المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه 7

  مهندس ضياء طمان

 

مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.

7- محمد المخزنجي-رحمه الله

تنويه غير واجب:

-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد. 

وقبل أن ندخلَ الآنَ إلى عالَم الأديب الحاذِق محمد المخزنجي وقصصه المكثفة (نسبيًّا)، لنقيسها بمعيار مَبحَثِنا، أجِدُ ـ مؤقتًا ـ أنَّ لِعُنوان العملِ السَّرديِّ أهمِّيَّةً كُبرَى كعنصرٍ من عناصِرِ الإبداع. وسأتناولُ وأُؤكِّدُ ذلكَ بِشَيءٍ من التفصيل في القصص الآتيةِ تِباعًا. حيثُ أرَى أنَّ العظيمَ الراحِلَ يوسف إدريس كانَ مِن أكثرِ المبدعِينَ ذكاءً وحِرصًا على اختبارِ عناوينِهِ بِحِرفِيَّةٍ وجُهد، إذ لا نستطيع فَصْلَ العملِ الإبداعِيِّ عن عُنوانِه. ولنا أنْ نَرَى ذلكَ جَلِيًّا في ” نَظْرَة ” التي وإنْ طالَتْ ـ كما ذكَرتُ ـ إلا أنَّها عَبَّرَتْ عنِ القاصِّ ذاتِهِ ونَظْرَتِهِ الإنسانيَّةِ وشُمُولِيَّتِها ، ونَظْرَةِ الطفلةِ لِعالَمِها ومقارنته بعالَم الأطفال، الذي من المفترض أن يكون عالمها هي كذلك.

محمد المخزنحي رحمه الله

قصَّتان قصيرتان (جِدًّا) للأديب الأريب محمد المخزنجي

1ــ حضن

عِنْدَمَا يُطْبِقُ حُزْنُ أَيَّامِنا هَذِهِ عَلَى عُنُقِي بِيَدَيْهِ السَّوْداوَينِ، أَنْفَلِتُ مِنْهُ وأَفِرُّ إلَى فَرَحِي الأخِيرِ: ابنَتِي.

أَحْمِلُها بَيْنَ ذِرَاعَيَّ، وأَقْذِفُها عالِيًا في الهَواءِ، تُزَقْزِقُ زَقْزَقَةَ العَصافِيرِ، وأَلْقَفُها تَهْدِلُ فِي حِضْنِي هَدِيلَ الحَمَام. وأَضُمُّها فَيَتَلاشَى العالَمُ مِن حَولِنا. لَكِنَّها تَصْرُخُ فَجْأَةً. تَصْرُخُ صَرْخَةَ أَلَمٍ حادَّةً وتَبْكِي، فأَرْتَعِبُ مُنْدَهِشًا: ماذا يا حُبِّي.. ماذا؟ وتُجيبُ أُمُّها مُقْتَرِبةً تَضْحَكُ: قَرَصْتَها. أَنا؟ كَيف؟! فَتَشْرَحُ لِي كَيْفَ أَنِّي ـ لا بُدَّ ـ في لَهْوَجَةِ اللعِبِ ولَهْفَةِ الأحْضَانِ، ثَنَيتُ جِلْدَ الصَّغيرَةِ الرَّقيق فَوْقَ أَضْلُعِها، وضَغَطْتُ وأَنا أَضُمُّ فكانتِ القَرْصَة !

تَبْتَعِدُ يَمَامَةُ رُوحِي عَنِّي، وتَذْهَبُ بِخَطْوِها الصَّغِيرِ الجَمِيلِ لِتُخَبِّئَ وَجْهَهَا فِي الحائِط (زَعْلانَة). إنَّني لَم أَقْصِدْ يا حُبِّي، واللهِ لَمْ أَقْصِدْ. ولَو فَهَذا لَمْ يَمْنَعْ عَنْها أَلَمًا، وليسَ يُعْفِينِي مِنَ الذَّهابِ إليها والرُّكُوع. أَرْكَعُ، وأُصالِحُها.

2 ــ الجُزْءُ والكُلّ

جِنِرال فِي مَلابِس رَسْمِيَّة .. ومَجْنُون ؟! تَساءَلْتُ في نَفْسِي عَجَبًا عِنْدَما التَقَيْتُ بِهِ صُدْفَةً في شارِعِ الضَّاحِيَةِ الهادِئَةِ الكَبير. كانَ مٌقْبلًا وأَنا أَمْضِي، ولَمْ يَكُنْ مُنْتَبِهًا إلَيَّ إذْ تَحاذَيْنا عَلَى الرَّصِيفِ، ورَأَيْتُهُ يُقَلِّبُ بِشَكْلٍ بَهْلَوانِيٍّ ويَفْتَحُ ذِراعيْهِ لِيَحْتَضِنَ الهَواء، ثُمَّ إنَّهُ راحَ يَمْشِي مُقَرْفِصًا مُقَلِّدًا مِشْيَةَ البَطَّةِ حَتَّى صارَ وَرَاءَ ظَهْرِي. وأَمْسَكْتُ عن الالتِفاتِ فَوْرًا، حَذَرَ إهاجَتِه.

بَعْدَ خُطَواتٍ كَثِيرَةٍ، عَمَدْتُ إلى الالتِفافِ عِنْدَما أَحْسَسْتُ أَنَّني فِي مَأْمَن، ورَأَيْتُهُ فِي الوَرَاءِ .. كانَ مُقَرْفِصًا أَكثَرَ وفاتِحًا ذِرَاعَيْهِ عَلَى اتِّساعِهِمَا لِيَضُمَّ طِفْلًا صَغِيرًا يَجْرِي في تَهَلُّل، يَتَدَحْرَجُ في خَطْوِ الصِّغارِ الجَمِيلِ الصَّعب. لا بُدَّ أَنَهُ كانَ حَفِيدَهُ. وشَعَرْتُ أَنا بالتأَثُّرِ والخَجَل.

فَفِي قِصَّةِ “حضن ” تَدُورُ القِصَّةُ حَولَ القاصِّ وابنتِهِ الصَّغيرة التي (زَعَلَتْ) مِنهُ لأنَّهُ قَرَصَها أثناءَ لَعِبِهِ مَعَها ـ دونَ قَصْدٍ ـ لكنَّها لا تُفَرِّقُ في سِنِّها بينَ القَصْدِ ودُونَ القَصْد. المُهِمُّ أنَّها لَمْحَةٌ إنسانيَّةٌ جَميلةٌ، بِمدخَلِها الحَزينِ الذي يَدفَعُ القاصَّ إلى الفِرارِ مِنَ الحُزنِ إلى فَرَحِهِ الأخير، ابنتِه. لَكِنْ .. وما أَصْعَبَها عَلَيَّ (لَكِنْ هذه) لَكِنْ هكذا النَّقْدُ والتَّقْيِيم.

فالقِصَّةُ رغمَ قِصَرِها شَكْلًا، إلا أنها طويلةٌ مَوضُوعًا، ولُغَتُها ـ للأسف ـ فيها إشفاقٌ كبيرعلى المُتَلَقِّي، كما سَبَقَ وذَكَرْنا في قِصَّةِ ” نَظْرَة “.

ويبدو لي أنه قد الأوان، لإيضاح مفهومٍي للمتلقي الفَذِّ الذي أهديتُهُ هذه الأطروحةَ وهذا الكتاب. ومعنى عدم الإشفاق على المتلقي، الذي أراه فذًّا وفقط. وقبل أن أتطرق لذلك، دعوني أولًا أسأل كَلَّ المبدعين في كل صنوف الإبداع، في كل مكان في العالم.. لمن تبدعون؟.. سؤالي يبدو عاديًّا، ويبدو أنه سؤال يسمعه ويعرفه كل المبدعين وكل المتلقيين. لكن.. وحتى تاريخه، لم أسمع إجابة حقيقية له. فكل المبدعين والمتلقيين الذين أعرفهم قد جاءت إجاباتهم مُرضية للجميع، أي أنها وسطية.. محايدة.. وربما مُزايٍدة.. فكل المبدعين يؤكدون أن إبداعاتهم رسالة مجتمعية إنسانية. وتحدث كُلُّ المتلقِّينَ عن تلك الرسالة القِيمية التي ينتظرها من المبدعين. وقد تكون تلك الإجابة هي الإجابة النموذجية لسؤالي. لكنها الإجابة النموذجية للمبدع العادي، وللمتلقي العادي. وهنا يكمنُ القصورُ في إدراك ماهيةِ الإبداع، وماهية المبدع، وماهية المتلقي. فالإبداعُ أمرٌ ذاتِيٌّ، به وفيه يستمتع المبدع قبل المتلقي، بل ودونه.

بمعنى أن المبدع الحقيقي الفذ يبدع لنفسه أولًا وأخيرًا، معتبرًا نفسه المبدع والمتلقي في آن. ولولا استمتاعه هذا ما أبدع حرفًا. ومادام المبدعُ صار المتلقي أيضًا، فالبديهيُّ بوضوحٍ هو وجوبُ استبعادِ المتلقي الآخر، وحتمية نَفْيِهِ أثناءَ إنجازِ الإبداعِ بمراحلِهِ العديدة، إلى أن يُقرَّ المبدعُ برضائه التام عن هذا الإبداع. وألا يعيد المبدعُ متلقيه المنفِيَّ من منفاه إلا عندما يرى أنَّ إبداعَه قد اكتملَ وتَجذَّر بوجدانِهِ تمامًا. وحينَها يصبحُ المبدعُ في حاجةٍ ماسّةٍ لأن يشاركَهُ ذلك المتلقي المنفيُّ مَسعاهُ، قراءةً أو إنصاتا. وإن تساءل هذا المتلقِّي العائدُ من منفاه عن سبب نفيه، فسنقول له، لأن المبدع لا ولم ولن يكتب لك حرفًا. وإنما المبدع لا ولم ولن يبدع إلا منك. وشتان بين لك ومنك. فإن كان إبداع المبدع لك فحتمًا سيكون الإبداع قاصرًا على متلقٍ واحد وحيد هو أنت، الذي لم تشارك المبدعَ إبداعَه. وإن كان الإبداعُ من المتلقي، فحتمًا يكون الإبداع مكتملًا، ومؤثرًا في كل المتلقِّين، الذين يبحثون عن الإبداع الفذ -وأنت على رأسهم – مشاركين المبدع في مخطوطاته ومسوَّداته وخلجاته في كل مراحل إبداعه بالحذافير. وعلى ضوء تلك الرؤية، لا ولن يُشفقَ المبدعُ الفذُّ على متلقيه الفذِّ، الذي أبدع منه إبداعَه الفذَّ. فالإشفاق لا يحدث إلا إذا لم يشارك المتلقي مبدعَهُ إبداعَهُ. وذلك لا ولن يتأتى إلا بالإبداع من المتلقي لا إليه، كما ذكرنا. والإشفاق الذي أعنيه، هو مراءاة المبدعِ لمتلقيه، بإسهابه وإطنابه واهتمامه بالتفاصيل التافهة وخلافه -بلا حذر – في صياغةٍ جوفاءَ ساكنةٍ لا تحرك الأحلامَ ولا تنميها ولا ترتقي بها، بل تضفي على القصيدة أو القصة أو الرواية سذاجةً ومَللًا وتسطُّحًا، من شأنه أن يدفع المتلقي إلى رحيله المبكر والتوقف عَمّا يتلقّاه، أو خروجه بين الحين والآخر، لواقِعِهِ الذي قد يراه أجملَ مما يتخيله. فالمتلقي الفذُّ العائدُ من منفاه لن يتقبلَ إشفاقَ أيِّ مبدعٍ عليه، مهما كانت شُهرتُه ومهما كان حَجمُ اسمِه.

ولْنَعُدِ الآنَ للسارِدِ المُحنَّك محمد المخزنجي وقصصِهِ القصيرةِ الطويلةِ للأسف.

ففي قصة “حضن”، يدور حدثها حول القاص وابنته الصغيرة، التي(زعلت) منه لأنه قرصها أثناء لعبه معها- دون قصد- لكنها لا تفرق في سنها بين القصد ودون القصد. المهم أنها لمحةٌ إنسانيةٌ جميلةٌ، بمدخلها الحزين الذي يدفع القاصَّ إلى الفرار من الحزن إلى فرحه الأخير، ابنته. لكن.. وما أصعبها عَلَيَّ (لكن هذه).. لكن هكذا هو النقد والتقييم والتقويم. فالقصة رغم قصرها شكلًا؛ إلا إنها طويلة موضوعًا. ولغتها- للأسف- عادية لم يستثمر فيها الإنسان والشاعر محمد المخزنجي خبراته الحياتية وشاعريته بروح وتقنيات القصة، فجاء الحدث ساذجًا قاصرًا في عمر طفلته، وجاءت المعالجة أكثر سذاجة، لما فيها من مبالغة. وكأنه يكتب هذه القصة للأطفال الأكبر من ابنته الذين يقرؤون. خاصة وأن (إشفاقه) على المتلقِّينَ جاء تعليميًّا، إلى حد كبير في أكثر من موضع. فهو يقذف طفلته عاليًا في الهواء فتزقزق زقزقة العصافير. ثم يلقفها فتهدل في حضنه هديل الحمام، معلمًا قارئه، أن الزقزقة للعصافير والهديل للحمام. والحق هي فعلًا قصة للأطفال، ليس لأن شخصيتها وبطلتها الرئيسة طفلة؛ وإنما لأن مقومات قصة الطفل كلها حاضرة، بتفاصيلها ولغتها البسيطة وحدثها الصغير الممطوط، الذي لم ينجح في اختزاله وتوصيله بقدره إلى المتلقي، الذي يحرص عليه القاصُّ حرصًا غيرَ مبرَّر، حتى لو كان طفلًا في الثانية عشرة أو يزيد. ولا أعلم كيف تكون ابنتُه (فرحُهُ الأخير) لغةً. فرغم استبطاننا للمعنى الوحيد الذي يعنيه القاص؛ إلا أنه تعبير خاطئ. فابنته فرحه الوحيد أو الدائم أو اللانهائي. فالأخير وحدها تعني آخر الأفراح، التي تنتهي عندها الأفراح تمامًا، بلا أفراح بعدها. والتي قبلها أفراح عديدة لا حصر لها. وهذا المعنى لا يستقيم لغويًا مع المعنى الذي أراده، إذ إنه من المفترَض أنَّ ابنتَه الفرحُ الذي لا ينتهي ولا ينفَدُ ولا يكون الأخيرَ أبدا، وليس قبله ولا بعده أفراح. وإن استحسنَ القاصُّ وفضَّلَ التعبيرَ بكلمة الأخير، ليؤكدَ لنفسه وللقارئ مكانةَ ابنتِهِ الساميةَ لديه، لقال إنها فرحُه الأول والأخير. إن أجمل ما في هذه القصة البسيطة، جملة ربما لم يقصدها المخزنجي بمعناها الذي استخرجتُهُ، وهي”ولو فهذا لم يمنع عنها ألما” التي جاءت بعد جملة “إنني لم أقصد يا حبي، والله لم أقصد” -مع ملاحظة التأكيد على عدم قصده وإشفاقه مرة أخرى على المتلقي – فقد جاءت (ولَو)، التي أراها عنوانًا لهذه القصة بدلًا من حضن، بما بعدها من معنى عميق، بأن إيلام أحبائنا عن غير قصد، لا يمنع أننا آلمناهم، سواء كان الألم جسديًّا أم نفسيًّا. هذا المعنى هو المعنى الذي لو استثمر في القصة لكانت لها شأن آخر. وكان من المفترض أن تأتي (ولو) بعدها نقطتان لتكون (ولو..) ثم يستكمل جملته (فهذا لم يمنع عنها ألمًا). وذلك لإحالة المتلقي إلى تدبرها وما بعدها، لتصل الغاية النبيلة من القصة إلى الجميع، خاصة وأن القاص حريص على توصيل تفاصيله بالحذافير(الإشفاق).

ضياء طمان

ولا يفوتني، أن القاصَّ أقحم شخصية الزوجة وأم ابنته، لتوضح له وتشرح كيفية حدوث القرصة وكأنها اكتشاف علمي جديد لا يعلم الأب الإنسان عنه شيئًا. إذ إنه(في لهوجة اللقف ولهفة الأحضان) قد ثنى جلد صغيرته الرقيق فوق أضلعها. وصف تفصيلي ضحل لقرصة لم تستثمر لحدث أَجَلّ، أو حتى لخاتمة مدهشة، كأن تبتسم ابنته وتحضنه- مثلًا- عند ركوعه أمامها. على الأقل ليطابق عنوان (حضن) للقصة، باعتباره حضنًا خاصًّا غير كل الأحضان الأخرى. مع تحفظي كذلك على استخدام تراكيب لغوية مشروعة وفصيحة، لكنها صمّاء. والله من وراء القصد.

ومن (حضن) إلى (الجزء والكل)، تلك القصة الجميلة، بلغتها السهلة الرشيقة، بلا شفقة على القارئ، وحدثها الجديد الحُر، وتلقائية جد مصري عربي في بلد أجنبي لأنه(جنرال) وليس لواء. باعتبار أنها أشهر أقل رتبة في الجنرالات الثلاثة.. جنرال لواء وجنرال فريق وجنرال فريق أول، بمهام خاصة لكل منهم، والتي لا مجال لها الآن لتوضيحها. هذا الجد -الذي يرتدي زيه العسكري – الإنسان الطبيعي التلقائي، الذي يراه القاصُّ صدفةً وتصورَه مجنونًا جرّاء حركاته الطفولية البهلوانية الغريبة، التي يكتشف القاصُّ في نهاية قصته، أنه يداعب بها- من بعيد- طفلًا صغيرًا، الذي هو حفيده. فيشعر القاص أو الراوي بالتأثر والخجل.

مما يستدعي حينها، العودة فورًا إلى عنوان القصة(الجزء والكل). ذلك العنوان غير الحقيقي، رغم إيحائيته بذلك. فالقاص لم يرَ جزءًا من الأحداث ثم رأى كُلَّ الأحداثِ كما تصور. لأن ما رآه(كُلَّيْن) أي كُلًّا ثم كُلًّا، وليس جُزءًا وكُلًّا. حيث أن ما رآه كان صدفةً وليس تعمُّدًا. فالصورة الجزئية من وجهة نظرِ القاصِّ للجنرال المجنونِ كما رآه القاصُّ أولًا، كان من الممكن أن تكونَ هي الحقيقةَ الوحيدةَ التي رآها، لو غادر القاصُّ المكان- لأي سبب- الذي رأى فيه الجنرال في هذه الوضعية الغريبة كبهلوان. لكن الواقع أنه لم يغادر هذا المكان. وبالتالي رأى الصورة الكلية الثانية- رغم قوله: عمدتُ إلى الالتفاف- التي اكتشف فيها أن ذلك الجنرال الغريب كان يداعب ويلاعب حفيدَهُ، عن بُعد. وبالتالي كان من الممكن للقاصِّ أن يرى تلك الصورةَ الثانيةَ وحدَها بدون الأولى لتكونَ صورةً كليةً أيضًا. وعليه، فـ “الجزء والكل” يكون عنوانًا صحيحًا، إن تعمَّد القاص-بقرار-متابعة هذا الجنرال، منذ أن رآه. هذا التعمد هو الذي يعطي المبرر لذلك العنوان، الذي أراه غير مناسب كعنوان للقصة، .. أي قصة، حتى لو كان معبِّرًا بدقة عنها. نَعَم.. فللقصائد عناوينها الشعرية، وللقصص عناوينها الشاعرية. وللمقال وغيرها من الآداب والفنون عناوينها الخاصة. فكل أدب وكل فن له بصمته ولغته، التي تعبر عن هويته. ويبدو لي أن اختيار عناوين الأعمال الأدبية والفنية هو موهبة أخرى غير موهبة الإبداع ذاته. باختصار (الجزء والكل) عنوان قد يكون مناسبًا لمقال، لا لقصة قصيرة ولا لرواية ولا لقصيدة طبعًا ولا لدراما تليفزيونية ولا لفيلم سينمائي ولا لمسرحية. ويمكننا التأكيد- بتصرُّف- على مقولة أجدادنا: الأدب والفن يتجليان من عناوينهما. وقد كان من السهل أن يعنونها القاص (الجنرال)، ليعطي لبطل القصة شأنه الكبير الحقيقي. وعنونة الأعمال الأدبية باسمِ بطلها أو بصفته أو بوظيفته، إن كانت جذابة لفظًا، هو مخرج وجيه للمبدعين، لمن لا يهتمون بالعنوان، أو لغير الموهوبين في اختيار العناوين من الأدباء. فالجنرال قد يكون دافعًا لتساؤلات القارئ قبل القراءة،

وأثناءها وبعدها، بدءًا من لماذا الجنرال؟ إلى تلقائية الجنرال مع حفيده في الشارع العام رغم ارتدائه زِيَّهُ العسكري؟ إلى الفروق الإنسانية بين اللواء المصري والجنرال الأجنبي؟ وهل ستكون درجة تأثير وتفاعل المتلقي مع بطل القصة لو كان جدًّا مدنيًّا أكبر، أم أقل تأثيرًا من الجنرال؟ أسئلة كثيرة يفجرها عنوان الجنرال. على أية حال القصة جيدة ومعالجتها جيدة. لكن خاتمتها جاءت فاترة لأنها النهاية المتوقعة. فلماذا تنتهي قصتنا الغرّاء بشعور الراوي بالتأثر والخجل؟ وإن كان الراوي قد شعر بالخجل، فكيف يشعر بالتأثر؟ فالتأثر هو شعور في حد ذاته كما يعلم الجميع. وكأنه يقول لنا: شعرت بالشعور أو تأثرت بالتأثر، وهذا مستحيل لغوي. المهم.. لماذا لم تنته القصة عند(لابد أنه حفيده)؟.. وفقط. لماذا يصر الراوي على تأكيد إنسانيته ورقته؟ فالمبدع أيًّا كان صنفه الإبداعي، لابد أن يكون محايدًا حيادًا إيجابيًّا. بمعنى الإيجابية الشفيفة غير المباشرة. فمجرد أن المبدع هنا قد أطلعنا على أحداث هذه القصة الحُلوة كما ذكرت أكثر من مرة، مراقِبًا وليس بطلًا من أبطالها، إذن فهذا يكفيه. لكن أن يختمها بأنه شَعَر بالخجل، بعد استبعاد كلمة (التأثر) كما نوّهت، فهذه مزايدة على مشاعر القارئ، الذي شعر بخجل الراوي قبل أن يخبره الراوي بذلك. إن إقحام المبدع المباشر لذاته في عمله الإبداعي، ليؤكد وجوده وسيطرته عليه وعلى المتلقي؛ هو أمر مسيء للعمل الإبداعي. وقد أتصور الحياد الإيجابي للمبدع بتحسس شديد، كوسوسة خيرية مثيرة للمتلقي، تحثه على المعايشة والمشاركة والفعل عند اللزوم. وسوسة لا يسمع صمتها ولا يستشعر سكونها إلا ذلك المبدع الذي يُقَدِّر متلقيه، باعتباره متلقيًا لا يقبل أن يتعالى عليه المبدعُ بنرجسيته المحشورة في عمله الأدبي، أو حتى بشفقة يسخر بها خوفًا من محدودية ذكاء متلقيه. وكم تمنيتُ أن يعطيني الأديب محمد المخزنجي الإذن لأنهي له ولي هذه القصة الفارهة، لتكون للراوي المحايد الإيجابي محدِّثًا نفسه: (الآن فقط عَلِمتُ الفرق بيني وبينك يا جنرال). ليفاجئنا بتلك النهاية، بأنه جَدٌّ لا يفعل مع حفيده، ما فعله الجنرال بحفيده. سواء كان هذا الجَد المصري رجلًا عسكريًّا مثله أو مدنيًّا. ليعود القارئ مرة أخرى ليتساءل عن الفرق بين ثقافتنا الإنسانية التربوية ونظيرتها الغربية؟ وأيهما أجدى وأجدر للطفل؟ ويدرك اختيار الراوي الذكي لبطله العسكري، ذي الهيبة، بأنه إنسان قبل أي شيء وكل شيء.

وأرجو ألا يتصور القارئ أنني أعيد كتابة الأعمال الأدبية التي أتناولها بالنقد والتقييم، فقط لقصور فيها. وإنما لأنني أتناولها بعد قَدْحٍ وجدانيٍّ عميقٍ لا ذهني. فكلُّ ما تناولته من إبداع في هذا المسعى جديرٌ بالنقد والتقييم، وأزعم أنني تمنيت أن أكون كاتبها، أو مشاركًا فيها أو لها بكلمة طيبة غايتها الحق، لا خبيثة غايتها الزيف. والله من وراء القصد.

وها هو ذا تقييمنا لـ”حضن” و”للجزء والكل” بالأرقام:

1-حضن:

العنوان: 2%

الفكرة: 5%

البداية والخاتمة: 2.5%

الزمان والمكان: 5%

الحدث: 15%

الشخوص: 6%

المعالجة: 5%

المفردات والتراكيب اللغوية: 1%

الكثافة: 2%

ــــــــــــــ 

الإجمالي: 43.5% 

ثلاثة وأربعون ونِصف درجة سردية من مِئَة

2- الجزء والكل

العنوان: 2%

الفكرة: 10%

البداية والخاتمة: 2%

الزمان والمكان: 5%

الحدث: 35%

الشخوص: 10%

المعالجة: 20%

المفردات والتراكيب اللغوية: 2.5%

الكثافة: 4%

ـــــــــــــــــــ

الإجمالي: 90.5% 

تسعون ونصف درجة سردية من مائة

-ومن قصتيِّ الرائع الشاعر القاص المخزنجي المتبايِنَتَي المستوى، إلى الرائع القاص الشاعري يحيى الطاهر عبد الله، رحمه الله، في قصة جليلة من قصصه الجميلات. لكن لا أعلم الآن إن كان من حقي أن أعود بكم مرة أخرى إلى قصة”نظرة”، بعد أن استدعتاها قِصَّتا “حضن”، و”الجزء والكل”، بخصوص تأكيد الراوي على إنسانيته داخل عمله الإبداعي، رغم عدم شكي مطلقًا في ذلك لأي مبدع، خاصة من المبدعين الذين تناولتهم بهندسة الوجدان. فكما أكد المخزنجي في قصتيه، وفي معظم أعماله، على تلك الإنسانية كما ذكرت، فقد كان ذلك جليًّا في”نظرة”. بل لقد أصبحت قصة نظرة طويلة جدًّا، لأن القاص النبيل عاشها ثانية بثانية مع الطفلة الخادمة، مما قد أثارني، لدرجة أنني قلت في نفسي، كان من الأولى للراوي طالما هو بهذه الحساسية والشفقة المفرطة، لدرجة أنه لم يترك الطفلة الخادمة، إلا عندما ابتلعتها الحارة،. طالما هو كذلك، فقد كان من الأولى، أن يحمل هو الصينية وتحمل هي الصاج، أو العكس، أو يحملهما معًا، ويعطيها فرصة لتلعب الكرة مع الأطفال. أقول هذا بجدية، لا على سبيل المجاز أو المبالغة. وبذلك، يتحول العمل الأدبي إلى فعل أدبي داخل العمل الأدبي، وليس مشاعر أدبية جميلة طبعًا، لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع. وبذلك الفعل يكون التأكيد على إنسانية المبدع، تأكيدًا مشروعًا، شكلًا وجوهرًا، مادام ذلك سيتم بتقنيات إبداعية متحققة. وإن كنت قد عدت إلى نظرة يوسف إدريس، بهذه المعالجة، بعد أن قيَّمتها، بدلًا من إضافتها في متن التقويم بسهولة، فقظ فضلت ذلك لإضافة مزيد من الأَرْيَحِيَّةِ، التي أراها تُضفي مزيدًا من الحيوية على مسعايَ، لقياس الإبداعِ الأدبي، بهندسةِ الوجدان.

 

الأجزاء السابقة

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

الجزء الخامس

الجزء السادس