المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه.4

تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد. ض. ط

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه. 4

 

مهندس ضياء طمان

مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.

أدونيس-بارك الله في عمره

ولْنتطَرَّقِ الآنَ إلى “أدونيس” وقصائد قصيرة ــ كما عوَّدَنا ــ تحتَ عُنوان “مَدارات”، التي اخترتُ منها سِتَّ قصائد أو نصوص، أو في الحقيقة القصة القصيرة جدًا كذلك، بترتيبها من إجماليِّها البالغ 27.
نعم.. في هذه النصوص نصوصٌ بعضُها قصائد، وبعضُها قصصٌ قصيرة جدا، وبعضُها إنشائيٌّ لا علاقة له بالشِّعر، ولا بالقصةِ.
وقبل أن أُقدِم إلى تقييم إبداعات المبدع الكبير الموقر أدونيس، بقيم ودرجات محددة، اسمحوا لي أن أؤكد ما قد ذكرته بخصوص الإبداع الخام والشعر الخام الذي نحن بصدده الآن، ذلك الشعر غير الموزون وغير المقفَّى، الذي لا يسمع فيه المتلقي سوى موسيقاه الباطنية(موسيقى اللغة)، التي حتمًا تختلف من شاعرها إلى متلقيها، ومن متلق إلى متلق آخر. بل ومن قصيدة إلى قصيدة للشاعر الواحد. ذلك الشعر الذي يساهم من وجهة نظري بدرجة كبيرة جدًّا في تطابق الضمير الإنساني مع الضمير الأدبي للمبدع. فالموسيقى الخارجية الظاهرة الحادة للبحور والقوافي، تَشغَلُ الشاعر وتستهلك معظم جَيَشانه العفوي- مهما كانت خبراته- الذي يتكئ الشاعر عليه بأَرْيَحِيَّةٍ؛ فتتناقصُ عاطفتُه الطبيعيةُ تجاه نَصِّهِ، وتتزايد عاطفته السلبية الاصطناعية لا الصناعية، مما قد يجعل النَّصَّ خليطًا من الشعر والموسيقى. بمعنى انفصال الشعر عن الموسيقى وكأنهما إبداعان لا إبداع واحد كما يتصور شعراء البحور والتفعيلة. وأكاد أُجزِم بلا حذر، أن شعراء التفعيلة الأوائل قد قرروا التخلص من كتابة أشعارهم البحورية؛ هروبًا من الموسيقى الصاخبة التي كانت تقصيهم عن مشاعرهم العميقة، وتستبدلها بمشاعر أخرى أقل عمقا. وإن كان الشعر التفعيلي بديلًا وسطيًّا مناسبًا للشعر العمودي وموسيقاه؛ فقصيدة النثر لا أراها إلا قصيدة الشعر المحض الختامية، مهما كان التطور في التقنيات الأخرى لفن الشعر. بل أكاد أرى وأسمع الملحنين وهم يلحنون القصائد النثرية(فصحى وعامية) بألحان استثنائية؛ مما ينجم عنه نهضة راقية وتطورًا جديدًا في فن الشعر الغنائي والموسيقى والغناء، بعيدًا عن كل أشكال ومضامين الغناء المقلقة الحالّة الآن.
فهو يقول في نصه الأول:
1ــ جاءَ المَدْعُوُّون.
لا أحَدَ يَعرِفُ أحَدًا.
أرقامٌ في دفْتَرِ الوَقْت.
أينَ المائدةُ، إذًا؟
-​تقييم نص(1) المائدة:
المفردات والألفاظ: 10%
الموسيقى الباطنية: 10% (بديلًا للموسيقى الخارجية والداخلية كما ذكرت)
الجمل وتراكيبها: 10%
الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 5%
البناء: 40% ) رغم تكرار معناها ومضمونها بشكل أو بآخر في نص سابق في ديوانه” أغاني مهيار الدمشقي”؛ إلا إن زاوية تناولها وبناءها وكثافتها غاية في الإحكام والتألق). فالمدعوون هم الخلق. أرقام في دفتر الوقت، مجرد أعداد في قائمة الأحياء ينتظرون الموت في (دفتر الحضور والغياب).. أين المائدة إذًا؟.. أين البعث والجنة والنار والحساب؟.. هكذا يتعاطى أدونيس مع هاجس الحياة والموت، وتداعياتهما بتحفظاته التي لا تتغير ولا تنقطع.
الخبرات: 10%
الغاية: 10% (الغاية المقصودة غاية الشاعر ذاته التي أراد بثها، لا التي أراها كمتلقٍّ، وإن خالفَتْ قناعاتي ومعتقداتي وثوابتي)
إجمالي درجات هذه القصيدة 100 درجة شعرية من 100
هي قصيدةٌ طبعًا، وجميلةٌ، ومُختَزَلةٌ، ومُكَثَّفةٌ، وبها كُلُّ مُقَوِّماتِ الإبداع، مع تَحَفُّظي الشَّخصي على مضمونِها العَبَثِيِّ للدنيا وللخلقِ وخلافه. ولْنرَ قصيدته الأخرى، المرادفة موضوعًا والمختلفة شكلًا مع قصيدته (المائدة).
“وَشوَشَني آدمْ،
بِغُصَّةِ الآهِ
بالصَّمتِ بالأنَّة :
لستُ أَبَ العالَم
لَمِ أَلمَحِ الجَنَّة
خُذْني إلى اللهِ.”
وبرغم الصورة الدينامية لآدَمِه وحواره الصامت و(وسوسته) الدراماتيكية، إلا انه كما نرى في (المائدة) أصبح أكثر حرصًا على الموارَبَةِ والشاعريَّة اللا منطقية المبررة، في صورة كلية دينامية كذلك، لكنها أكثر حميمية للمتلقي، لأنه واحد من هؤلاء المدعوين. ورغم كل جماليات هذه القصيدة القصيرة جدًّا الزاخرة بالتفاصيل، التي يراها كل متلق على حدة برؤيته الخاصة؛ إلا أنها للأسف، لم تُضِفْ معنًى جديدًا لِما قالهُ قَبْلًا، وإنما هي وجهٌ جديد متميزٌ لها. وللخبرةِ هنا دورُها. فقد تفوق أدونيس في هذا النص القصير الفارع فيما وراءَه من تجسيدٍ لجدليَّةِ الدنيا وما يليها، الذي يشغله في جُلِّ نصوصِهِ وقصائدِه.
واسمحُوا لي أن أتناولَ قصائدَ ” مَدَارات ” معًا باعتبارِها قصيدةً واحِدةً مُكَوَّنَةً مِن مقاطِعَ، رغم أنني قُمت وسأقوم بتقييمُها تقييمًا منفصلًا، رغم تداخل وتواصل معظمها؛ لِما بينها مِن سِماتٍ وتقنيات مشتركة. وقَطعًا برغمِ قِصَرِ كُلٍّ منها، وبرغمِ ترقيمِها ترقيمًا مُستقِلًّا، وبرغمِ وضعِها جميعًا تحت عُنوان ” مَدارات” فهذا لا ينفي أنَّ لكُلٍّ منها عُنوانًا مُستقِلًّا، سأضعُهُ أنا كمِفتاحٍ تذكيري للنَّصِّ أو القصيدة التي قد يتصوَّرُ البعضُ، وربما الشاعر أيضًا، أنها مغلقة. فعنوانُ القصيدةِ رقم (1) الفائتة هو (المائدة) كما أوضحت.
وكما نرى في القصيدة رقم(2) فعنوانها، كما أرى ( غريمان)
“خطأً،
أصابت رَصاصةُ قَنصٍ كائنًا غريبًا
لم يقدِرْ أحَدٌ أن يُحَدِّدَ هُوِيَّتَهُ
ولم يَمُتْ،
غيرَ أنَّهُ أُصِيبَ بِشَلَلِ اليدين
نَجَا غريبٌ آخَرُ كانَ يُرافِقُه،
والقصيدةُ التي كانَ يَقرَؤُها غاضِبًا
نَجَتْ هِيَ كذلِك، لكنْ بأُعجوبَة”.
-​تقييم نص(2) غريمان
واسمحوا لي أن أقوم بتقييمه وتقويمه كقصيدة، لا كقصة قصيرة كما صَنَّفْتُها؛ لكن كقصيدةٍ تفتقرُ إلى بعض مقوِّمات ومحدِّدات الشعرِ الأخرى طبقًا لأطروحتي.
المفردات والألفاظ: 10%
الموسيقى الباطنية: 5%
الجمل وتراكيبها ومعانيها: 7%
الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 2%
البناء: 40%
الخبرات: 8%
الغاية: 10%
ـــــــــــــــــ
إجمالي الدرجات: 87 درجة شعرية من 100

فهيَ، كما ترَون، قصةٌ قصيرةٌ بمُقَوِّماتِها المعروفة، إلا أنَّ أدونيس كَتَبَها في شكلِ سُطورٍ شِعريَّة. قصة تنتهي بنجاةِ المُفَكِّر أو الأديب بِفِكرِهِ وبِشِعرِه الذي لن يستطيعَ الظَّلامِيُّونَ سُلطةً ورَاْيًا أن ينالوا منه، فلا أحدَ يستطيع اعتقالَ القصائدَ وأصحابَها، حتى وإنْ كانت النجاةُ بأُعجُوبة. وإنْ كانت رَصاصةُ القنصِ (المقصودةُ) خطأً أصابت كائنًا غريبًا، بمعنى أنهُ ليس أنسانًا ولا حتى مخلوقًا من المخلوقات المتعارف عليها (لا شبيه له). وهو الذي لا يموتُ، لكنَّهُ يُصابُ بشلَلٍ في اليدين فقط، مما يعوقه عن القصاص ربما، من الذي أصابه، أو مما يعوقه عن الأذى والعنف. وهذا يعني أنَّ السُّلطةَ الغاشِمةَ والجُهلاءَ الظَّلاميِّين لابُدَّ وأنْ يطولَهم ما يُطالُ بهِ التنويريون والمفكرون والمثقَّفون مِن مُحارَبَةٍ ومُحاصَرَةٍ واعتقالٍ ومُطارَدَة ولو خطأً. وأجمل ما في هذه القصة القصيدة، نجاة الغريب الآخر الذي كان يقرأ القصيدة. وقطعًا هذا الغريب المثقف، يختلف عن الغريب الأول. غريبان هُمَا إذن، لكن شتان بين الغريب الفظ المتخلف، والغريب الرقيق المستنير. والأغرب في هذين الغريبين أنهما غريبان رفيقان متضادان مختلفان، وكل منهما غريب عن الآخر أو بالأحرى غريم للآخر. إذن هما غريبان غريمان.
هي إذن، كما أرى، قصة قصيرة، ولا تندرج بشكلٍ أو بآخر تحت مسمَّى القصيدة، إلا إذا اعتبرناها مجازًا قصة شعرية (لنجاة القصيدة من الرصاصة بأعجوبة) لكنها تظل في الحقيقة قصة قصيرة جميلة وبديعة. فالفرق شاسع بين الشعر النثري والسرد الشاعري.

مهندس ضياء طمان

أما في القصيدة رقم (3) التي أرى عُنوانَها (كراسي):
” تَجلِسُ الحَياةُ على كُرْسِيٍّ عَتيق
في بيتٍ واسِعٍ يَحرُسُهُ الموت
يجلِسُ الموتُ على كُرْسِيٍّ حديث
في بيتٍ ضّيقٍ لا يتسعُ
حتى لخُطوةٍ واحدةّ تخطوها الحياة
لكن، أين هي المشكلة؟
-​تقييم نص(3) كراسي
المفردات والألفاظ: 5%
الموسيقى الباطنية: 7%
الجمل وتراكيبها ومعانيها: 7%
الصور والأخيلة: الكلية 5 % – الجزئية 3%
البناء 30%
الخبرات: 8%
الغاية: 8%
ـــــــــــــ
-الإجمالي= 73 درجة شعرية من100

بداية، قطعًا هناك مشكلة كبيرة في شكل هذا الطرح لا مضمونه. فالشاعر تطوَّع ليسرد لنا وصفه لمشهدين يراهما هو ولم نرهما نحن. لذا يظل تساؤله لكن.. أين هي المشكلة؟ -بعد كلمة لكن -، نجد سؤالًا أو تساؤلًا في غير محله. إذ كان من الأولى شعريًّا أن يجيب هو عن ذلك السؤال الذي يؤرقه هو لا المتلقي، الذي لم يسأله عمّا إذا كانت هناك مشكلة أم لا. وكان من البديهي شعريًّا بتلك الصياغة، ألا يختتم نصه بتكنيك الاستفهام الصادم كقصيدته الأولى(المائدة)، الذي جلب الدهشة بمنطقية شعرية مبررة برشاقة. فهو أحد المدعوين، الذي بحث عن المائدة فلم يجدها. فتساءل وسألنا باعتبارنا مدعوين مثله كذلك. لكن هنا في هذا النص، فالسياق طبيعي، لكن التساؤل مفتعل، فهو وصَفَ لنا مشهدين متناقضين مباشرين لا شعرية فيهما، وصدمنا بتساؤله، رغم أننا لسنا طرفًا في هذين المشهدين كما أسلفت. باختصار.. كان على الشاعر الكبير أدونيس، أن يصدمنا هذه المرة بإجابته لا باستفهامه، حتى ولو كان ذلك على سبيل تعدد التقنيات الشعرية وتنويعاتها. وفي الحقيقة إنها قصةٌ قصيرةٌ كذلك، لكنها قصةٌ قصيرةٌ جدًّا، وللأسف جاءت ضعيفةً وعاديَّة، برغمِ الاستفهام الخِتامِيِّ المذكور؛ الذي لولاهُ لظَلَّت قصةً قصيرةً جدًّا ضعيفةً جدًّا، فالاستفهامُ في القصائد القصيرة، والرباعيات، والمربَّعات، وفنِّ الواو العربي المصري، يُعَمِّقُ لا محالةَ ما قد يكونُ ضحلًا قَبلَه. بل قد يتعمَّدُ شعراءُ القصائدِ القصيرةِ بأنواعِها أن يبدأ شِعرهُ ضحلًا (بخصوصية) ليُعَمِّقَهُ في آخِرِ سَطرٍ، أو في آخِرِ شطرَةٍ، أو ــ ربما ــ في آخِرِ كلمةٍ ليصنعَ الدَّهشة التي هي وسيلةٌ نظيفةٌ ومشروعة ومُمتِعةٌ للإبداع الوجدانيِّ والعقليّ، كما في قصيدته الأولى، الذي يستهدف به أن يصدم متلقيه في آخر لحظة، بعد أن يكون هذا المتلقي ربما في حالة تحفظ أو حتى استياء منه. ويبدو لي أن كلمة (لكن) قبل تساؤله، قد ساهمت في تحفظنا عليه. إذ استوقفتنا واستوقفنا بها الشاعر فجأة، ثم أجاب فجأة كذلك: أين هي المشكلة؟ وأراني أكتبها كقارئ ومتلق: لكن.. لا مشكلة. فالسياق بذلك سياق ممتد مع ما قبله من سرد ووصف. والنتيجة واحدة، فالشاعر كعادته أراد أن يؤكد أيديولوجيته العبثية للحياة وتداعياتها. وقد تعمدت- كما ترون – اعتبارها قصة أولًا، ليرى القارئ بعد تحولي هذا تحوله هو كذلك، إن جاءت رؤيته كرؤيتي كشكل من أشكال المداعبة النقدية، التي قد تكون مناسبة في مثل هذا التقييم.
ولنتوقف قليلًا مع السطر الرابع الذي حوَّل القصيدة إلى قصة كلاسيكية قصيرة جدًّا، يشفق فيها الشاعر أو القاص على متلقيه بسذاجة مرفوضة، (فإن كانت الحياة كبيرة وواسعة وممتدة وعمرها ملايين السنين ونهايتها الموت) وإن كان (الموت متجددًا ونشطًا، ومرافقًا لخلائقَ وبَشَرًا لا تتجاوز أعمارهم قرنًا بحد أقصى، (فبيته ضيق لا يتسع لخطوة واحدة تخطوها الحياة)، فهنا مشكلة كبرى كذلك، رغم أنه يُنهِي نَصَّه بـ “لكن، أين المشكلة؟”. فالمشكلة ـ بالنسبة لي – ليست في عدم اكتراث الشاعر القاص بجدلية الحياة والموت، كما أخبرنا بوضوح – وإنما في ذلك السطر وتلك الكلمات التي يشرح فيها الشاعر القاص بتفصيلٍ مُمِلٍّ مُخِلٍّ – رغم قِصَرِ النَّص ذاتِه – مَدَى ضِيقِ هذا القبر، رغم بداهة النَّص وسطوع معناه دون إضافةٍ مخالفةٍ لتلك البداهة، والتي من المفترض أن تكون أكثرَ عبثيةً مِمَّا قبلَها ومِمَّا بعدَها، لتكون مثلًا (في بيت ضيق لا يتسع لموت الحياة). و حتى لو قبِلنا تصور الشاعر القاصُّ أنه سيصدمنا بـ “لكن، أين المشكلة؟” صدمةً طازجةً حصرية؛ ليؤكد شجاعتَه وعدمَ اكتراثِهِ بالموت وماهيته؛ فالحقيقة أننا لم نُصدم بالمعنى المذهل الذي تصوره وأراده لمتلقيه. ففعلًا لا توجد مشكلةٌ في مضمون النَّص؛ لأن جميع المتلقِّين، مؤمنين وملحدين ومنافقين، سيقبلونه ويتقبَّلونه؛ لأنه بديهيٌّ كما ذكرت، فالمؤمن لا يهابُ الموتَ لأنه مطمئنٌّ وواثقٌ بأن الخالقَ سبحانَهُ وتعالى سيغفرُ لكلِّ خلائقِه. والمُلحِدُ لا يهابُ الموتَ لأنه لا يعترف بالبعث. والمنافقُ بين هذا وذاك، فهو يبدو مؤمنًا، لكنه يشكُّ في البعث والحساب (سمعت أحد الأدباء -الذين أثق في صدقهم الإنساني – وهو يتحدث عن أحد نقادنا الملحدين الأكاديميين الكبار، بأنه يُصَلِّي -احتياطيًّا – صلاة الجمعة فقط، احترازًا؛ إن كان هناك بعث وحساب). على أية حال، فهذا النص أراه نصًّا عاديًّا؛ وكأنَّهُ خَبرٌ أراد أن يُعْلِم به الشاعرُ قارئه، بعيدًا عن الإبداع والدهشة والرؤى الجديدة الفريدة، التي من المفترض أن تُضفي وتضيف معانِىَ لم يتلمَّسْها هذا المتلقي قَبْلًا، كان يتوقعها وينتظرها من مبدعٍ فارِهٍ كأدونيس.
ولنعد الآن لتقييم بقية نصوص أدونيس تقييمًا كَمّيًّا بأرقامٍ محددةٍ بعد استبعاد عنصرَي الموسيقى الظاهرية (الخارجية والداخلية)، واستبدالها بالموسيقى الباطنية، كما رأيتم في تقييم النصوص (1) و(2) و(3)، والتي تساوي نسبتها 10 % من نسبة الـ 100% لمجموع عناصر الشعر الأخرى التي اعتمدناها للشعراء الذين قَيَّمناهم- ولنا الشرف كله- قَبلا.
-ففي القصيدة (4)، يقولُ أدونيس:
” العاشِقُ الذي ينامُ في سَريرِ جِراحِهِ
يقولُ أنهُ لن يستَيْقِظَ
​إلَّا عَشِيقًا في سريرٍ آخَر “
​تقييم نص(4) العاشق
المفردات والألفاظ: 5%
الموسيقى الباطنية: 5%
الجمل وتراكيبها ومعانيها: 8%
الصور والأخيلة: الكلية: 5%
الجزئية. صفر%
البناء: 20%
الخبرات: 5%
الغاية: 5%
ـــــــــــــــ
الإجمالي: 53 درجة شعرية من 100

واسمحوا لي أن أُعَنْوِنَها أوَّلًا بــ (العاشق)، فالعاشِقُ المجروحُ يظلُّ مجروحًا حتى يصبح عاشِقًا لمعشوقةٍ أخرى، ( وداوِنِي بالتي كانت هِيَ الدَّاء). وأعني أنَّ هذا المعنى ليس جديدًا، ولم يُضِفْ شيئًا لمعنى أنَّ الداءَ قد يكونُ الدواءَ، ليس على مستوى العِشقِ الجنسِيِّ (في السرير)، بل على كل المستويات. وهذه حقيقة علمية كذلك (الأمصال واللقاحات) لكن الغريب في هذه القصيدة المستهلكة المعنى أنَّ العاشِقَ يقولُ: أنَّهُ لن يستيقِظ إلا عشيقًا في سرير آخر” وهذا هو الجديد… فالسياق العادي الطبيعي للنص: العاشق لن (يستيقظ إلّأ عشيقًا في سَريرٍ آخَر) ليكونَ هذا التعبير للشاعرِ نفسِه، لا للعاشِق. أما في قصيدةِ أدونيس، فالعاشِقُ هو الذي يُقَرِّرُ ذلك بهدوء، وهو الذي يقولُ، لا أدونيس، وهذا هو الجديد المضاف إلى المَعنَى المُستَهلَكِ القديم. وكأن الشاعر يقول أن هذا العاشق ليس هو الشاعر؛ وإنما هو شخص آخر غيره. وأتصور أن أدونيس قد منعه كبرياؤه من التعبير مباشرة عن نفسه، فتوارى خلف كلمة (العاشق يقول)، وباعتبارها أيضًا تقنية قد يباركها القارئ. وهو في كل الأحوال مَخرج ذكي ورقيق ولطيف. وكلمة عشيق قد تعني (معشوق) كذلك. وربما أراد أدونيس هذا المعنى، لا العشيق بمعنى العاشق. ورغم الفرق الشاسع بين كبرياء المعشوق والعاشق؛ إلا أن الرؤية تكاد تكون واحدة.

أمَّا في القصيدة (5) فيقولُ أدونيس:
” ليس سَهْلًا أنْ يتخَطَّى الإنسانُ مرحلةَ الطُّفُولة
يُمكِنُ أن يَشِيخ
ويظل طفلًا.
إن شِئتَ أن تَبلُغَ مرحلةَ الرجولةِ، فعليكَ أن تعيشَ وتُفَكِّرَ وتعمَلَ، مازِجًا كُلَّ شَيْءٍ بِكُلِّ شَيْءٍ ودُونَ تَمييز، هكذا مَثَلًا، يُصبِحُ اليمينُ يسارًا، والنُّورُ ظلمة. والوراء أمامًا، أوالعكس. هل تُريدُ حَقًّا أن تتخَطَّى الطُّفولة؟ أم أنَّكَ تحلُمُ أنْ تَكسِرَ إبرَةَ التَّوَجُّهِ في هذه السَّفينةِ العائمةِ على زَبَدِ الظَّن، والتي نُسَمِّيها الأرض؟ “.
-​تقييم نص(5) السفينة
المفردات والألفاظ: 7%
الموسيقى الباطنية: 5%
الجمل وتراكيبها ومعانيها: 7%
الصور والأخيلة: الكلية 3%
الجزئية 5%
البناء: 30%
الخبرات: 7%
الغاية: 8%
ـــــــــــــــــــــــــــ
الإجمالي: 72 درجة شعرية من 100

أرى عُنوانَها (السفينة)، وكما نُلاحِظُ مدخلَها الإنشائيَّ البديهِيَّ العاديّ، ورأَي الشاعر مُخاطِبَا مُتَلَقِّيه، وإخباره بهِ جهرةً، بأنْ يتقبَّلَ أنْ يُصبِحَ اليمينُ يَسارًا، والنُّورُ ظُلمةً، والوراءُ أَمامًا والعكس، إذا كان يريد أن يكونَ رَجُلًا، من وجهة نظرِه. وهذا يعني أنه يقولُ للمُتلقِّي إنْ أردتَ أن تكونَ رَجُلًا ذا شأن في هذا العالم المتناقض، أو على هذه الأرض العابثة؛ فعليكَ أن تتقبَّلَ، بل وتَتَكَيَّفَ مع تناقضاتها بلا حدود وبلا أدنى تفكير. لكن المبدع يتدخَّلُ بِتِقنية الاستفهام الاستنكاريِّ لِمُتَلَقِّيه، الذي يخيره؛ بين أن يتخَطَّى طُفولتَهُ(براءته وفطرته)، أو بأن يعيش إمَّعة؛ على متن هذه الأرض العائشة على الجهل والخرافة والظن. الشاعر هنا لم يَكتَفِ باستخدام تقنية الاستفهامِ الاستنكاريِّ كما فعلَ في القصيدة (1)و(3) بل إنَّه تجاوزَ ذلكَ وأمَدَّه بالإجابةِ، إجابة الشاعر التي فَرَضَها على المتلقي من أول وهلة(إن شئت…، فعليك)، وكأنها هيَ الحقيقة الوحيدة الدامِغَة، محاوِلًا السيطرةَ على عقله ووجدانه (عقل المتلقي ووجدانه) دونَ إعطائه فرصةً للتفكير، وهذا شكلٌ للتَّسَلُّط على المتلقي بعدَ التَّعالي عليه، هذا التعالي المُحَدَّد بِرَأيِ الشاعر ورؤيتِهِ التي يُمَرِّرُها داخِلَ السَّطرِ الأخير بـ “السفينة العائمةِ على زَبَدِ الظَّن (الجهل والخرافة) ، والتي نسميها الأرض”.
فحتَّى إنْ جاءت إجابةُ المتلقِّي ( بنعم أنا لا أريدُ تَخَطِّي الطُّفولة، وإنما أنا أحلُمُ أن أكسِرَ إبرةَ التَّوَجُّهِ في هذه الأرضِ الغُثاء)، فلا يحقُّ للمُبدِعِ أيًّا كانت رؤيَتُهُ أن يفرِضَها على مُتَلَقِّيه. لكن أنْ يسألَهُ لماذا لا مانِع، وأن يُخبِرَهُ بأنَّهُ مختلِفٌ معهُ لا مانِع، وألَّا يتحوَّلَ الإبداعُ لمقالٍ أو خِطابٍ عقلانِيٍّ موضوعِيٍّ داخِلَ قالَبٍ فَنِّيٍّ غيرِ مبرر. ولا أعلم سر تمسك الموقر أدونيس، بذلك الاستهلال الذي ينتهي( يمكن أن يشيخ ويظل طفلًا)؟!. ولا أجد له مبررًا في النص، بل أرى أنه قد أثَّر سلبًا عليه. فقد قال أدونيس رأيه جازمًا بصحته ووجاهته، وكأنها مدخل أو مقدمة للنص، الذي يصبح النص بدونها أكثر إنسانية وشاعرية وثراء.
-أمَّا في القصيدة (6) لا التي يقولُ فيها الشاعِرُ:
” نَعَم،
لا أَحَدَ يُريدُ الحُرِّيَّةَ إلَّا لِنَفْسِه،
لا لِكَيْ يَزدادَ تَحَرُّرًا،
-​بل لِكَيْ يَزدادَ قُدْرَةً على الاستِعباد .”
-​تقييم قصيدة (6) لا
المفردات والألفاظ: 8%
الموسيقى الباطنية: 5%
الجمل وتراكيبها ومعانيها: 6%
الصور والأخيلة: الكلية: 2% الجزئية : 5 %
البناء: 25%
الخبرات: 7%
الغاية. 7%
ـــــــــــــــــــ
الإجمالي 65 درجة شعرية من 100
فهذا ليس بِشِعرٍ ولا بِقِصَّةٍ ولا بِنَصٍّ، وإنَّما هي حِكمة وقناعة شخصية للشاعر. وأتصوَّرُ أنَّ أدونيس إن أعادَ نَشْرَ قصيدةِ ” مَدارات ” مَرَّةً أُخرَى، فسوف يحذِفُ هذه الحِكمةَ أو الرؤيَةَ التي قد تكونُ في حَدِّ ذاتِها صحيحةً شَكلًا طبقًا لخبراته هو، لكنها تظل على أية حال وجهة نظر لا أكثر. وأخشى أن يكون هو نفسه كذلك، بمبدأ “كل إناء ينضح بما فيه”، أي إنَّهُ هو الذي لا يريدُ الحُرِّيَّةَ إلا لنفسِهِ ليزدادَ قدرةً على الاستعباد.
فالشاعرُ المبدعُ لا يُلقِي بأحكامٍ مُطْلَقَةٍ عن كل الناس أمامَ كل الناس. فحتَّى إن كانَ ذلكَ رأيهُ فيمن يريدونَ الحُرِّيَّةَ، فلا يجب أن يُقَرِّرَ وَحدَهُ -باعتبارِهِ أدونيس الشاعر الشهير – أن (لا أحدَ) يريد الحُرِّيَّةَ إلا لنفسِه. فـ (لا أحد)، و (إلا لنفسِهِ)، تعني أنَّهُ قد قَرَّرَ أنَّ الجميعَ كذلك. بل على العكس، فما عبَّرَ عنهُ بذلكَ الحَسمِ وتكرار النَّفيِ بأكثر مِن أسلوبٍ، يُوحِي لنا بأنَّهُ هو الذي كذلك، ولذلك فهو يرى العالَمَ كُلَّهُ بلا استثناءٍ كذلك. واستهلال رأيه المذكور بتضاد (نعم) ثم (لا)، أراه تضادًا غير مُجدٍ، ووقوفي عليه وقوف شكلي لا غير. لأقول له أنني لاحظته، لكن لا قيمة جمالية له . فالبدء بنَعَم لم يُرد بها أدونيس، إلا أن يوحي للجميع؛ بأن هناك من يسأله، لا هو الذي بادر بتلك المقولة من تلقاء نفسه. مؤكدًا للسائل وللجميع بثقة وجلاء، أن الجميع يزايد بالحرية بلا استثناء. وهذا منطق لا منطقي، لا شعرًا ولا نثرا، حتى إن كان لا يستثني نفسه من تلك الرؤية، لا الرأي.

واسمحوا لي أنْ أكتفِيَ بتلك القصائدِ السِّتِّ التي قَيَّمناها بالأرقامِ، متحفظين على بَعْضها، ومباركين بَعضَها الآخَر. وجميعها إبداعاتٌ إنسانيَّةٌ، أخَذَتْ مَنْحَى القصيدةِ في بعضِها، ومَنْحَى القصةِ القصيرةِ بأنواعِها في بَعضٍ منها، وأخذَتْ مَنْحَى النَّصيحةِ أو الحِكمةِ أو القول المَأْثُورِ في بعضِها الأخير.
يَحدُثُ ذلك ــ كما يبدو لي ــ للمُبدِعينَ الكِبارِ المشهورينَ الذينَ يتصَوَّرونَ أنَّ مُتَلَقِّيهِم سيقبَلُ إبداعاتِهِم أَيًّا كانت، لأنهم قد أصبَحُوا فوقَ النَّقد. وهذا خَطأٌ كبير، بل إنني أرى أنَّهُ كلما وصل المبدعونَ إلى ذُروَةِ إبداعِهِم، وَجَبَ على النُّقَّادِ تقيِيمُهُم وتقويمُهُم باستمرارٍ، بل وبِدِقَّةٍ، حِفاظًا عليهم وعلى مُتَلَقِّيهِم الذي قد يستشعِرُ ما ذكَرناهُ على استحياءٍ، ويضْطَرُّ إلى الانصرافِ عنهم على استحياءٍ أيضًا.
وأزعُمُ أنني في تناوُلي لأدونيس قد تَحَيَّزْتُ للشِّعرِ وليس لقصيدةِ النَّثر، التي أحبُّها وأُجِلُّها جِدًّا (الآن)، بعدَ هذا العُمرِ مِن ــ لا أقولُ مِنَ الإبداعِ، وإنما أقولُ ــ مِن التَّلَقِّي الفَذِّ، كما أدَّعِي.
ويبدو أنَّ رَأْيِي في الشِّعرِ الخام ينسَحِبُ كذلك على كُلِّ الإبداعاتِ الأدبيَّةِ والفُنون. فكُلَّما كانَ الإبداعُ خامًا تِلقائِيًّا جاءت نتائجُهُ ــ عندَ مُبدِعيهِ ــ مُبْهِرَة. فالموسيقَى البحتةُ المَحضَة، ستكونُ حتمًا أجملَ وأكمَلَ مِن ألحان الأغاني التي تؤلف خصيصًا لها( السيمفونيات. وموسيقى الموسيقار الموقر عمر خيرت المحضة- على سبيل المثال- والفرق الشاسع بينها وبين الأغاني التي قام هو بتلحينها). والجميع يعلم أن الغِناءُ بدونِ موسيقَى يُظهِرُ إمكانيات المُطربَ المُبدِعَ مِن المؤدِّي، أو مِن المُدَّعِي. والكاريكاتير الصَّامِتُ (بدون تعليق) يُؤكِّدُ مُبدِعِيهِ مِن عادِيِّيه( الفرق بين كاريكاتير علي فرزات الصامت وأقرانه بدون أسماء. بل وبين كاريكاتيره الناطق كذلك). ويَحضُرُني هنا إبداعُ “شارلي شابلن” في أفلامِهِ الصامتة التي كانَ التَّمثيلُ المَحضُ فيها هو العامِلَ الرئيسَ، مِمَّا أكَّدَ إبداعَهُ وإبداعَ زُملائهِ التَّمثيلِيّ، وبَراءتَهم في توصيلِ الإبداعِ بِشَتَّى تفاصِيلِهِ دُونَ كَلِمَةٍ واحِدةٍ، حيثُ كانت صورةُ الممثل وملامحه وتعبيرات وجهه ونظرات عينيه وحركةُ جسده هي مُقَوِّمات التمثيلِ وليست المؤثرات الصوتية والبصرية المساعدة من موسيقى وديكورات وأزياء وإكسسوارات. ولا حتى صوت المُمَثِّلِ الذي قد يُؤثر تأثيرًا بالغًا على إبداعِهِ بالزيادةِ أو بالنُّقصان، والذي- طبعًا- لا يمكن تجاهله أو إغفاله الآن، باعتباره أحد العناصر الرئيسة لشخصية وهوية وسمات الممثل. وما أرفع فن التمثيل الصامت(البانتو مايم) الذي يؤكد استثنائية موهبة مؤديه الإيحائية وخصوبة خياله الجامح وثماره. وكذلك في الفنون التشكيلية بصنوفها ومدارسها العديدة الكلاسيكية والتجريدية والتجريبية بل والعبثية، التي أثبت مبدعوها ومؤسسوها قيمة وتأثير البراءة والعفوية والتلقائية والتوحد مع إبداعاتهم على وجداناتهم ووجدانات متلقييهم، فأبهروهم بأبسط الأشكال والألوان والخامات وأرخصها.

-إلى أدونيس الموقر، قطعًا:
قصائد عادية

الله
وأنا مُسيرٌ، رأيتُ اللهَ وأنا مُخيَّر.
أَشْوَل
قالوا عنه: لا تعلمُ يمينُه ما تنفقُ شِمالُه،
لكنْ شمالُه تعلمُ بدِقَّةٍ ما تنفقُ يمينُه
لم أستغربْ..،
فهو غالبًا يمينيٌ متطرفٌ أَشْوَلُ
تمَّ ضبطُه مُتَلَبِّسًا،
وهو يسألُ الناسَ إلحافًا،
من التَّعَفُّف.

عَفْوًا
لا بأسَ أن أركُضَ تِجاهَ نفيرٍ،
ليس له اتجاهٌ،
في الوقتِ الذي أرى فيه الناسَ،
يركضون في الاتجاهِ المُعاكِسِ
ولا بَأسَ أن أبحثَ عَمَّنْ يُصلِحُ لي البَوْصَلَةَ،
لكنْ.. أين هي البوصلة؟!
عفوًا.. بل وأين هي السفينة؟!

مفْهُوم
بعضُ الناسِ يحرثون البحرَ بقسوةٍ؛
إيمانًا بأنهم الكفارُ الجددُ،
الذين يعانقون الحياةَ،
بمفهومِ الميت.

فِنْجان
من الفراتِ إلى النيلِ، لا من النيلِ إلى الفرات
هكذا..، أَقرأُ أحزاني،
في فنجانِ دَمِي،
كُلَّما تَيَمَّمْتُ لِأُصَلِّي –وحدي – صلاةَ الخوف.

نَسْخ

لو أن الإنسانَ أَصْلُهُ قردٌ؛
لانْقَرَضَت القرود
لكنْ، لأن الإنسانَ هو الذي انْقَرَدَ؛
فالقردُ أصْلُه إنسان.
عزيزي( دارْوِين):
نظريتي نَسَخَتْ نظريتَك…
لا أُشاطِرُكُم وَ(سبِنْسَر) الأحزانَ؛
فالبقاءُ ليس للأقوى ولا للأصلحِ، كما تطَوَّرْتُم..
البقاءُ لله.

جَرأة
أنا جريءٌ جدًّا
والدليل؛ أنني للآن،
لمْ أقل يومًا للأعور في عينه، أنه أعور في عينه.

صفر
الفرق بين وطني وذاكرتي= صفرًا.

ثقة
سألتها: أثقتك بي عمياء؟
فلَمْ تُجِبني: وبكماء.

سدرة
لا أعلم كيف أضْحت غايتك وسيلة، حبيبتي!
لكني تيقنت، أنك الآن عند سدرة العطاء.

أحيانًا
أحيانًا أراكِ جميلة
وأحيانًا أراك ذكية
وأحيانًا أراك طيبة
أراك شقية
لكن أحيانٌا، لا أراك دائمًا.

فَتَاوَى
جميعُهُم –في الخاتِمةِ – يقولون: واللهُ أَعْلَمْ
وأنا أَفْقَهُ ما لا يَقُولُون
إِذَنْ هُمْ لا يَعْلَمُون
قَطْعًا لا يعلمون
وَالله أعلمْ.

أرزاق

الصيادون غرباءُ طيبون؛
فَهُم يثقبون شِباكَهُم من الجهتين؛
لتتمكنَ الأسماكُ من الدخولِ فيها،
والخروجِ منها بِحُرية
والعجيبُ! أنهم مازالوا غرباءَ، وطيبين
والأعجبُ!
أنهم مازالوا صيادين.

قصص قصيرة كذلك
الرجل
رأى الفقرُ رجلًا؛ فقتله، فرأى القتيلُ الفقرَ رجلًا؛ فلَمْ يقتلْه؛ فمات الفأر مرأتين، وعاث الفقر رجلا.

الديك
(إلي عبد الرحمن.. ابني وأبي)
-لِيتجردَ من شيخوخته بهدوء؛ تزوجَ؛ عَلَّه يأتي بأبيه أو بأمه علي نفس العنوان باختصار.
وبعد تسعة أشهر بالداخل لا غير، تمكن الابن من حمل أبيه للخارج، وأَذَّن في أذنيه.
وبهذا.. ضرب الديك حَجَرَه بعصفورين :-
1-أنه لم يَمُتْ شكلًا.. حيث أنه لن يموت موضوعًا.
2-أنه إن أصَرَّ ومات كالعادة؛ فيكون بالاسم أول من فعل(عُرفًا) لِمطِّ الأجيال.

المغناطيس
خرج من قبره يجري، واثقا أنه يسعى. ولأنه أكثرهم شحوبُا وأعسر؛ رفعوه.
الهتافات نار…، واللّافتات. الميت يحمِل ميتًا، والبعض يحمل الكل، والكل واحد.
القافلة تغصُّ بالنظام والصبار.. إنها غارة العمر. الميتون سواسية.. فالفرق بين الميت والميت ساعة فقط. الجميع يتوق إلي البوابة، والبوابة قريبة وشاقة ومقفولة.
الزعيم الأعسر يحتضن يمينه وبعض الشكوك، ومع ذلك ظل يحلم بالحُلم.
الناس معادن والميتون كذلك، والبوابة الحديد من الذهب القارس.
ولأن الزعيم أكثرهم حياءً، أمر باستنزاف الموتى الشرعيين وحثهم علي التقدم بشراهة، والتضحية بالكاد. لا شيء أصعب علي الميت من اغتيابه، والمظاهرة حتي الآن سرية. والحياة لا تستحق سوى الموت في الغالب، لحظة. والبوابة والميت الكبير مغناطيس.
فأي الميتين ..أَوْلى بالحلم؟
وأين تقع البوابة ومتى؟
وهل يتخلى الزعيم بيمينه عن يسراه؟!

المواكب
برِفْقٍ مَزعُومٍ.. لوَّح للقانطينَ على رصيفِ النّردِ؛ فلوّحَ البعضُ خُفيَةً، ووقفَ البعضُ على رؤوسِهم، واستمرّ الجميعُ في دورانِهم حولَ الأرضِ.
ولمّا كان ضيفُه الكبيرُ قصيرًا.. تعمّدَ أنْ يحجبَه بكفِّه عنْ كلِّ ردودِ الفعلِ المصطفاةِ، وعن قباءِ البحرِ الساخرِ؛ ليتسنّى له الوقوفُ بذاتيةٍ على أحدثِ صيحاتِ الشمسِ الغائبة.
وبذكاءٍ مزعومٍ أيضًا، التقطَ لمحةً من ضرباتِ المواطنِ الصّالحِ، وردَّها إليه كَسيرَةً.. فَهَدَّدَه بسيجارةٍ كانتْ قدْ توقفتْ عن الغمزِ واللمزِ.
وقبلَ أنْ يُغادرَ رفقَه ويعتلي سوطَه النابهَ.. ألحَّ على ضيفِه بقمعِ كلِّ الإجراءاتِ اللازمةِ للصفحِ عن النادلِ الذي ظلّ قاعدًا ولم يأبَهْ بالتصفيقِ المشابهِ. وعلى إثرِه.. تجرّأ المواطنُ الصالحُ، ودخلَ لِيبُولَ فجأةً برفق.
وهكذا.. خرجَ المواطنُ المزعومُ أبِيًّا كالضَّيف.
ض. ط

 

الحلقات السابقة

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة