المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه 6

مهندس ضياء طمان

مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.
6-يوسف إدريس-رحمه الله

تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد.

والآنَ فلْنبدأْ في قياسِ إبداعِ القصة القصيرة لبعضِ مُبدعينا المَشاهير، كما ذَكرتُ، أمير القصة يوسف إدريس ــ رَحِمَهُ اللهُ ـ والقاصّ الأريب محمد المخزنجي ــ رَحِمَهُ اللهُ- ، وشاعِر القصة يحيى الطاهر عبد الله ـ رَحِمَهُ اللهُ-، مختتمًا تقييمي لإبداع القصة القصيرة، بقصتين للروائية الفرنسية ناتالي ساروت، رحمها الله. .يوسف إدريس-رحمه الله
ولْنبدأ الآنَ بالمُبدِعِ الرائدِ يوسف إدريس أميرِ القِصَّةِ العربية الذي جابَتْ قِصَّتُهُ “نَظْرة” في السِّتِّينِيَّاتِ، حتى تاريخه، مَشارِقَ الأرضِ العربيةِ ومَغارِبَها.

” نَظْرَة “
اخترتُ هذه القصةَ لشهرتها وِشَعبِيَّتِها باعتبارِها نموذجًا لمفهومِ القصةِ القصيرة، كما أعلم. وبعدَ قيامِ نُقَّادٍ كِبارٍ بتقيِيمِها والثَّناءِ عليها. والحقيقة أنَّني أراني مُقَيِّمًا لها بأُطرُوحَةِ القياسِ الأدبيِّ للقِصَّة ومُقَوِّماتِها المَعروفةِ مِن حَدَثٍ ومَكانٍ وزمانٍ وشُخُوصٍ وبدايةٍ وخِتامٍ ومُعالَجَة، والتي قد يغيبُ بعضُها في قِصَّةٍ، أو قد يزيدُ عليها مِن مُقَوِّماتٍ أُخرَى حديثة، مِن مَجَازٍ وتكثيفٍ، ومِن مُغامَراتٍ لُغَوِيَّةٍ ، أو طَرائِقَ سَردِيَّةٍ حديثة، مِن تقديمٍ وتأخيرٍ وحَذْفٍ وإضافَةٍ وكُولاج، وخِلافه.
وقَطْعًا لن نقيسَ إبداعَها إلَّا طِبْقًا لقيمتِها التقليديَّةِ العاديَّة التي لم تتجاوَزْ حَدُّوتة بسيطة، والتي قد تكونُ ساذَجةً إلى حَدٍّ ما، إذا قُورِنَتْ بِعُمرِ نَظيراتِها بأُوروبَّا في نفسِ وقتِ كتابتِها. فمِن الوهلة الأُولَى، ومِن أوَّلِ جُملة: ” كانَ غريبًا أنْ تَسألَ طِفلةٌ صغيرةٌ مِثلها إنسانًا كبيرًا مِثلي لا تَعرفُه ” فلم أعِ مِن قِراءتِها الأُولَى مِن 30 عامًا أو يزيد،
مَعنَى ( إنسانًا كبيرًا).. فإنسان إنْ قَصَدَ بِهِ يوسف إدريس رحِمَهُ اللهُ إنسانيَّتَهُ في هذه القصةِ كقاصٍّ، فلن يُتبِعَها بـ “كبيرًا”، لأنه إنْ قَصَدَ إنسانِيَّةً كبيرة، فالأَولى أن يقولَ إنسانًا قديرًا مِثلي. وبديهِيٌّ أنَّهُ قَصَدَ بــ ” كبيرًا ” عُمرَهُ الكبير، وقَصَدَ بــ ” إنسان ” إنسانًا مُجَرَّدًا دون زيادة أو نُقصان. وفي كُلِّ الأحوال، إنَّ هذا المدخل بهاتينِ الكلمتين يُصيبُ قارئها -وأنا هو الآن -بالصدمةِ اللُّغويَّة، وكأنَّ الجُملةَ استعصت عليه وهي غايَةٌ في البساطة أن يقول: كان غريبًا أن تسألَ طِفلةٌ صغيرةٌ مِثلها إنسانًا في سِنِّي لا تعرِفُه. ثُمَّ يقول: ” ففوقَ رأسِها صينية بطاطس بالفرن ” .. ولا أعرِفُ لماذا يُخبرنا أنَّها بالفرن؟ فهل الفرن مُرادِف لأشياء أخرى مِثل بطاطس باللحمة مثلًا ؟! .. طبعًا لا، لكن لأنَّ يوسف إدريس مُشفِقٌ جدًّا على مُتَلَقِّيه ( وهذه قضيَّةٌ لن نَمُرَّ عليها مُرورَ الكِرام ) في وقتِها، فــ “بطاطس” وحدها تكفي لأنَّ الآتي كُلَّهُ خارجٌ مِن الفرن، البطاطس، وحوض واسِع مِن الصَّاج مفروش بالفطائر المخبوزة. فما معنى حوض هنا؟ .. لماذا هذا الإشفاق ؟ ألا يكفِي وصاج مفروش بالفطائر المخبوزة ؟ ( بدون إشفاق على المتلقي العربي ) أو ببعض الإشفاق عليه بأن يقول وإناء كبير من الصاج مفروش بالفطائر المخبوزة. فالحوض لا يمكن أن يكون وصفًا للصاج الذي يعنيه. وتَحَفُّظي ليس على كلمة “حوض ” مجرَّدة، وإنَّما في سِياقِها. ويستمر في تصعيد الحَدَث وضبطه لِما تحمِلُه بكُلِّ الأشكال، إلى أن يقول: ” ولكنَّني نجحتُ أخيرًا في تثبيت الحِمل ” وتثبيت هنا مفهومة ضِمنًا للجميع، لكنَّها لُغَويًّا غير صحيحة، فتثبيت تعني بالفصحى وبالعامية تدعيم. ولُغويًّا للمعنى الذي أَرادَهُ فإنَّ كلمة استقرار الحِمْل أدَقُّ وأبسط وأعمَق. ( معذرةً، فأنا لا أكتب القصةَ بطريقتي أو بأسلوبي، ولكني أبحث في استسهال المبدعين في كتابة إبداعاتهم بلغةٍ غيرِ مُواكِبةٍ للفكرة النَّبيلة التي أرادها يوسف إدريس هنا ). فاللغة هي دمُ العملِ الإبداعيّ، وهي تحمل في طياتِها كُلَّ العناصر الأخرى. فإن كانت اللغةُ مُؤَمَّنَةً ، تَمَّ تأمينُ العناصرِ الأخرى بنسبةٍ كبيرة، بمعنى أنَّ اللغةَ تصنع العملَ الإبداعيَّ، لكنَّها لا تُعطيهِ الحياةَ وحدَها، إذ لا بُدَّ وأن تتوفرَ العناصر الأخرى التي تُحَدِّدَ ماهية الإبداع من وجهة نظرٍ متخصِّصيه، وطبقًا للأعرافِ التي استقرَّت في وجدانهم بالتقادمِ وبالتراكم.
وتستمِرُّ الأحداثُ البطيئة جدًّا ــ في وقتَها ــ بين مُتابعتِها ومُراقبتِها ووصفِهِ لها أثناء ذلك، وتوضيح ضعفها، إلى أن يصل إلى: ” راقبتُها طويلًا حتَّى امتَصَّتْني كُلُّ دقيقةٍ من حركاتِها ” وجاءت ” امتَصَّتني ” في هذه الجُملةِ كمُفرَدةٍ لا يمكن أن أتجاوزَها دونَ تعليق. فهي من المُفتَرَضِ أن تكونَ مَجازًا كما أرادَها يوسف إدريس، لكن بنفس الكيفية التي أرادها، كيف تمتصُّ الدقائق القاصَّ أو الرَّاوي؟ فالامتصاص يعني أنَّ كُلَّ دقيقةٍ مَرَّت عليه وهو يراقبها انتهت بأنها امتصَّته، أي شَفَطَته داخِلَها، لكنه يقول: ” حتَّى امتصَّتني كُلُّ دقيقةٍ مِن حركاتِها ” وليس كل دقيقةٍ فقط. وهو يقصد بأنَّ كُلَّ حركةٍ (وليست كل دقيقة بمعناها الزمني، رغم أنني على يقينٍ بأنه يقصِد دقيقة بمعناها الزمني) امتصَّته. فكل حركة من حركاتِها امتصَّت القاصَّ، أي إنها، كما ذكرتُ، شفطتْهُ داخِلها فأصبح داخِلَ الحركة. والحقيقة أنَّ هذا لا يعني شيئًا بالنسبةِ لي سوى الارتباك اللُّغوي, فإن أراد أيُّ مُبدِعٍ التعبيرَ بِمَجازاتٍ، فعَلَيهِ أن يختارَ المَجاز ــ ليس المُناسِب فحسب ــ بل الذي يعبِّرُ عن إبداعِهِ بِحَذافيرِهِ، بانسيابيَّةٍ دون تَعَنُّتٍ أو تَعَسُّفٍ من مُبدعِه. وكان من السهلِ أن يُعَبِّرَ عن ذلك بسهولةٍ بكلمة أسَرَتني أو امتلكتني، أو غيرها، لكن امتصَّتْني لا وألف لا.
ويستَمِرُّ في إطالة الأحداثِ بِتعرُّضِهِ لعربةٍ كادت تدهمه وهو يُسرِعُ لإنقاذِها بعد أن شاهدها تتوقَّفُ ولا تتحرَّك. ويعودُ للجُمَل المُرتبكة مَرَّةً أخرى:

ضياء طمان

” وحين وصلتُ كان كُلُّ شيءٍ على مل يُرام، والحوضُ والصينيةُ على أتَمِّ اعتدال ” فأتَمُّ اعتدال كلمتانِ قَلِقَتان جِدًّا كما ترَون والأدق(معتدلين تمامًا). وبالوصول إلى ذُروةِ الحَدَثِ والمتابعة: ” وهي تُتابع أطفالًا في مِثلِ حجمِها، وأكبر منها “، يكفي “أطفالًا مثلها “، ولكن ” في مِثلِ حجمِها” لماذا؟ .. هل معنى ذلك أنهم ضِعافٌ مِثلها وسيقانهم مسامير كذلك؟ تمضي إلى حالِ سبيلِها بعدَ أنْ ” استدارت واستدارَ الحِمْلُ معها، وألقَتْ على الكُرَةِ والأطفالِ نَظْرَةً طويلةً، ثُمَّ ابتلعَتْها الحارَة. “. نهايةٌ غايَة في الرَّوعةِ والإنسانيَّةِ والجَمالِ والإبداعِ، لولا لفظة (مخالب) التي استخدمها مرتين، والتي أفزعتني مرتين كذلك؛ لغلظتها وتناقضها مع ضعف بِنْيَة بطلتنا الجِسمية والنفسية، الذي أسهب أستاذنا يوسف إدريس في إبرازه؛ إشفاقًا منه عليها وعلينا. فالمِخلب في اللغة هو( ظُفر سباع البَر وجوارح الطير). وإن كنتُ قد تمكنتُ من التغافل عن مخالب الأولى في وسط القصة، فالحقيقة أنني لم أتمكن من تغافلها في نهايتها. وطبعًا وصف مخالبها بالدقيقة لا ولم ولن يخفف من وطأة المعنى المذكور. ويا ليته استبدل لفظة الدقيقة بالرقيقة، التي كانت من الجائز أن تمر عليَّ وعلى القرَّاء الموقرين – وأشك– مرورَ الكرام. ولا أعلم إنْ كانت تلك الخاتمة- بتحفظنا الفائت- تكفي لمُمَالأة تقييم هذه القصة النبيلة، التي لم أستسِغ حَدَثَها وتناميه والمُفرَداتِ والتراكيب اللُّغوية القلقة التي أَثَّرَت على نسبة إبداعِ هذه القصة وقياسِنا لها؟. لكن ذلك لن يمنعني أن أدعوكم لتأمل جملة (ثم ابتلعتها الحارة).. التي أراها غاية في الجمال والحسم والحزن. فابتلاع الحارة للبطلة هو اختفاء نهائي تام لها، أحزن الراوي الطيب، الذي تأكد أنه لن يراها مرة أخرى، بعد أن رافقها رحلتها العصيبة مع الصينية والصاج والإنسانية. وكأنَّ ابتلاع الحارة لها، هو التهامُ الفقر للطفولة بأسرها.
العنـــوان: 5% مِن 5%
الفكــــرة: 10% مِن 10%
البداية والخاتمـة: 2,5% مِن 5 %
الزمان والمكان: 5 % من 5 %
الحَـــــدَث: 15% من 35%
الشخوص: 10% من 10%
المُعالَجَــة: 5 % من 20%
المُفردات والتراكيب اللُّغوية: 1% من 5 %
الكثافــــة: 1 % من 5%
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإجمالي = 54,5% من 100 % أربعة وخمسون ونصف درجة سردية من مئة

ومِن هذه الأرقام يبدو أنَّ للحَدَثِ والمُعالجةِ نَصيبَ الأسدِ في قياس القصةِ القصيرة، إذ إنَّهما العنصرانِ الرَّئيسانِ للقصة، وبدونِهِما لا قصةَ ولا إبداع ولا قياس. وقد نُضيفُ إليهما الفكرة لِيُكَوِّنوا مَعًا مُثَلَّثًا واجِبًا ولازِمًا للقصة القصيرة العاديَّة ِ التقليديَّةِ والحديثةِ جِدًّا، بما فيها القصة القصيرة جِدًّا. أَمَّا الزمان والمكان، فقد اعتبرنا قيمتهما مَعًا 5 % فقط ، لقناعتي التامَّة بأنَّهما مِن نافِلات القصة، بل وربما الرواية كذلك بشروطٍ مُعَيَّنة. فما قيمة السكرية التي ستتغيَّر إن أسميناها بين القصرين أو العكس؟ وما قيمةُ زمنِها في أحداثِها الرَّئيسةِ وتناميها وذُروتِها إن كانت في العصر البطلمي أو العصر الحديث؟ اللهمَّ قليل من التصرف والمُعالجة الشكلية في الزِّيِّ، وربما اللغة (الألفاظ). وقد يفهم البعضُ أنَّني قَرَّرتُ نَفْيَ قيمتِهما في العملِ القَصَصِيِّ أو الرُّوائيِّ. وأنا أرُدُّ بوضوحٍ: لا طبعًا ، فالمكانُ والزَّمانُ عنصرانِ مؤثِّرانِ إنْ كانا يُغَيِّرانِ مَجرَى الحَدَثِ أو الأحداث وتناميها وذُروتها، أَمَّا إنْ لم يَكُونا كذلك، فَلْتُكتَبِ القصَّةُ بلا أماكن وبلا أزمنة، ما دامت الأحداثُ موجودةً ومُتنامِية، والشخوصُ تتحرَّكُ، والفِكرةُ تدفعُ الجميعَ للفِعل، واللُّغةُ رشيقةً ومستقِرَّةً ومُكَثَّفةً، والمَجازُ ــ إن وُجِد ــ مُتألِّقًا يدفع القصةَ لتكونَ أكثَرَ بلاغة، وما دامت الخاتِمَةُ المُطَهَّرةُ المُطَهِّرَةُ نبيلةً كعادتِها.
وقطعًا لا يُمكِنُ إغفالُ المكانِ والزَّمانِ في القصةِ أو الرِّوايةِ، إن كانت الأمكِنةُ والأزمِنةُ حقيقيَّةً، حينَها يشعر المُبدِعُ بمِصداقيَّتِهِ إن جاءت في إبداعِه، وتزدادُ حِينَها درجةُ الصِّدقِ (الضَّمير الأدبِيّ) بتطابُقِ الإنسانِيِّ معه. بل إنَّ غالبيَّةَ المُبدعينَ يُفَضِّلونَ ــ لنفس السَّبب ــ ذِكْرَ شخوصِهِم الحقيقيةِ بأسمائها الواقعية مع تَصَرُّفٍ بسيطٍ فيها إن كانت تُسَبِّبُ لهم أو لأصحابِها بعضَ الحَرَج لسبَبٍ أو لآخَر. لكنْ إنْ لم تكُنِ الأماكنُ حقيقيَّةً أو الأزمِنَةُ أو الشُّخوص، فلا مانعَ أن تكتمِلَ القصةُ أو الرِّوايةُ بدونِها أو بدونِ معلومِيَّةِ أيٍّ منها للمُتلَقِّي. فهي تُفيدُ المُبدعَ في تعلِيَةِ درجةِ ضَميرِهِ الأدبِيِّ الذي يتناسَبُ طَرْدِيًّا مع نِسبَةِ الإبداع، وبالتالي تُفِيدُ المُتَلَقِّي في النهاية، لأنه سيحصُلُ على عملٍ إبداعِيٍّ يَتَّسِمُ بِدرجةِ صِدقٍ كبيرةٍ يحتاجُها المُبدعُ والعملُ الإبداعِيُّ والمُتَلَقِّي. ولا يخفى على المبدعين والقرّاء الأفذاذ الآن، التطور الرهيب في الكتابة السردية في القصة القصيرة والرواية والنوفيلا، بانعدام زمنها ومكانها وشخوصها أو اختلاطها وتداخلها، بل وانعدام حدثها التقليدي، واستبداله بسرديات ذات تقنيات تجريبية بالغة الحداثة. والتي يتم استدعاؤها الآن- بطزاجة- من مبدعي الماضي القريب(مائة عام تقريبًا). التي تعتبر ناتالي ساروت أهمهم من وجهة نظري. ولنا معها مقاربة نختتم بها هذا المسعى المتواضع.

قصة ” نظرة ” ليوسف إدريس.. المقررة على طلاب الصف الثالث الثانوي

” كان غريبًا أن تَسألَ طِفلةٌ صغيرةٌ مِثلُها إنسانًا كبيرًا مِثلي لا تَعرِفُهُ ــ في بَساطةٍ وبِراءةٍ ــ أنْ يُعَدِّلَ مِن وَضْعِ ما تَحْمِلُه، وكانَ ما تَحْمِلُهُ مُعَقَّدًا حَقًّا، فَفَوْقَ رأسِها تستَقِرُّ ” صِينيَّةُ بطاطسَ بالفُرْن ” وفوقَ هذه الصِّينيَّةِ الصغيرةِ يَسْتَوِي حَوضٌ واسعٌ من الصاج مفروشٌ بالفطائِرِ المَخبوزةِ. وكان الحَوضُ قد انزلقَ رغمَ قَبْضَتِها الدَّقيقةِ التي استَمَاتَتْ عَلَيهِ حَتَّى أَصْبَحَ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّهُ مُهَدَّدًا بالسُّقُوط.
ولَمْ تَطُلْ دَهْشَتِي وأنا أُحَدِّقُ فِي الطِّفْلَةِ الصَّغِيرَةِ الحَيْرَى، وأَسْرَعْتُ لِإنْقَاذِ الحِمْلِ، وتَلَمَّسْتُ سُبُلًا كَثِيرَةً وأنا أُسَوِّي الصِّينِيَّةَ، فَيَمِيلُ الحَوْضُ، وأُعَدِّلُ مِنْ وَضْعِ الصَّاجِ فَتَمِيلُ الصِّينِيَّةُ، ثُمَّ أَضْبِطُهُمَا مَعًا، فَيَمِيلُ رَأْسُها هِيَ، ولَكِنَّنِي نَجَحْتُ أَخِيرًا فِي تَثْبِيتِ الحِمْلِ، وَزِيادَةً فِي الاطْمِئْنانِ، نَصَحْتُها أَنْ تَعُودَ إلَى الفُرْنِ ــ وكانَ قريبًا ــ حَيْثُ تَتْرُكُ الصَّاجَ وتَعُودُ فَتَأْخُذُه.
ولَسْتُ أدْرِي مَا دَارَ فِي رَأْسِها، فَمَا كُنْتُ أَرَى لَهَا رَأْسًا وقَدْ حَجَبَهُ الحِمْلُ. كُلُّ مَا حَدَثَ أنَّها انْتَظَرَتْ قَلِيلًا لِتَتَأَكَّدَ مِنْ قَبْضَتِهَا، ثُمَّ مَضَتْ وهِيَ تُغَمْغِمُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ لَمْ تَلْتَقِطْ أُذُنِي مِنْهُ إلَّا كَلِمَةَ ” سِتِّي ” . ولَمْ أُحَوِّلْ عَيْنَيَّ عَنْهَا وهِيَ تَخْتَرِقُ الشَّارِعَ العَرِيضَ المُزْدَحِمَ بِالسَّيَّاراتِ، ولا عَنْ ثَوْبِهَا القَدِيمِ الوَاسِعِ المُهَلْهَلِ الذي يُشْبِهُ قِطعَةَ القُمَاشِ التِي يُنَظَّفُ بِهَا الفُرْنُ، أو حَتَّى عَنْ رِجْلَيْها اللَّتَيْنِ كانَتَا تُطِلَّانِ مِنْ ذَيْلِهِ المُمَزَّقِ كَمِسْمَارَيْنِ رَفِيعَيْنِ. وراقَبْتُهَا في عَجَبٍ وهِيَ تُنْشِبُ قَدَمَيْهَا العَارِيَتَيْنِ كَمَخَالِبِ الكَتْكُوتِ فِي الأرْضِ، وتَهْتَزُّ وهِيَ تَتَحَرَّكُ ثُمَّ تَنْظُرُ هُنَا وهُنَاكَ بِالفَتَحَاتِ الصَّغِيرَةِ الدَّاكِنَةِ السَّودَاءِ فِي وَجْهِهَا، وتَخْطُو خُطُواتٍ ثَابِتَةً قَلِيلَةً، وقَدْ تَتَمَايَلُ بَعْضَ الشَّيْء، ولَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا تَسْتَأْنِفُ المُضِيَّ … راقَبْتُهَا طَوِيلًا حَتَّى امتَصَّتْنِي كُلُّ دَقِيقَةٍ مِنْ حَرَكاتِهَا، فَقَدْ كُنْتُ أَتَوَقَّعُ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ أنْ تَحْدُثَ الكَارِثَةُ. وأَخِيرًا استَطاعَتْ الخادِمَةُ الطِّفْلَةُ أنْ تَخْتَرِقَ الشَّارِعَ المُزْدَحِمَ فِي بُطْءٍ كَحِكْمَةِ الكِبَار.
واستَأْنَفَتْ سَيْرَهَا عَلَى الجَانِبِ الآخَرِ، وقَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ شاهَدْتُهَا تَتَوَقَّفُ ولا تَتَحَرَّكُ ، وكادَتْ عَرَبَةٌ تَدْهَمُنِي وأَنا أُسْرِعُ لِإنْقَاذِهَا، وحِينَ وَصَلْتُ كانَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، والحَوْضُ والصِّينِيَّةُ عَلَى أَتَمِّ اعْتِدَال … أَمَّا هِيَ فَكَانَتْ واقِفَةً فِي ثَبَاتٍ تَتَفَرَّجُ وَوَجْهُهَا المُنْكَمِشُ الأَسْمَرُ يُتَابِعُ كُرَةً مِنَ المَطَّاطِ يَتَقَاذَفُهَا أَطْفَالٌ فِي مِثْلِ حَجْمِهَا، وأَكْبَرُ مِنْهَا، وهُمْ يُهَلِّلُونَ وَيَصْرُخُونَ وَيَضْحَكُونَ، ولَمْ تَلْحَظْنِي ، ولَمْ تَتَوَقَّفْ كَثِيرًا، فَمِنْ جَدِيدٍ رَاحَتْ مَخَالِبُهَا الدَّقِيقَةُ تَمْضِي بِهَا، وَقَبْلَ أَنْ تَنْحَرِفَ استَدَارَتْ عَلَى مَهَلٍ، واستَدَارَ الحِمْلُ مَعَهَا، وأَلْقَتْ عَلَى الكُرَةِ والأَطْفَالِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ ابْتَلَعَتْهَا الحارَة.

 

الجزء الأول 

الجزء الثاني 

الجزء الثالث 

الجزء الرابع 

الجزء الخامس