المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه 5

مهندس ضياء طمان

مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.

5-لوركا رحمه الله

تنويه غير واجب:

-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد.

ولنتطرق الآن إلى إبداع الشاعر الإسباني لوركا؛ لنعيش بعضًا من خلجاته بحذافيرها، بلا نقيصة. فلوركا يؤكد أن الشعراءَ الكبارَ كبارُ المشاعر، وأن الإبداع الصافي الخالص هو الإبداع الذي يتطابق فيه ضمير المبدع الإنساني مع ضميره الأدبي تطابقًا تامًّا. وأرجو مقارنة شعره المترجم بأكثر من مترجم والذي كتبه منذ أكثر من ثمانية وسبعين عامًا، ببعض الأشعار الأخرى المطروحة الآن؛ لنرى الفرق بين القصائد التي تكتب بدماء القلب أو بماء الذهب، وحبر القلم.
وقد كان لوركا أحدَ أهمِّ أدباءِ القرنِ العشرين. وهو واحدٌ من أبرز كتَّاب المسرح الإسباني (جيل 27). ويعتبر ديوانُه ( شاعر في نيويورك)، الذي تم نشرُهُ بعد اغتيالِهِ بأربعةِ أعوام- على يد الثوار القوميين في بدايات الحرب الأهلية الإسبانية – أهمَّ أعمالِه على الإطلاق.

​الزهرة
رقدَ الشجرُ باكيًا مِنَ المَطَر
آه.. مِن ضَوءِ القَمَرِ راقدًا..
فوقَ أغصانِ الشَّجَر.

​الفرح الحزين
أكثرُ الأفراحِ حُزْنًا..
أنْ تكونَ شاعرًا
كلُّ الأحزانِ الأُخرَى..
لا قيمةَ لها، حتى الموت.

​بدون عينيّ
بدونِ عَيْنَيَّ لن تُشاهدي يا رُوحي رِقَّةَ القَمَر
بدونِ شَفَتَيَّ لن تعرِفِي يا رُوحي طَعْمَ الخَمْرِ..
وطَعْمَ القُبَل
بدونِ قلبي أنتِ مَيِّتَة
ما جَدوَى كلِّ أعماقِ مَراياكِ يا رُوحي..
عندما تموتُ الكلمات؟

-​في قصيدة (الزهرة): صورة كلية للشجر في الليل، وصورتان جزئيَّتان للشجر تحت المطر، وللشجر وفوقه القمر. بناءٌ شاهقٌ في ثلاثةِ أسطرٍ لا غير. لا يستطيع المتلقي تجاوزها قبل أن يعتريها ويقتفيها ويقتنيها ويتأملها متوجسًا وسعيدًا وخائفًا وحزينًا ومتسائلًا.. لماذا يبكي الشجر الراقد من المطر؟ هل لأنه لم يسقط من الأصل؟! فلمْ يرتوِ الشجر. أم لأنه سقط عليه بغزارة؟! فأتعبه وأجهده وأحزنه. أم أن المطر هو دموع الشجر ذاتها؟ ثم يفاجئُنا بضوء القمر راقدًا فوق أغصان الشجر، يسبقها بآه الوجعية التعجبية، الدهشوية، لنتساءل بحذر.. ماذا يحدث لو كان ضوء القمر راقدًا فوق أغصان الشجر؟ وماذا يعني ذلك للشاعر ولنا؟ هل يصبح الشجر سعيدًا بضوء القمر الراقد فوق أغصانه؟ بخلاف المطر الذي أبكاه؟ أم أن الشجرَ يصبح في حالة شجنٍ برقاد ضوء القمر على أغصانه؟ فضاءاتٌ لا حصر لها، يبنيها لوركا مع قارئه، وليس وحده. نعم.. القارئ في هذا النوع من القصائد شريكٌ متضامنٌ مع الشاعر، يكتب نَصَّه في نَصِّ لوركا. ويجترُّ أفراحَه وأحزانَه وأشجانَه مع أفراحِ وأحزانِ وأشجانِ لوركا. باختصار. “الزهرة” قصيدةٌ قصيرةٌ لا نهائية الأبعاد. تراها من زوايا عديدةٍ لانهائية كذلك. ترى نفسَك فيها كَمَرايا تحدبّت وتقعّرت واستوَت في آن، لدرجة أنك لن تتمكنَ فيها من تَلَقِّيكَ الطبيعيِّ للشعر. فهي ستُحِيلُكَ إلى متلقٍّ استثنائيٍّ، يكتب ويقرأ قصيدةَ لوركا بوجدانه هو. وهنا تكمن رحابةُ الإبداعِ الخالصِ المُصَفَّى، الذي يتطابقُ ضميرُ مُبدعِهِ الإنسانيُّ مع ضميرِه الأدبيِّ بنسبةِ مِئَة بالمِئَة، ليصبحَ المبدعُ الفذُّ متلقيًا فذًّا، ويستحيل المتلقِّي الفذُّ إلى مبدعٍ موالسٍ لمبدع النص.
أما في “الفرح الحزين”: فقد جاءت القصيدةُ في ثوْبِ رأيٍ، خاليةً من الصور الكلية أو الجزئية، معتمدةً فقط على المفارقةِ اللغوية، التي يستخدمها كلُّ الأدباءِ الآن وخاصةً الشعراء، لكن أرجو ألا ننسى أن لوركا كتبها منذ قرنٍ تقريبا. وهي بالنسبة له ولي قصيدةٌ عادية، قد تكون موجِعةً، لكنها ليست مدهشة، ولا استثنائية، كغالبية أشعاره. فالقصيدة تؤكد رهافةَ الشاعرِ ومعاناته الدائمة. وهذا المعنى واردٌ عند كل الشعراء. وأرى أن لوركا انشغل بالمتلقِّي العادي ولم يَنفِهِ أثناءَ كتابةِ القصيدة؛ لذا جاءت صياغتُه مباشرةً وساذجة إلى حدٍّ ما.
– وعلى استحياء شديد أرفق الآن قصيدتي(اضطرار)التي أراني فيها قد عبرت عن مضمون قصيدة(الفرح الحزين)، قبل أن أقرأها طبعًا.
“اِضطرار:
لَسْتَ مضطرًّا أن تكون رقيقا
لست مضطرًّا أن ترنو من الغدِ أكثرَ مِنّي
لست مضطرًّا أن تمارسَ الحقيقةَ،
بسيفٍ من هديلٍ..
أن تسافرَ مجدَّدًا إلى النهرِ،
لترى وجهَك في نَعْلَيْه
لست مضطرًّا أن تَتَيمَّمَ ببكاء الفقراءِ؛
وتضحكَ على قلبك من وراءِ قلبِك
لست مضطرًّا أن تكون ناسِكًا..،
لكنَّك مضطرٌّ لِئَلّا تكونَ شاعرا.” ض. ط

وبالعودة للوركا في قصيدة: “بدون عينيّ”: نجد فكرة التناصِّ الرُّوحي بين الحبيب ومحبوبه في أعلى وأغلى وأجَلِّ صُوَرِها. فالحبيب يؤكد لمحبوبته بثقةٍ، أنه عينُها وأنه شفاهُها، وأنه حواسُّها كلها. وما أرَقَّهُ وهو يقول لحبيبته بمنتهى الوَلَهِ والاعتداد والقسوة “بدونِ قلبي أنتِ ميتة”.. هنا قمةُ القصيدةِ وذُروتُها، والنُّقْلَةُ العبقريةُ للتقدمة، التي افتتح بها قصيدته الذكية. تُرى ما هو رد فعل الحبيب الذي يقول له محبوبه أنت بدون قلبي ميت؟ .. هل سيغضب ويحزن أَم سيفرح وينتشي؟.. هذا السطر الشعري يؤكد أن الشعر مزيج من الحلم والواقعية، من العنفوان الظاهري والرقة الكامنة. والمعنى الذي أراده لوركا جاء حاسمًا وصارمًا، ليؤكد قوة الحب وكبرياءه وعزته، وهي حقيقة يبحث عنها كل العشاق والمحبين في شتى أنواع الحب. وبعد أن يتجاوز الحبيب والمحبوب “بدون قلبي أنتِ ميتة”، يستكمل الشاعرُ المُحِبُّ العاشقُ-بشرفٍ ووضوح – الإفصاحَ لمحبوبِهِ عن مفهومِ حُبِّه له. وأنه هو الذي يُحْيِيهِ بذلك الحُب. ثم يأتي التساؤلُ الذي يؤكد نفس المعنى المراد في زِيٍّ آخر، أكثر رِقَّةً وأكثر شاعريةً، وتأصيلًا وترسيخًا لمفهوم الحُبِّ الحقيقي، الذي لا جدوى له بلا كلمات، بلا إفصاحٍ عن هذا الحُب. وكلمات هنا تعني الكلمات بمفهومها اللُّغوي الحقيقي أيضًا، لكنها تعني كذلك فِعلَها.. أي(فعل الكلمات). وقد استطاع لوركا في هذه القصيدةِ الجميلةِ أن يُقنعَ الجميعَ بقناعاتِهِ الشائقةِ، لكن بعُمقٍ لم يعتدْ عليهِ المحبُّون والمتلقُّون والمبدعون ذواتُهم. وبذلك يصبح المبدعُ الشاعرُ حكيمًا وفيلسوفًا ومفكرًا. وهذا ليس عيبًا كما يرى البعض، فأنا أراها ميزة كبيرة تستأهل الثناء، شريطة أن تكون هذه الحكمةُ وهذه الفلسفةُ وهذا الفكرُ معجونين ومختلطين وممتزجين بالشعرِ والشاعريَّة، التي لا يمكن فصلُهُما عنها بأيِّ شكلٍ من الأشكال، كما رأينا في هذه القصيدة البديعة.

ضياء طمان

-​وفي قصيدة “الوردة”: يؤرقنا لوركا ويقول:
الوردةُ لم تبحثْ عن الفَجرِ..
وهو يكادُ يُخَلَّدُ على غُصْنِها
بحَثَتْ عن شيءٍ آخر
الوردةُ لم تبحثْ عن معرفةٍ أو ظِلٍّ
وهُما حدٌّ من جسدٍ وحُلم
بحثَتْ عن شيءٍ آخر.
الوردةُ..
لم تبحث عن الوردة..
وهي ثابتةٌ في السماء
بحثَتْ عن شيءٍ آخر.
-​نِعمَ الوردةُ، التي تمثلُ كُلَّ جميلٍ شكلًا وجوهرًا وروحًا وجسدًا وقلبًا وقالبًا وعِلمًا وحُلمًا، تبحث عن شيءٍ آخر، لأنها مهمومةٌ بالآخر. فهي لم تبحث عن الفجر وهو دائم البزوغ على غصنها. ولم تبحث عن المعرفة وما وراءها، رغم أهميتها. ولم تبحث عن نفسها وهي ثابتة في السماء وليس في الأرض. الوردة تبحث دائمًا عن شيء آخر، غير الآخرين الذين يكتفون بما هو موجود وقائم، قانعين به دون البحث عن أشياء جديدة مختلفة وغير عادية. الجميل يبحث ويَكُدُّ ويجتهد للوصول إلى الأجمل والأكمل. قصيدةٌ غايةٌ في البساطةِ والهدوءِ والطُمأنينة؛ تبعث في متلقِّيها رغبةً أن يكون هو هذه الوردة، وأن يبحث بنفسه عن أشياء تُبقيه جميلًا. والمذهلُ أنَّ وردةَ لوركا هنا لا تبحثُ، حتى عن نفسِها في مقطعِ القصيدةِ الأخير، بل بحثَت عن شيء آخر، أكثر أهميةً مِن نفسِها. وهذه غايةُ القصيدة، التي تحُثُّنا وتدفعنا دفعًا لٍتَلَقِّيها، ونحن في غاية الرُّقِيِّ بمعانيها النبيلة، بلا ترددٍ وبلا مزايدةٍ شعرية، نراها في جُلِّ قصائدِ الإصلاحيين.

لوركا يهمس في رُوحِ متلقيه، بعد أن همَسَ في رُوحه هو. الشاعر الموهوب العبقري لا يُلقِي ما في جَعبته من مَرَايا، إلا بعد أن يرى نفسَه. ولوركا هو هذا الشاعر.
-​وفي قصيدة “نبوءة موتي” يقول لوركا:
عَرَفتُ أنني قتيل
فتَّشوا المقاهي والمقابرَ والكنائس
فتحوا البراميلَ والخزائن
سرقوا ثلاثةَ هياكلَ عظميةٍ..
لينتزعوا أسنانَها الذهبيةَ..
ولمْ يعثروا عَلَيّ!
لمْ يعثروا عليّ؟
نعم لم يعثروا عليّ!
-​الشاعر الرقيق المناضل تنبَّأَ باغتياله، رغم أنهم لم يعثروا عليه. لكن طالما يبحثون عنه فهو عرف أنه قتيل لا محالة. هم يبحثون عنه في كل الأماكن، وأثناء البحث يسرقون ثلاثة هياكل عظمية- ليس هو واحدًا منها- هم يبحثون في الوقت نفسه عن الذهب. فالفاسدون كذلك لا يفعلون شيئًا إلا لنفعٍ شخصي مادي محض. ولم يعثروا عليه (ثلاثًا)..مع كل هيكل عظمي لم يعثروا عليه، متعجبين ومتسائلين، أين هو؟! وكيف لم يعثروا عليه في تلك الهياكلِ العظميةِ داخلَ المقابر؟!، وليس في البراميل أو الخزائنِ أو المقاهي أو الكنائس. ولنا هنا وقفةٌ في البناء. فسَرِقةُ الهياكلِ العظميةِ كان لابُدَّ أن يسبقها (فتشوا المقاهي والكنائس والمقابر). بمعنى أن البناء الطبيعي، لا يمكن أن تأتي فيه سرقة الهياكل العظمية بعد”فتحوا البراميل والخزائن”. وبالتالي كان المفروض أن تكون صياغة القصيدة بالترتيب الآتي:
-​عرَفت أنني قتيل
فتحوا البراميل والخزائن

فتشوا المقاهي والكنائس والمقابر
سرقوا ثلاثة هياكل عظمية..
لينتزعوا أسنانها الذهبية
…………………………

-أو.. عَرَفت أنني قتيل
فتشوا المقاهي والكنائس والمقابر
سرقوا ثلاثة هياكل عظمية..
لينتزعوا أسنانها الذهبية
فتشوا البراميل والخزائن
………………………….
-وقد يرى البعض عدم أهمية ذلك الترتيب، في هذه القصيدة وأشباهها، لعدم تأثيره المباشر على وجدان المتلقي، الذي قد يتفقُ مع الشاعرِ وحالة الخوف التي يعيشها بعد معرفته بأنه قتيلٌ لا مَحالة. ذلك الخوف الذي قد يجعلُ الشاعرَ الخائفَ في حالةِ ارتباكٍ معنويٍّ يُعفيهِ ويَحميهِ من الترتيبِ المنطقيِّ (للأحداث). نَعم.. الأحداث.. وهذا خطأٌ وعيبٌ واضحٌ في هذه القصيدةِ الديناميكية وفي مثيلاتِها، التي تلعبُ الأحداثُ دورًا في ثناياها الشعرية. وكأنها مزيجٌ من الأقصوصةِ والقصيدة(الأقصوصيدة)، لكن بمعاييرِ الشِّعرِ لا القَص، التي يكون لترتيب الأحداث بها حيويَّةٌ واجبةُ الاحترام.
وإن كان بعضُ الخَللِ في بناء تلك القصيدة، قد أنقصَ من قيمتها الإبداعية؛ فخاتمتُها خرافية، لا بتكرار(لم يعثروا عليّ) ثلاث مرّات، والتي قد يراها البعض عيبًا كبيرًا فيها، وإنما للتكرار مع علامات الترقيم المختلفة لكلٍّ منها. تلك العلامات التي أعطت لكل سطر منها معنىً مختلفًا عن المعنى الذي يسبقه. فعلامة “لم يعثروا عليّ” الأولى تعجبية. وكأن لوركا يستغرب عدم عثورهم عليه، حتى ساعة كتابته هذه القصيدة. أما علامة الترقيم الثانية فجاءت استفهامية، يتساءل بها الشاعر عن أسباب عدم عثورهم عليه. ويعود في علامة الترقيم الثالثة للتعجب مرة أخرى، لكن بتقنية تختلف عن الأولى. فالتكرار تغَيَّر تمامًا بكلمة (نَعَم)، التي تعني تأكيدَه على أنَّهم لم يعثروا عليه، وهو في غاية التعجب لذلك، وأيضًا وهو في غاية السعادة لعدم عثورهم عليه. وأتصوره بكلمة (نعم) تلك مبتسمًا واضعًا يده على صدره متحسسًا جسده، ليتأكد إن كان يحلم بأنهم لم يعثروا عليه، أم أن هذا واقع ٌيعيشه. وهذا يؤكد أهمية علامات الترقيم في الكتابة بصفةٍ عامة، وفي الإبداع بصفةٍ خاصة. وهذا يؤكد أيضًا أن الجملة يتغير معناها تمامًا بحرف أو بحرفين أو بكلمة ككلمة (نعم)، كما رأينا.

-أما قصيدة “البكاء” ففيها يصرخ لوركا هامسًا:
أغلقتُ شُرفتي،
لأني لا أريد أن أسمعَ البكاء
إلا أنَّ..
وراءَ الجُدرانِ الرماديةِ،
لا يُسمعُ شيءٌ غيرُ البكاء.
*
هناك ملائكة قليلة تغني،
هناك كلابٌ قليلةٌ تنبح
وأَلْفُ كمانٍ في راحةِ يدي.
*
لكن البكاء كلبٌ ضخم
البكاءُ ملاكٌ ضخم
البكاءُ كمانٌ ضخم
والدموع تكُمُّ فمَ الريح
ولا يُسمعُ شيءٌ غير البكاء.

-​هذه قصيدة من العيار الثقيل، الذي يُرضِي كبارَ متذوقي الشعر. ولعلَّها تكون خير ختام لقصائد لوركا، الشاعر الذي أنصفَ الشِّعرَ بلا ضجيج، والذي أنصَفَهُ الشِّعرُ فخلَّده. ولعلها تكون خيرَ ختامٍ أيضًا لما تناولناه من أشعار شعرائنا المصريين والعربِ قبله، عسى أن أكون قد أنصفتُ إبداعاتِهم جميعًا بما فيهم لوركا، بعيدًا عن كُلِّ أشكالِ الإفراطِ والتفريط.

فالشاعر الرقيق الأسيف لوركا يحاول في المقطع الاستهلاليِّ لقصيدةِ “البكاء” الوافرة، أن يقاومَ سماعَ أنينِ وبكاءِ المعتقلينَ المظلومين، بِغلقِ شرفته. لكنه واثقٌ أنَّ الجدرانَ الرماديةَ (جدران الزنازين)، لا ولن يُسمعَ خلفها إلا البكاء من التعذيب، الذي يتعرض له هؤلاء المعتقلين. منتقلًا إلى المقطع الثاني، الذي يصف لنا فيه صوتًا وصورة، عما يسمعه ويتخيله بخبراته الإنسانية الكبيرة- خلف هذه الجدران- من غناءِ بعضِ الصالحين الطيبين الملائكةِ المعتقلين. ومن نُباحِ بعضِ الكلاب القليلة الموجودة في هذا المعتقل، التي يستخدمها السجانون في تعذيب المعتقلين. و معه ألف كمان(كمنجة) يحاول بأنغامها الشجية أن يمنع بكاء وأنين وصراخ هؤلاء المعتقلين من الوصول إليه، وهيهات. ثم ينتقل الشاعرُ إلى مقطع القصيدةِ الثالثِ والأخير، مبرِّرًا فيه استحالةَ منعِ سماعِ هذا البكاءِ الهائلِ المخيف. فهو يراه مرةً كلبًا ضخما. ويراه مرةً أخرى ملاكًا ضخمًا. ويراه ثالثَ مَرَّةٍ كمانًا ضخمًا ، بلا جدوى. لدرجة أنَّ صوتَ هذا البكاءِ المَهُولِ، كَمَّمَتْ دموعُه فمَ تلك الريح. فأصبح ريحًا أخرسَ، لا صرير له. ولا يتبقى ولا يُسمع من كل تلك الأصوات إلا صوت البكاء. القصيدة كما رأيناها وسمعناها مع لوركا، واحدة من روائعه الشعرية الهامسة، رغم آلامِها وقسوتِها. فبكاءُ المظلومين -مهما تعددت أصواتُ وصورُ مَن يحاولون إخفاءَهُ وطَمْسَهُ -سيظل هو الأعلى لأنه نتاجُ القهرِ والطُّغيان. معانيَ نراها ونسمعها من أول كلمةٍ إلى آخر كلمةٍ في القصيدة، مشاهد مؤلمة وأصوات مرعبة نكاد نكون بها في شُرفة لوركا، التي أغلقها لكي لا يَسمع ذلك البكاء ولم يتمكن من ذلك. ولن أبالغَ إذا قلتُ إننا تجاوزنا بها شرفةَ لوركا إلى داخل ذلك المعتقل، نتفقده، باحثين عن الملائكة والكلاب و آلاف الكمنجات الحزينة التي لم تتمكن من ستر هذا البكاء.
هذه القصيدة تؤكد رهافة وحساسية لوركا الذي لا يعبر عن همومه العامة والخاصة، إلا بِرِقًّةٍ، نادرًا ما نستشعرها عند الشعراء الثوريين، الذين يتصورون أنَّ الشعرَ السياسيَّ أو شعرَ المقاومةِ فرصةٌ للزعيق والصُّراخِ لِحَدِّ المزايدة، إبرازًا للوطنية الشكلانية والإنسانية الركيكة، التي قد تصل في معظم الأحايين إلى فجاجةٍ لا يتحملها غالبيةُ متذوقي الأدب. ويكفي لوركا فخرًا أننا تعاطفنا مع قصيدته البكاء لحد البكاء.

وأراني أعود بكم لقصيدة “نبوءة موتي”، لإيضاح الفرق بين تحفظي على بنائها، وإعادة ترتيب أحداثها المنطقية، وبين بناء هذه القصيدة، التي قد يتساءل البعض عن عدم تحفظي فيها على البناء أيضًا وترتيب جملها، رغم إن لوركا ذكر في مقطع القصيدة الثاني، غناء الملائكة ثم نباح الكلاب ثم صوت الكمانات الألف بالترتيب. ثم قام بتغيير ذلك التسلسل في المقطع الثالث حيث وصف البكاء بالكلب الضخم ثم وصفه بالملاك الضخم ثم الكمان الضخم بالترتيب. وهو مغاير تمامًا للترتيب السابق. وكأنه ترتيب عشوائي لمْ يتماثل في المقطعين. وفي رأيي هو عشوائي فعلًا. ذلك لأن تسلسل الصور التي ذكرناها لا يغير شيئًا من حجم البشاعة التي عبر عنها الشاعر بتلك الصور في القصيدة. أما في “نبوءة موتي” فكان تسلسل الأحداث المنطقي ملزِمًا بمفهوم الأقصوصيدة التي نوهنا عنها فيها، التي يحكيها الشعراء سردًا بروح وتقنيات الشعر.
والآنَ حانَ وقتُ التقييمِ الرقميِّ وهندسةِ الوجدان لقصائد لوركا. وهي بالترتيب كالتالي:
تقييم قصيدة “الزهرة”
1-​المفردات والألفاظ: 9%
2-​الموسيقى الباطنية: 9%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 10%
4-​الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 5%
5-​البناء: 40%
6-​الخبرات: 10%
7-​الغاية: 10%
ــــــــــــــــــــ
الإجمالي: 98%

تقييم قصيدة “الفرح الحزين”
1-​المفردات والألفاظ: 5%
2-​الموسيقى الباطنية: 9%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 5%
4-​الصور والأخيلة: الكلية صفر%
الجزئية صفر%
5-​البناء: 20%
6-​الخبرات: 5%
7-​الغاية: 8%
ـــــــــــــــــ
الإجمالي: 52%

تقييم قصيدة”بدون عينَي”
1-​المفردات والألفاظ: 8%
2-​الموسيقى الباطنية: 9%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 9%
4-​الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 5%
5-​البناء: 40%
6-​الخبرات: 10%
7-​الغاية: 10%
ــــــــــــــــــــ
الإجمالي: 96%

تقييم قصيدة “الوردة”
1-​المفردات والألفاظ: 10%
2-​الموسيقى الباطنية: 10%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 10%
4-​الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 5%
5-​البناء: 40%
6-​الخبرات: 10%
7-​الغاية: 10%
ـــــــــــــــــ
الإجمالي: 100%

تقييم قصيدة “نبوءة موتي”
1-​المفردات والألفاظ: 10%
2-​الموسيقى الباطنية: 10%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 10%
4-​الصور والأخيلة: الكلية 5%
الجزئية 1%
5-​البناء: 30%
6-​الخبرات: 9%
7-​الغاية: 10%
ــــــــــــــــــ
الإجمالي: 85%

تقييم قصيدة “البكاء”
1-​المفردات والألفاظ: 10%
2-​الموسيقى الباطنية: 10%
3-​الجمل وتراكيبها ومعانيها: 10%
4-​الصور والأخيلة: الكلية 5%

الجزئية 5%
5-​البناء: 40%
6-​الخبرات: 10%
7-​الغاية: 10%
ــــــــــــــــ
100%

 

الجزء الأول 

الجزء الثاني 

الجزء الثالث 

الجزء الرابع