أساسها يتم بناء العمل الدرامي، وأيضا لكي تستفيد الجهات المعنية من إدراك أهمية النقد في تقييم الأداء الفني ومحاولة الاستفادة من كل الملاحظات المطروحة لاسيما أن الهدف هو الوصول بالدراما اليمنية إلى مستوى أعلى من حيث النجاح والتطور والإبداع، لهذا نحن كمراقبين يُعَد هذا واجبا فنيا طالما لم تسنح لنا الفرصة بالتعديل والنقد عن قرب، لذا سوف نؤدي واجبنا من خلال النقد الفني والمُنصف عن بعد…
من هذا المنطلق إخترنا مسلسل العالية انموذجا لبناء هذا النقد الفني المبني على كل تلك الأسس التي سنذكرها آنفا، كما سنقوم بتسليط الضوء على كل المقومات الأساسية التي تقوم عليها الأعمال الفنية والدرامية:
أولا : الموضوع أو العنوان:
كان للعنوان (العالية) رمزية كبيرة لاسيما أنه يعود بمفهومه إلى حقبة تاريخية معينة كانت تتكرر فيها العديد من هذه الكلمات كـ(العليَّة – والمَنظرَة – والحوية) وغيرها حيث كانت تقابلها أيضاً مجموعة من الكلمات كـ(المَحابيَة – والسُّفليَّة – والعَريش) كما كان لكل لفظ معنى دلالي يدل إما على المكانة أو المنصب أو يشير إلى رمزية المكان.
لهذا في رأي كانت رمزية العنوان بديعة ومكثفة ومتوافقة مع أحداث المسلسل إلى حد كبير جدا.

ثانياً: الفكرة .
غالبا نجد أن الكاتب الملهم هو الذي يستقرئ الواقع المعاش ثم يحوله إلى فكرة معبرة ذات أبعاد كثيرة معظمها تساهم في بناء وتقييم المجتمعات والأفراد والأمم، وكذلك نرى أيضاً المخرج المبدع هو الذي يحول تلك الأفكار إلى واقع مرئي ومشاهد.
وهذا ما شاهدنا تحققه في مسلسل العالية والذي اجتمع فيه نباهة الكاتب وذكاء المخرج أضف إلى ذلك تأثر المجتمع اليمني على وجه الخصوص بالمواقف العاطفية كثيرا هذا ما جعل المخرج يبلور العديد من المواقف والمشاهد التي غالبا ما تنتمي إلى العرف والعادات والتقاليد كالثبات والوفاء والشرف والعرض والأرض والوطن والانتماء وتطعيمها بالعاطفة الجياشة بحيث أصبحت تبدو للمشاهد وكأنها تحمل كل الأفكار والرسائل والمبادئ التي يعيشها بشكل درامي رائع وبديع.
من جهة أخرى كانت كل تلك الأفكار والرسائل والمبادئ حقيقة تتمحور حول مصطلح العلو والرفعة والكرامة والثبات وهذه هي المعاني والدلالات التي يتضمنها مفهوم العالية وهذا إنما يدل على دهشة الكاتب وحبكة المخرج وبراعته…
ثالثا: الزمان والمكان ..
غالبا ما يوجد تعدد زماني ومكاني ومفارقات زمانية ومكانية بين الكاتب والمخرج لذا كانت القياسات الزمانية التي تتوسط العمل الدرامي بديعة كمسألة الإحساس بالزمن طولا وقصرا كونه يختلف في بعض المشاهد عن زمن العرض كان بديعا كذلك الزمن المستهلك في الحوار النفسي، والحوارات العاطفيه إضافة إلى زمن الموسيقى وزمن القفل في معظم الحلقات وهنا بالذات كانت معظمها تنتهي زمنها بمشهد جميل ومشوق إلى حد بديع أيضا.
لكن ما نود الحديث عنه بل وما نعانيه في معظم المسلسلات اليمنية على وجه الخصوص اهتمامها بعنصر المكان بحيث تحاول جاهدة مقاربة الأحداث المكتوبة وإسقاطها على مكان يكاد يكون مقاربا إلى مكان تلك الحقبة التي تحدث عنها الكاتب وهذا يعد شيئا جميلا جدا، لكن مسألة إهمال عنصر الزمان وبالذات الزمن التقديري للمسلسل وتغيرات الشهور أو الفصول أو السنين فيه هذا ربما يؤثر سلبا على مجريات العرض الدرامي ويخلق أيضاً جمود وسكون زماني بين بداية الفترة ونهايتها وهذا ما لاحظناه في مسلسل العالية أيضا ولكي أوضح المقصود مثلا ضهور مشاهد المسلسل منذو الحلقة الأولى على نفس مستوى الزرع وحتى الحلقات الأخيرة مع أنه كان الأولى مثلا أن يأتي مشهد العساكر في أرض توفيق في الحلقة الأولى بأرض لا يوجد فيها زرع ليبدو مشهد قاسم مع محصنة وكأنه يشقي في موسم الشقاء مع لحن مهجل الشقاء وليس الصراب ثم يأتي بمشهد آخر في الحلقة الخامسة مثلا في مكان يرى فيه المشاهد أيام البتلة أو الحرث ثم يأتي ببقية المشاهد في الحلقات الأخرى كمشهد هلال مع عوض في الحلقة الثانية عشر والزرع قائم كما هو حال المشهد نفسه والذي يشير لقرب موسم الحصاد …
كما يمكن أن يأتي التغيير الزمني لفترة العرض مثلا بتغيير بعض السمات الشخصية أو تغيير اللباس وغيرها من الأمور لكن ما لاحظناه أن معظم الممثلين ظل بنفس الهيئة وبنفس الملابس منذ الوهلة الأولى وحتى الحلقات الأخيرة وهذا يجعل زمن العرض زمنا جامدا وغير متحرك.
لهذا يجب الاهتمام بعنصري المكان والزمان على حد سواء ليتحقق النجاح الكامل للدراما اليمنية…
رابعاً: الحبكة الدرامية ..
من المهم جدا مسألة ترابط الأحداث وانتقالها إبتداء من عنصر العرض مرورا بالاحداث الصاعدة وصولا نحو الذروة ثم العودة بشكل بديع للوصول لعنصر المفاجأة الذي غالبا ينتظره الجميع.
لذا من وجهة نظري كانت الحبكة الدرامية رائعة جدا ابتداء من تلك اللقطة الساحرة التي افتتح بها المخرج الحلقه الاولى عنصر العرض المكاني بصورة فوقية لقرية العالية والتي جمعت بين الفكرة والعنوان واللمسة السحرية للمخرج ثم بعدها الانتقال البديع إلى إبراز عناصر الصراع في قرية العالية وما يجاورها، وكذلك إبراز الشخصيات والبيئة والزمان والمكان والعادات والتقاليد وغيرها من المعلومات عن الخلفية التاريخية التي تدور حولها مشاهد الحلقات القادمة.
كذلك ما يخص الأحداث الصاعدة فلقد كان المخرج موفقا إلى حد كبير وبديعا في ترابط وتكاثف الأحداث لاسيما أنه استخدم الحبكة الدرامية المتماسكة والتي تعني حياكة أحداث المسلسل بشكل أكثر احترافية ليصل بالمشاهد إلى مرحلة القلق والخوف والتوتر والانتظار والإدراك والتفاعل الى ما ستؤول إليه الأمور وهذا الأسلوب يكون مناسبا في هذا النوع من الدراما على خلاف الحبكة الدرامية المفككة والتي وضحناها سابقا في مسلسل ربيع المخا والتي تعتمد على بنية القصة وتوسيع مجال العرض دون التركيز على ترابط وتكاثف الأحداث وتماسكها والذي يستخدم في أنواع أخرى من الدراما…
خامساً: الشخصيات …
كما هو معروف أن الشخصيات هي الركيزة الأساسية التي على أساسها يبدو نجاح أي عمل درامي كما أن توزيع الأدوار بشكل مناسب مع الشخصيات الملائمة يعد التحدي الأكبر والمنطلق الأهم والمحور الرئيس الذي تتمحور عليه كل المشاهد والأحداث في أي عمل درامي إذ أن ضياع الأحداث في القصة وضياع الأفكار فيها غالبا ما يأتي من هذه الزاوية وهذا ما نلاحظه في كثير من الأعمال الفنية والدرامية اليمنية التي تخفت وتبدو ضعيفة جدا بسبب إهمال عنصر الشخصيات التي تتناسب مع الدور الذي تحاكيه القصة وبسبب نظرتهم القاصرة بأن هناك فقط مجموعة أشخاص هم من يستطيعون إجادة العمل الدرامي بشتى أنواعه ومجالاته سواء كان كوميديا أو ميلودراما أو مأساة أو موسيقى أو خيال أو هزلية (ساخرة) أو غيرها وهذا هو ما يجعل القصة مختلة والمشاهد غير ناضجة والأحداث غير جدية.
لكن ما رأيناه في مسلسل العالية شيء من النضوج الفني والدرامي فيما يخص التناسق والتناغم الجميل بين الشخصيات ومحاكاتها للواقع الافتراضي الذي تحاكيه القصة لاسيما أن الشخصية أو الشخصيات الرئيسية بنوعيها الشر والخير كانت أمثال الممثل الأكثر من رائع الأستاذ #قاسم_عمر الذي أطل علينا بشخصية الشيخ فاضل والذي يعد من وجهة نظري أن هذا الإنسان لا يعتبر ممثلا فقط بل مرجعا دراميا لأنه دائماً يرتقي بالفن الدرامي بكل أحاسيسه وملامحه لذا أنصح الكثير من الأجيال القادمة التعلم منه الكثير كطريقة الوقوف شامخا، والكلام صادقا، والبكاء متألما، والمشية منقذا، أضف إلى ذلك إكتمال المشاهد الحوارية سواء الداخلية أو الخارجية بوجود المبدعة #منى_الأصبحي والتي كانت بمثابة الزوجة عزيزة ليصبح المسلسل بديعا ورائعا بهذا الثنائي الجميل.
بشكل عام كان توزيع الشخصيات أوعناصر الصراع الأساسية الممثلة كأقطاب أو محاور للخير والشر أمثال (قاسم عمر – منى الأصبحي – أحمد عبدالله حسين) يعد نجاحا فنيا في غاية الجمال والروعة، أضف إلى ذلك الشخصيات المساعدة بنوعيها الخير أمثال (هديل عبدالحكيم (شداد) – أشواق علي (ضبية) – حسام الشراعي (هلال) وكذلك #فواز_التعكري فتحي) وغيرهم وكذلك عناصر الصراع والشر أمثال (مروان المخلافي – محمد الهتار – نوفل_البعداني) وغيرهم ممن كان توزيعهم في غاية الجمال والروعة.
لكن لدي فقط ملاحظة مهمة فيما يخص شخصية (عامر البوصي) الذي يمثل أحد عناصر الصراع كعنصر للشر باسم قطام هذا الممثل الرهيب والجميل الذي لا يختلف عليه اثنان على مدى روعته وابداعه، لكن ما يخص دوره في مسلسل العالية لم تكن شخصية خطاب مكتملة الأركان لسببين:
الأول: لم تكن شخصيته مكتملة بسبب إختزال حواراته في كل أوضاعها إلى اللغة الهزلية والساخرة مما جعل تلك المشاهد التي قام بها تبدو وكأنها مبتذلة ومكررة وركيكة.
ثانيا: كان الدمج بين شخصية قطاب كأحد عناصر الشر وشخصية المشعوذ مع شخصية الفقيه في شخص واحد لم يكن مناسبا لاسيما أن شخصية الفقيه سابقا كانت أكثر قدسية وتعليما واحتراما في أوساط المجتمعات كونه كان يعلم القرآن الكريم والنحو والبلاغة والأدب في تلك الحقبة التي ترمز إليها أحداث القصة أذ أن إشهار شخصية الفقيه تحديدا بتلك الصورة غير منطقي مطلقا…
سادساً: الحوار ولغة الحوار..
يمكن للمثل أن يطلق عنان الفن والإبداع والابتكار والتألق في نسق المشهد وبلورة أحداثه للواقع الافتراضي المُشَاهد، لكن عليه أن يلتزم بالنص وبمفرداته وكلمات الحوار المسندة إليه.
وهذا جل ما نحتاج إليه دائما لكي نرتقي بالأعمال الدرامية في اليمن بشكل خاص وهو لغة الحوار التي ترتقي بالمشهد وتعتلي بالموقف وتسمو بالعمل الدرامي نحو الذروة، نحن بحاجة ماسة إلى ضبط لغة الحوار مع جمال المشهد والحدث، كما يجب على الممثل أن يوقف إطلاق سجيته في لغة الحوار لاسيما إذا كانت بدائية إلى حد كبير ومبهمة وغير مفهومة للجميع، كما يجب على اللمثل أن يدرك متى يكون المشهد الدرامي فوضويا ومتى يكون هزليا ومتى يكون جادا ومتى يكون غير ذلك، لابد أن يعي الجميع معنى النضوج الفني والدرامي في إسقاط المشهد ومحاكاته بشكل جميل ورائع.
من هذا المنطلق كان هناك الكثير من الحوارات في هذا المسلسل البديع تحتاج إلى تشذيب العديد من الألفاظ والكلمات واستبدالها بما يرتقي بالمشهد والحدث والحوار الفني والدرامي بشكل أفضل وأجمل.
لهذا أتمنى أن يأخذ المخرجين هذا الأمر على محمل الجد في أعمالهم الفنية والدرامية القادمة لاسيما التركيز على الحوارات ولغتها المناسبة لاننا نريد أن نرى الدراما اليمنية تتصدر المشهد سواء على المستوى العربي أو العالمي بل نأمل بذلك كثيرا وننتظر تلك اللحظات بفارغ الصبر…
سابعا: الموسيقى التصويرية..
لكي يكون المشهد مكملا ومليئا بالمشاعر لابد من التناغم الابداعي بين تلك المشاهد وبين الموسيقى التصويرية والايقاعية التي تحيط به.
لهذا كانت الموسيقي التصويرية والأداء الصوتي جميلا ومؤثرا ومتناغما مع ما تحاكيه الأحداث والمشاهد ابتداء من الموسيقى التصويرية لشارة المسلسل والتي كانت للموسيقار المبدع محمد القحوم وحتى الموسيقى التصويرية في الخلفيات المرئية أو الخلفيات الغير مرئية لاسيما أنها أثرت العديد من المواقف والأحاسيس كالحزن والبكاء والأرق والخوف والتوتر والانتظار والفرح وغيرها من عوامل الوجدان أيضاً كالحب والكره وما إلى ذلك وهذا أسعدنا كثيرا كوننا رأينا هذا الجمال والتناسق والإبداع في مسلسل العالية…
وحتى لا نتوه في خضم الملاحظات ويطول علينا الكلام أجرينا هذه القراءة النقدية لهذا المسلسل الدرامي البديع بشكل مختصر، الغرض منها توصيل المعلومات الهامة التي ترتقي بالعمل الدرامي الذي نحتاجه في الأعمال القادمة إن شاء الله تعالى..
في الأخير خالص شكري وتقديري واحترامي لكل من ساهم في إنجاح هذا المسلسل الفني البديع… تحية خاصة لموؤسسة الجند على هذا الرقي في التنفيذ والانتاج وأيضاً تحية شكر وتقدير واحترام للمخرج المبدع وليد العلفي… تحية شكر وتقدير واحترام لجميع الطاقم الإداري والفني والمالي العامل في هذا المسلسل وكذلك أرفع القبعة احتراما لقناة يمن شباب… على هذا العمل الدرامي الأكثر من رائع …
بقلم الباحث والكاتب اليمني/ عبدالباري الصوفي …





