المجلة الثقافية الجزائرية

مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان).. وخلافه 9

 مهندس ضياء طمان

 

مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.

ناتالي ساروت رحمها الله

تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد.

ناتالي ساروترحمها الله

والآن إلى ناتالي ساروت وقصتين من بدائعها: “انفعالات”.. وهي أول عملٍ منشور لها عام 1938 (كان عمرُها 38عامُا)
وقد تُرجِمَت “انفعالات” إلى اللغات : الألمانية، الإيطالية، الدانماركية 1959، النرويجية 1960، الإنجليزية والهولندية 1964
وُلِدَتْ ناتالي ساروت في روسيا. حصلت على ليسانس آداب وفنون، ودرست الحقوق. تزوجت ولها ثلاث بنات. عملت بالمحاماة.
ومن مؤلفاتها: “صورة مجهول” 1948 قدَّمها جان بول سارتر معتبرًا كتاباتها (ضد الرواية.. صعبة لكنها ممتازة) ــ “مارتيرو” 1953 ــ “الكوكب السيَّار” 1959 ــ الفاكهة الذهبية” 1963 ــ بين الحياة والموت” 1968 ــ تسمع؟ 1972 ــ “يقول الحمقى” 1976 .
رحلت وعمرها تسعةٌ وتسعونَ عامًا في باريس.

القصة (19) في”انفعالات”
كان أملسَ ومُسطَّحًا، له وجهانِ مُستوِيانِ هما خدَّاهُ اللذانِ كان يمنحُهُما لهما الواحدَ بعدَ الآخرِ ليَطْبَعا عليهما بِشِفاهِهِما الممدودةِ قُبْلة. كانا يتلاقَفانِهِ ويُديرانِهِ ويُقَلِّبانِهِ في كُلِّ اتِّجاهٍ ويُلقِيانِ بِهِ في الهواء ويتمَرَّغانِ فوقهُ ويتدحرجان. وكانا يُديرانِهِ هنا وهنا وهنا ويُطْلِعانِهِ على صورٍ خادِعَةٍ للبصر: أبوابٍ ونوافذَ غيرِ حقيقيَّةٍ يتَّجِهُ إليها بسذاجةٍ ويُصابُ بأذى.
كانا يعرفانِ مُنذُ زَمَنٍ كيفَ يستحوذانِ عليهِ كُلِّيَّةً دونَ أن يترُكا له فرصةً للانتعاش أو فترةً للراحة، وكيف يلتهمانِهِ حتَّى الفتاتِ الأخير. وكانا يجتازانِهِ بخُطًى واسعةٍ ويقطعانِ معهُ مسافاتٍ طويلةً، مربَّعاتٍ مخيفةً، ويجوبانِ بهِ في كل اتجاه، وأحيانًا يتركانِهِ يعدو وَحدَهُ مُطْلِقَيْنِ لَهُ العِنانَ، لكنَّهما كانا يُمسِكانِ بِهِ ما أنْ يذهبَ بعيدًا حتَّى يستحوِذا عليه من جديد. كان قد تعوَّدَ منذ الطفولةِ على هذا الالتهام .. وكان يميلُ إليهِما ويستعذِبُ رائحَتَهما اللاذِعةَ السُّكرية ويُسلم لهما نفسَه.
كان العالَمُ الذي احتجزاهُ فيهِ ، وأحاطاه بِهِ من كلِّ جانِبٍ، بلا مَنفَذ. وكانَ ضِياؤهُما الشديد ونورُهما الباهِرُ الذي يمحو كلَّ شيءٍ، يُبَدِّدُ الظلامَ والظُلمة. كانا يعرفانِ استِعذابَهُ لهَجماتِهِما، وموضِعَ ضعفِه، ولهذا لم يكونا يشعرانِ بأيِّ حَرَج.
كانا قد أفرغاهُ تمامًا ثُمَّ شَحَناهُ من جديدٍ وأخذا يُطْلِعانِهِ أينما حَلَّ على عرائسَ ودُمًى أخرى. لم يكن يقوَى على الإفلاتِ منهُما. لم يكن يقوَى إلا على بَسْطِ خَدَّيهِ الأملَسَينِ واحدًا بعدَ الآخر لكَي يَطبَعا عليهِما قُبلَتَهُما.
***********

القصة رقم (24) في “انفعالات”
كانوا نادرًا ما يظهَرون، بل يقبعونَ في شُقَقِهِم داخِلَ حُجُراتِهِمُ المُظلِمةِ ويترقَّبون. يتَّصِلونَ تليفونيًّا بعضُهم بِبَعض، يتباحثونَ ويتذكَّرون ويتلقَّفُونَ أقَلَّ علامةٍ وأبسَطَ إشارة .. كانَ بعضُهُم يَنْعَمُ بِقَطْعِ إعلانِ الصحيفةِ مُبَيِّنًا بِذَلكَ حاجةَ أُمِّهِ إلى خَيَّاطةٍ باليَومِيَّة. كانوا يتذكَّرونَ كُلَّ شَيْءٍ، وكانوا شَدِيدِي الحِرصِ والسَّهَرِ عليه، يتماسكونَ بالأيدي في حلقةٍ مُحْكَمَةٍ ويُحيطونَ بِه.
كانت جَمعِيَّتُهُم المُتواضِعةُ ذاتُ الوجوهِ نِصْفِ المطموسةِ والمُعتِمَةِ تتعلَّقُ بِهِ وتُحيطُهُ في شكلِ دائرة. عندما كانوا يرَونَهُ وهو يزحَفُ باستحياءٍ مُحاوِلًا أن يَنْفُذَ بينَهم كانوا يَخفِضُون بِسُرعةٍ أيديهم المُتشابِكةِ ويجلِسُونَ القُرفصاءَ حَولهُ مُسَلِّطِينَ عليهِ نَظرَتَهُم التي لا تُعَبِّرُ عن شَيْءٍ بِعَينِه ولكنَّها لا تتزَعْزَع. وهُم يبتَسِمُونَ ابتسامةً فيها لَمَحاتُ الطُّفولة.

تلك القصة كانت من المجموعة القصصية “انفعالات” التي تمَّ نشرُها عام1938 وكانت أوَّلَ مجموعةٍ لها، وعُمْرُها 38 عامًا.
ناتالي ساروت، تلك المحامية المولودة في روسيا، لتُسافرَ بها أمُّها بعد طلاقِها إلى سويسرا، ثم يستقرَّانِ في باريس، لتُصبِحَ لغتُها الأم الفَرَنسِيَّة، وتكتب تلك القصصَ الأربعِ والعشرين التي أسمَتْها “انفعالات” وهي في الثلاثين من عمرها، والتي تُرجِمَتْ إلى الألمانية والإيطالية والدانماركية في ، 1959وإلى النرويجية في 1960، وإلى الإنجليزية والهولندية في 1964، هي رائدةٌ من رواد القصة والرواية الحديثة إبَّانَها. حقًّا يقدمها جان بول سارتر في مجموعتها القصصية الثانية في 1948 بعد انبهاره بما قدَّمَتْهُ من طرائقَ تجاوزت بها كُلَّ العوالِمِ السَّرديَّةِ المطروحةِ على ساحة أوروبَّا، بمنتهَى الأَرْيَحِيَّةِ والرشاقة والغموض النبيل لا الجميل فقط، لتموتَ في باريس عن عمر 99 عامًا، تارِكَةً للبشريَّةِ أدبيَّاتٍ غَيرَ مَألوفةٍ طوالَ 60 عامًا من الإبداع.

وقد اخترتُ مِن “انفعالات” (أول مجموعة لها، كما ذكرتُ، للتأكيد) قصَّتين فقط، بل أقصر قصتينِ في المجموعة، عسى أن أتمكَّنَ من تقيِيمِها وقياسِ إبداعِها الأدبيِّ بعناصِرِ إبداعِها هِيَ، وأن يكونَ تقيِيمِي ونَقدِي إبداعيًّا يواكِبُ إبداعَها الجديدَ الطازَج، الذي ربما لم يصلْ لمستواهُ اليومَ مُبدِعونا وأدباؤنا القاصُّونَ والروائيُّون، أي بعدَ ثمانينَ عامًا مِن كتابتها.
ففي القصة (19) أو انفعال (19) كما عَنْوَنَت المجموعة، تبدأ بمجهول “كانَ أملَسَ مُسَطَّحًا، لَهُ وَجهانِ مُستَوِيانِ هُما خَدَّاه اللذانِ كانَ يَمنَحُهُما لهما الواحِدَ بعدَ الآخَر لِيَطبَعا عليهما بِشِفاهِهِما المَمْدُودَةِ قُبلَة” وتنتهي بالمجهولِ نَفسِهِ الذي يظلُّ مجهولًا، رغم أحداثِ القصةِ الكثيرةِ المُكتَنِزَة، وبالتركيبةِ نَفسِها التي بَدَأَتْها بها مع تَصَرُّفٍ بسيط يُضْفِي عليهِ هَيبةً وقُدسِيَّةً نِسبِيَّة، لا ولن يستشعِرَها إلا مَن يقرأ القصة أكثرَ من مرَّة ” لم يكن يقوَى إلا على بَسْطِ خَدَّيهِ الأملَسَيْنِ واحِدًا بعدَ الآخر لِكَيْ يَطْبَعَا عليهِما قُبْلَتَهُما.”
قِصَّةٌ تتجاوزُ كُلَّ بسيطٍ وكُلَّ عميقٍ وكُلَّ مَجازِيٍّ وكُلَّ غُموض، رغم السلاسة التي تتقافزُ فيها جُمَلُها وأحداثُ–ها، دونَ أن نشعرَ بأيَّةِ افتِعالاتٍ أو نتوءاتٍ أو قِمَمٍ وقيعانٍ مِن شأنِها أن تُفِيقَنا مِن تأثيرِها الحثيث. قِصَّةٌ لا تجعلُنا نُفكِّرُ في عناصِرِ القِصَّة التي توَصَّلْنا إليها بعدَ ثمانينَ عامًا مِن “انفعالات” . فالحَبكَةُ ليست بها أحداثٌ تتنامَى بالمفهوم الدرامي الأرسطي في الجَسَد، لكنها في الروح، فلا نستطيعُ أن نقولَ إنَّ الجُملةَ العاشِرَةَ في القِصَّةِ قد حَمَلَتْها الجُملةُ التاسِعةُ مِن بدايةِ القِصَّة إلى مُنتَهاها، لكن تتساوَى الجُمَلُ في التأثيرالمُستقِلِّ على الرُّوح. وبالتراكُمِ فقط وبالتقادُمِ ، تَجِدُ التَّصعيدَ فجأةً قد جاء ونحن نكتشِفُ أنَّ القِصَّةَ انتهَتْ. كيفَ ولماذا؟؟ .. هنا الإبداع المُغايرالذي يقِفُ أمامَهُ المُقَيِّمُون والنُّقَّادُ والقُرَّاء والمُبدعون الآخَرونَ انتِباهًا. فَسَردُ ناتالي ساروت ليس مُسليًا لدرجة أنْ نقرأَهُ ونحنُ في الفِراش كما نفعلُ مع قصصنا ورواياتنا التي قرأناها مِن سنوات، بل ومِن دقيقة.
ولنتساءل لنبدأَ مِن جديد. هل نحتاجُ في تَلَقِّينا إلى الوصولِ إلى حَذَافيرِ ما أرادَهُ المُبدِعُ أو لم يُرِدْهُ؟ ليكُونَ إبداعُهُ هادِفًا؟ أم يكفي أنْ يَضَعَنا في حالةِ استنفارٍ وجدانيٍّ مُدهِشٍ نتحَرَّرُ بِهِ مِن قُيودِ حَواسِّنا الخَمسِ أو الخَمسين، هذا التحَرُّر لا أقصِدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِن حواسِّنا، بل اختلاطَها وامتزاجَها وتداخُلَها للدرجة التي لا نتمكَّنُ فيها مِن فَصْلِها، فتصيرُ العَينُ أُذُنًا والأنفُ لِسانًا والقَلبُ عَقْلًا، نقيسُ بِهِ قُدرَتَنا على الإنسانيَّةِ بدونِ كامِلِ مَعرِفَةٍ، بل بِبَعضِها، أو بأقَلِّها. فهل مِن الضروريِّ أن نتعرَّفَ على مَن نتعاطَفُ معهُ أو نكرهُهُ ـ حتَّى ـ ؟ .. ألا يُمكِنُ أن يحدُثَ ذلكَ مِن أفعالِهِ دونَ أنْ نراه؟ هل يَفرِقُ أن يكونَ ذلكَ الإنسانُ أو المَخلوقُ رَجُلًا أَم طائرًا أَم نباتًا أَم حيوانًا أَم حَشَرةً أَم جَمادًا حتَّى؟ ألا يكفينا أنْ نقولَ عنه كما قالت ناتالي ساروت: ” كانا يتلاقَفانِهِ ويُديرانِهِ ويُقَلِّبانِهِ في كُلِّ اتِّجاهٍ ويُلقِيانِ بِهِ في الهواءِ ويَتَمَرَّغانِ فوقَهُ ويَتدحرَجان”؟ أو ” كانَ العالَمُ الذي احتجَزاهُ فيهِ، وأحاطاهُ مِن كُلِّ جانِبٍ، بِلا مَنفَذ” أو ” كانا يعرِفانِ استِعذابَهُ لهَجَماتِهِما، ومَوْضِعَ ضَعفِه، ولهذا لم يكونا يَشْعُرانِ بِأَيِّ حَرَج” لنصِلَ إلى ” كانا قد أفرَغاهُ تَمامًا، ثُمَّ شَحَناهُ مِن جديدٍ، وأَخَذا يُطْلِعانِهِ أَينما حَلَّ على عَرائِسَ ودُمًى أُخرَى .. أرجو العَودةَ لِكَلِمة “أُخرَى” الفائتة، هل هي مفتاح ناتالي لنعيد قراءة القصة مِن أولِها ليتمكَّنَ مَن يريدُ مِنَ المُتَلَقِّينَ والمُختَصِّين مِن إزاحة السِّتارَ عن هذا الكائنِ؟.. الكائنِ ذِي الوجهين المستوِيين الذي “كانَ يَمِيلُ إليهِما ويَستَعذِبُ رائحَتَهما اللاذِعَةَ السُّكريَّة ويُسلمُ لهما نفسَه” ؟ أسئلة لا ولن تتوقَّف، إلا إذا قالت لنا ناتالي ساروت تَصَوَّروهُ والآخرَيْنِ كيفما اتفق، اعتبِروهُ كائنًا ابتدَعْتُهُ لتستمتعوا معي (معها) بحكايته، التي ربما تستأهِلُ إنسانِيَّتَكم وتسمو بوجدانِكم للحَدِّ الذي يُبقِينا بَشَرًا. هل ستستريحونَ إنْ قلتُ لكم إنَّ هذا الكائنَ هو أنتَ وأنا، وأنَّ الآخَرَيْنِ هُما أبوكَ وأُمُّكَ وأبي وأُمِّي. هل استرَحتَ الآن؟ أتُريدُ أنْ أُؤَوِّلَ لكَ القصةَ كاملةً؟ ألا يكفي أن تُحِبَّ هذَينِ الوَجهَينِ، مجازًا (الخّدَّين) لِطِفلِكَ أو طِفلَتِكَ أنتَ وزوجتك، كأُمٍّ وأبٍ يبدآنِ بتقبيلِ طِفلِهما الصَّغير، الذي يَكْبَرُ ويَكْبَرُ ويكبرُ ويكْبَرانِ ويَكْبَرانِ ويَكْبَران، ويستمِرَّانِ في تقبيلِهِ في كُلِّ مراحِلِ حياتِهِ وحياتِهِما، وهما يُعَلِّمانِهِ كُلَّ شَيْ، “ويجُوبانِ بِهِ في كُلِّ اتِّجاه، وأحيانًا يتركانِهِ يَعدُو وَحدَهُ مُطْلِقَيْنِ له العِنانَ، لكنَّهما كانا يُمسِكانِ بِهِ ما أن يَذهَبَ بعيدًا حتَّى يَستَحْوِذا عليه مِن جديد”. “كان العالَمُ، الذي احتجَزاهُ فيهِ، وأحاطاهُ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، بِلا مَنْفَذ. وكانَ ضِياؤُهُما الشَّديدُ ونورُهما الباهِرُ الذي يمحو كُلَّ شَيْءٍ، يُبَدِّدُ الظَّلامَ والظُّلمَةَ.” “كانا قد أفرغاهُ تمامًا ثُمَّ شَحَناهُ مِن جديد، وأخذا يُطْلِعانِهِ أينما حَلَّ على عرائسَ ودُمًى أُخرَى. لم يكن يقوَى على الإفلاتِ منهما”. هذا الابنُ الذي يظلُّ طِفلًا بشكلٍ أو بآخر في عينَي أبَوَيهِ طوالَ عُمرِهِ وفي كلِّ مرحلةٍ مِن مراحِلِهِ التي يَشحِنانِهِ بعدها مِن جديد، ويُطلِعانِهِ على عرائسَ ودُمًى أخرى تُناسِبُ مرحلتَهُ الجديدة، التي قد تستمرُّ إلى ما بعد زواجِهِ وإنجابِه لأطفالٍ ليُصبِحا جَدَّيْنِ، يُطلِعانِهِ على عرائسَ ودُمًى أخرى مُغايرةٍ لعرائسِهِ هو ودُماهُ هو عندما كان طِفلًا.
أجهَدَتْنِي ناتالي ساروت وأجهَدَتْكُم، لكنْ سَعْيٌ وجهدٌ مشكور، جهدٌ يُريحُنا مِنَ الحُبِّ والحَكْيِ التقليديِّ المُمِلِّ، الذي نتثاءبُ بِهِ بدلًا مِن حَبَّةِ مُنَوِّمٍ أكثر ضَرَرًا.

مهندس ضياء طمان

ولنتساءل الآن بعدَ هذا اللهاث، كيفَ نقيسُ إبداعَ ناتالي ساروت في هذه القصة؟ أم نقرأُ قصَّتَها الأخرى ونقيسُهما معًا ، وسَتَرَونَ أنَّ قياسَ كُلٍّ مِن القِصَّتَينِ مُستَقِلَّتَينِ سيكونُ بنفس القيمة، لِما تتمتَّعُ بِهِ كمُبدِعةٍ ثابتةِ المُستوَى، الذي وصَلَ رغم أنَّ “انفعالات” هي مجموعتها الأولى إلى آفاقٍ تجاوَزَتْ بِهِ نظيراتِها ونُظَراءها، وليس في زمانِها فحسب، بل إلى هذه اللحظة التي أُسجِّلُ فيها هذا المَبحَث، كما ذكرتُ قَبلًا. والسببُ واضحٌ بسيط؛ ألا وهو تضافُرُ كُلِّ عناصِرِ الإبداعِ الأربعةِ التي طرحناها، وهي الموهبة والضمير (الضميران) والخبرات والمتلقي (الفذ). تلكَ العناصر التي اختزلناها إلى عنصرين (الضميران، الإنساني والأدبي) اللذَينِ تطابَقا تمامَ التطابُق في إبداعِها الذي بين أيدينا، وفي كُلِّ إبداعاتِها الأخرَى الكثيرة والمُتباينة في شَتَّى صنوفِ الإبداع مِن قصةٍ قصيرٍةٍ، وروايةٍ ومَسرَحٍ ومَقال. وكثير مِن الخبرات الخاصَّةِ التي يمتصُّها المبدعُ بنفسِهِ اطِّراديَّةٌ مع موهبته. ولعلها فرصة لتوسيع مُدرَكِ الخبراتِ التي أعنيها. فالخبراتُ ليست خبراتِ السنين إحصائيًّا، بل خبرات أحداثِ السنين، بل خبرات تَلَقِّي أحداثِ السنين. فالمُهَندِسُ ـ مَثَلًا ـ عندما تكونُ سنواتُ خبراتِهِ عَشْرَ سنواتٍ إحصائيَّة، فهذا لا يعني أنَّ خبراِتهِ معقولةٌ أو جيدةٌ أو متوسطة. المُهِمُّ في تلكَ الخبراتِ أن تكونَ حقيقيَّةً، تَمَّ تَلَقِّي المهندسِ لأحداثِ عملِهِ الهَندَسِيِّ فيها بمِثاليَّةٍ، أو فلنقُلْ بإخلاصٍ. فقد تكونُ حصيلةُ خِبراتِ المهندسِ العشر سنوات ميلادية خمسَ سنواتٍ ليس إلا، أو خمسَ عشرةَ طِبقًا لإخلاصِهِ فيما يقوم به. والإخلاص هو الفِعلُ الأمين التام بحذافيره لأي عملٍ لنصِلَ بِهِ لِحَدِّ الجَمال، لأنَّ الكَمالَ لِلَّهِ وحده.
وساروت ملكَت الصِّدقَ الأدبِيَّ بتطابُقِ ضميرَيْها الإنسانيِّ والأدبِيِّ في إبداعاتِها، وامتلكت الإخلاصَ في تَلَقِّيها لخِبراتِها الحياتيَّة الإنسانيَّة العملية العقلية منها والوجدانيَّة. فواضِحٌ أنَّها لم تكتُبْ عملًا مِن أعمالِها إلا وهي في ذُروةِ صِدقِها وإخلاصِها، مِمَّا أدَّى إلى وصولِ أعمالِها إلى هذا المستوَى، وهذا الجَمالِ الثابِتِ المتساوِي، والذي نادِرًا ما نجدُهُ عند مُبدِعينا، الذين يكونُ مستوى إبداعاتِهِم مُتَذَبْذِبًا، ليس مِن ديوانٍ لديوان، أو مِن مجموعةٍ قصصيةٍ أو روايةٍ لأخرَى، بل في الديوانِ الواحِدِ والمجموعة الواحدةِ والروايةِ الواحدة، لقُصُور الصِّدقِ الأدبيِّ والإخلاصِ الخِبراتِيِّ بنِسَبٍ مختلفةٍ مِن إبداعٍ لآخر.
وكما نرَى في انفعال (24) تبدأ ساروت مرةً أخرى ” كانوا نادِرًا ما يَظهَرون، بل يَقبعونَ في شُقَقِهِم داخِلَ حُجُراتِهم المُظلِمة ويترقَّبون”
يا ناتالي يا ساروت، كفاكِ إجهادًا لنا .. لكن لا بأس بانفعالٍ آخر، ورشيقةٍ أخرى مِن رشيقاتك. الشخوص هذه المرَّة عديدة، والحَيِّز الذي يعيشون فيه حجراتٌ مُظلِمَة في شُقَقٍ داخلَ “جَمعيَّتِهم المتواضعة، ذاتِ الوجوهِ نِصْفِ المَطمُوسةِ والمُعتِمة تتعلَّقُ بِهِ وتُحِيطُهُ في شكلِ دائرة”. يُحيطونَ مَن؟ ومَن هو هذا المَسْخُ الذي “يزحفُ باستحياءٍ مُحاوِلًا أن يَنفُذَ بينهم،فيَخفِضُون بسرعةٍ أيديَهم المُتشابِكةَ ويجلسونَ القُرْفُصَاءَ حَولَهُ مُسَلِّطِينَ عليهِ نظرتَهم التي لا تُعَبِّرُ عن شَيِءٍ بعينِهِ، ولكنَّها لا تتزَعْزَع”.
وهل كانت حجراتُهُم المُظلِمَةُ مُظْلِمَةً لهم ولغيرِهِم أم لهم فقط؟ وهل بالأحرَى كانت مُظْلِمَةً بهم؟!.. لماذا كان بعضُهم “(يَنْعَمُ) بِقَطْعِ إعلانِ الصحيفة مُبَيِّنًا بِذلكَ حاجَةَ أُمِّهِ إلى خَيَّاطةٍ باليوميَّة”؟.. لماذا (يَنْعَمُ)، وما هي السعادة في أن يُبَيِّنَ حاجَةَ أُمِّهِ إلى خَيَّاطةٍ باليومية؟ هل ليُبيِّنَ أنه مِن عائلةٍ ثريَّة لديها مَشغل؟ أم أنَّ أُمَّهُ في بيتِها تحتاجُ خيَّاطًةً باليومية لأعمالِ الخِياطةِ الكثيرةِ التي تحتاجُها في بيتِها أو في هذه الجمعيةِ التي يَقْبَعُونَ في حُجُراتِها المُظلِمَةِ داخِلَ شقَّتِهِم؟ ولماذا “يتباحثون ويتذكَّرونَ ويَتَلَقَّفونَ أقَلَّ علامةٍ وأبسَطَ إشارة”؟ إشارة !!! عندما ” يتَّصِلونَ تليفونيًّا بعضُهم بِبَعض، ويتباحثونَ ويتذكَّرون”.. ما هذا كُلُّه؟.. نادرًا ما يظهَرون.. يَقبَعُونَ في حُجُراتِهم المُظلِمَة، يتلقَّفونَ أقَلَّ إشارةٍ (بنهَم) ولماذا وجوهُهُم نِصفُ مَطموسةٍ ومُعتِمة؟ هل هم حَرقَى؟ أم ضحايا حَرب؟ أم جمعيَّةُ أرامل؟.. لكن لماذا وجوهُهُم مطموسة إنْ كانوا كذلِك؟ إذَنْ هم مرضَى الجُذام.. نعم هم مَرضَى الجُذام الذين ينطبِقُ عليهم كُلُّ ما سَرَدَتْهُ ساروت، هذا هو الخيط.. كلُّه؟!.. أم أوَّلُه؟!.. إنَّهُ أوَّلُهُ فقط، فمَن هو هذا الكائنُ الذي تتعلَّقُ بِهِ الوجوهُ المطموسةُ وتُحِيطُ بِهِ في شكلِ دائرة؟ مَن هو هذا الذي كانوا يرَونَهُ وهو يَزحَفُ باستحياءٍ مُحاوِلًا أن يَنفُذَ بينهم؟ هل هو ثُعبانٌ يزحفُ باستحياءٍ لينفُذَ بينهم؟ وإن كان ثُعبانًا كيفَ كانوا يُحيطونهُ في شَكلِ دائرة؟ هل لهم كراماتٌ للثعابين التي تعيش في جمعيتهم (المتواضعة)؟ ولماذا ” كانوا يَخفِضُونَ بِسُرعةٍ إيديَهم المُتشابِكَةَ ويجلسونَ القُرفُصاءَ حولَهُ مُسَلِّطِينَ عليهِ نظرَتَهم التي لا تُعَبِّرُ عن شَيْءٍ بِعَينِهِ ولكنَّها لا تتزَعْزَع”.. أيُّ ثُعبانٍ هذا ؟ لا .. لا يمكنُ أن يكونَ ثُعبانًا .. حتمًا الذي يزحفُ بينهُم، والذي يحتفِلونَ بِهِ وتتشابكُ أيديهم مُتحَلِّقِينَ حَولَهُ، ويجلسونَ القُرفُصاءَ لهُ (مُسَلِّطِينَ) عليهِ نَظْرَتَهُم المَيتة ، وهم يبتسِمونَ ابتِسامةً فيها لَمَحاتُ الطُّفولة.. هو.. نعم هو.. الضَّوء.. شعاعُ نُورِ القمر الحقيقي، ومَجازًا الأمَل. آه يا ناتالي .. أبكَيْتِني وأنا أكتُبُ بعد أن أبكَيْتِني وأنا أقرأ. هذهِ ليست قِصَّةً أيتها النحلة، إنها بِدْعةٌ تَخَطَّيتِ بِهِا مفهومَ الإبداع السردي في خلايا القص الشاهقة. فأفكارُكِ على قارعة الورد، لكن عسلكِ خاص.
هكذا عِشنا دقائقَ مع ساروت في (انفعالَين) أحاولُ أن أتماسَكَ أمامَهما لأبدأَ قياسَ إبداعِها،.. أيّ قياسٍ وأيّ تقيِيمٍ يناسبُ هذا الكَمَّ الكَيْفِيَّ للإبداعِ السَّردِيِّ المُتحَقِّقِ مِنَ القِراءةِ الأُولَى؟!
ورغم ذلِكَ .. يحقُّ لنا ذلك لكن، علينا أن نؤكِّدَ أوَّلًا ـ كما ذكَرتُ ـ أنَّهُ رغم تبايُنِ فِكرَتَي الانفعالَيْن (القِصَّتَين) وتَبايُنِ مُعالجَتَيهما، إلا أنَّ ثباتَها الانفعاليَّ (عفوًا هذا مجازًا لي) ثباتٌ لا يمكنُ لِمُتَلَقٍّ عادِيٍّ أن يُفَرِّقَ بينَ مستوى إبداع القصة (19) والقصة (24) . وهنا تَكمُنُ عبقريَّةُ ساروت، التي نادرًا ما نجدُها في المبدعينَ الذين غالبًا ما تتفاوَتُ أعمالُهم ـ كما ذكَرنا ـ لِتَفاوُتِ نِسَبِ الصِّدقِ الأدبيِّ والإخلاصِ الخِبراتِيِّ للإبداعِ مِن عملٍ لآخَر.
القياس:
العنوان: 5 % مِن 5%
الفكرة: 10% ” 10%
البداية والخاتمة: 5% ” 5%
الزمان والمكان: 5% ” 5%
الحَدَث: 35% ” 35%
الشخوص: 10% ” 10%
المُعالَجة: 19% ” 20%
المُفردات والتراكيب: 5% ” 5%
الكَثافة: 5% ” 5%
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المجموع: 99%

الضياء: ضوء الشمس (نور النهار)
النــور: نور من القمر (نور الليل)

الظــلام: ذهابُ النور (النور كان موجودًا)
الظُّلمة: غيابُ النور (سوادُ الليل)

كما ترَون فقد أنقصتُ 1% مِن المفردات والتراكيب اللفظية فقط لاغير، التي قد تكونُ نقصًا في الترجمة من الفرنسية إلى العربية ، رغم الدِّقَّةِ التي تبدو عليها في استخدام كلماتٍ مُتَمِّمَةٍ مِثل الضِّياء والنور ، والظلام والظُّلمة في القصة (19). الضِّياء الذي يعني من المصدر المباشر (الشمس)، والنور من المصدر غير المباشِر (القمر). والظَّلام وهو ذهابُ الضَّوءِ؛ أي إنَّ الضَّوءَ كان موجودًا ثم ذهبَ فجأةً أو تدريجيًّا. والظُّلمةُ هي غيابُ الضَّوء.
لكن في القصة (24) هناكَ جُملةٌ لم أمُرَّ عليها مرورَ الكِرام، وأتجاهلها بعد ذلك ليقيننا بأنَّ هؤلاءِ الشُّخوص هم مَرضَى الجُذام المحجوزونَ في مُستعمَرَتِهِم بعيدًا عنِ الأصِحَّاء لِضراوة هذا المَرَض، الذي يُفَرِّقُ بين الابنِ وأُمِّه، عندما قالت ” كان بعضُهُم يَنعَمُ بِقَطعِ إعلانِ الصحيفةِ مُبَيِّنًا بِذلكَ حاجةَ أُمِّهِ إلى خَيَّاطةٍ باليومية”، فقد كانت تساؤلاتي الأولَى قبلَ القياس ما هِيَ حِكاية هذه الأُم؟ ولماذا يسعَدُ بعضُهم بما قالته؟ و…إلخ. حيث إنني لم أجد لهذه الجملة قيمةً داخلَ القصة، إذ كان يُمكنُ حذفُها. رغم أنَّ البعض قد يقول بعدَ فَضِّ بكارةِ غموضِ القصة إنها تؤكِّدُ أنَّ هؤلاء المرضَى هم أطفالٌ فقط، وقد وُظِّفَت تلك الجُملةُ لتؤكِّدَ أنهم في مكانٍ وأهليهم خارج هذا المكان الذي تبحثُ فيهِ إحدى الأُمهات عن خَيَّاطةٍ باليومية في الجريدة التي يستطيع فيها هذا الطفل الابن المُتَعَلِّم أن يقرأ إعلانَ أُمِّهِ ويسعَدَ ويَنعَمَ بذلِكَ أمامَ أقرانِهِ المرضَى ليُثبِتَ أنَّهُ يرَى بسُهولةٍ، وأنَّ نَظَرَهُ مَكَّنَهُ مِن ذلك. رغم قناعتي أنَّ مِن حَقِّهِ فِعلًا أن يَنعَمَ بِنَظَرِهِ وسط زُملائهِ الذينَ يَرَونَ مِثلَهُ. لكن.. رغم كُلِّ ما أحدَثَتْهُ هذه الجُملةُ مِن إضافاتٍ للقِصَّة، إلا أنها كانَ من المُمكِنُ الاستغناء عنها في السِّياق والمُعالَجة. وكانَ يكفيها أن تقولَ في نهايةِ القصة ” وهُم يبتسِمونَ ابتِسامةً فيها لَمَحاتُ الطفولة” لتُؤكِّدَ طُفولتَهم بها. بل أكادُ أرى أنَّ حَذْفَها، واستبدال كلمة (لمحات الطفولة ببراءة الطفولة)، ليكونَ المَرضَى المذكورونَ مَرضَى فقط، ولا يُهِمُّنا أعمارُهم، فالبراءةُ تشملُ الجميع في أوقاتٍ مُحَدَّدة.
على أيةِ حالٍ قد يكونُ لها أبعادٌ أُخرَى خافيةٌ عن المجتمع العربي، فهناكَ بعضُ المفاهيم التي تخُصُّ مجتمعاتٍ بعينِها، لا تعيها المجتمعاتُ الأخرى. وقد يكونُ غير ذلك. لذلك قد ذَكَرْتُ أنها قد تكونُ بِسَبَبِ الترجمةِ البحتة، التي نادِرًا ما يهتمُّ المُترجمون بها باعتبارِها حذافيرَ لا مجالَ لها في تأويلِ العملِ الإبداعي. وقد يتساءل سائل عن سبب تقييمي لقصص ساروت، بنفس معايير القصة التقليدية، رغم الفرق الشاسع بينهما. لذلك وجب التنويه، بأن انفعالات ساروت، تحمل نفس عناصر ومقومات القصة القصيرة، لكن بشروطها هي، كما سيتضح حالًا ذلك، ضمن كلماتي الباقية التالية.
-​بَقِيَتْ كلمة أو يزيد، أراني قد أرجأتُها، لأكثرَ من سبب. أولها، حتى لا أفسد على القارئ تلقيه لأدب ناتالي ساروت كما أراد المترجم فتحي العشري، وبين ما أرادته ساروت نفسُها لأدبِها. وثانيها لقناعتي الكاملة بوجهة نظر الكاتب والناقد فتحي العشري لا المترجم. فانفعالاتُ ساروت بترجمة العشري، هي انتحاءاتٌ بلغة ساروت. وقصص “انفعالات” القصيرة جدًّا برؤية العشري الأدبية سنة1971، (وقت ترجمتها ونشرها) هي رواية بمفهوم ناتالي ساروت سنة 1932، 1938(وقت كتابتها ونشرها على الترتيب). فالروايةُ الجديدة- التي أسَّسَتْها ساروت مع مجموعةٍ من الأدباء الفرنسيين( كلود سيمون وآلان روبي- جيرلت ومارجريت دوراس) – هي الرواية التي جعلت من شخصياتها شخصيات موضوعة في ظروف لا يشرحها لنا الكاتب، والأشياء موجودة، ولكن الكاتب لا يكشف لنا عن كُنْهِ العلاقةِ القائمةِ بينَها وبين الإنسان. والأحداثُ موجودةٌ ولكنَّ القارئَ لا يعرفُ لماذا وقعتْ وكيف وقعت. كُلُّ ما في الأمر، أنَّ هذا الوجودَ خَفِيٌّ وغيرُ مَرئِيٍّ لأنه كامِنٌ وراءَ جدارِ اللا حقيقة كما يقول سارتر. لذا.. فانتحاءاتُ ساروت لا انفعالاتُها، التي هي أوَّلُ مَن استخدمَ -من المثقفين -ذلك المصطلحَ العلميَّ، الذي يعني في الطب (النبض أو الخفقان)، لم يكن له، وقتَ ترجمةِ العشري، أيُّ ترجمة، إلا في اللاتينية. وأراهُ قد ترجمَها بتصرُّفٍ مناسب. لكن.. ربما قد أرادت ساروت بانتحاءات Tropismes( التي تخص النبات وحده) -والتي تعني تفاعلات النبات وحيويته ونموه بمصادر النماء المختلفة له، كالضوء والماء والاستطالة في اتجاه الجاذبية الأرضية تحت الأرض، للجذور، أو ضد الجاذبية فوق الأرض للسوق والفروع. هذا النمو الذي لا يحدث بآليَّةِ عضلاتِه وأعصابِه، كالكائناتِ الحيةِ الأخرى، وإنما بآلياتِهِ الباطنيةِ الخاصةِ بِهِ هو، التي أودعها اللهُ سبحانَهُ وتعالى إياها- أنها انفعالاتٌ إيجابيَّةٌ فقط. باعتبار أن انتحاءاتِ النباتِ، جميعَها انفعالاتٌ حصريةٌ للرُّقِيِّ والسُّمُوِّ والنَّماء. على أيةِ حالٍ للمترجِمِ الأديبِ مُخرجاتُهُ اللُّغوية، التي ينتقيها بإخلاصٍ طبقًا لقناعاتِه، التي أراه قد وُفِّق فيها إلى حدٍّ ما. وأرى أنه قد وُفٍّقَ كذلك باعتبارِ انتحاءاتِ ساروت وانفعالاتِه هو، قصصًا قصيرة جدًّا، رغم أن ناتالي ساروت قد كتبتها كروايةٍ كما هو معروف وكما أقر العشري بذلك. ذلك التوفيق الذي حالفه، جاء بعد أن استقرت ملامحُ ومعالمُ القصةِ القصيرةِ الغربيةِ الحديثة. وللقارئِ أن يقرأَ “انتحاءات” بمفهوم الرواية لساروت، أو بمفهوم القصة القصيرة جدًّا، ليتأكد أنها قصصٌ قصيرة وحديثة جدًّا، متباينة الرؤى والأفكار ومنفصلة الشخوص والأحداث، بصياغة تيار الوعي أو اندفاق الوعي، الذي أراه بوضوح تيار اللاوعي، الذي ينتظر فيه الكاتبُ مشاركةَ القارئِ الوجدانيَّةَ الكاملةَ لَهُ في كُلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ مِن إبداعِه، دونَ أنْ يُدرِكَ القارئُ ذلك، ودونَ أنْ يَسعَى المبدعُ إلى ذلك كذلك.
-​يقول الناقد والكاتب والمترجم الكبير فتحي العشري: إن ساروت تستخرجُ رواسبَ الماضي والحاضرِ والمستقبلِ من أحشاءِ اللاشعور، وتطرحُها على الورق. هي لا تستخدم العبارةَ مطلقًا.. إنها تنثرُ الكلماتِ القصيرةَ أحيانًا والمتقطِّعةَ أحيانًا. فهي تفتحُ مَسام النفْسِ لتفرزَ ما بداخلِها. إنَّ جِدارَ اللا حقيقة الذي شيَّدَتْهُ ساروت يُخفِي وراءَه مآسِيَ حقيقيَّةً هِيَ الحقيقةُ نفسُها.

-​وفي نهايةِ هذه الرِّحلةِ القصيرةِ التي استمتعتُ فيها بإبداعاتِ مُبدِعِينَ كبارٍ علَّمونا الحكمةَ والنَّقدَ وأحاطونا بِقِيَمِهِم وأخلاقِيَّاتِهِم حِرصًا منهم على إمتاعِنا أَوَّلًا، وعلى تحسينِ جَودَةِ حَيَواتِنا التي لا تستقيمُ إلا بوجداناتٍ سليمةٍ تتحمَّلُ الحياةَ ورَذائِلَها. فشُكرًا لهم كُلٍّ باسمِهِ.
وأعتذِرُ لقارئِ هذه الأُطرُوحةِ البسيطة لقياسِ الإبداعِ الأدبيِّ عن عَدَمِ قياسِ الإبداعِ الأدبيِّ لبعضِ القصصِ القصيرةِ جِدًّا أوالومضات القصصية، بمفهومها العربي الآني لِتَشَبُّعِي بِقراءةِ انتحاءَتَي ساروت وكِتابتِي عنه، حيثُ إنَّ مفهومَ القصةِ القصيرةِ جِدًّا عندَ مُبدِعيها أو الومضة، وأنا منهم، ونماذجها المطروحة بالساحةِ لا تستهويني للكِتابةِ عنها، خاصَّةً وأنَّ ناتالي ساروت ـ مِن وجهة نظري ـ هي رائدةٌ مِن روادِ القصةِ القصيرةِ جِدًّا شكلًا ومضمونًا، لا بمساحة القصةِ عندها طولًا وعرضًا، ولكن بسُمكِها، أي بحجمِها، وكثافتِها واكتِنازِها وحَبكَتِها التي تَتَّسِمُ بالديناميكيَّةِ الحُرَّة، التي تتحرَّكُ في الاتجاهات الأربعة مع كلِّ عبارة، بينما يكون القارئ غارقًا في بحرِها الهادرِ، الذي تتلاطمُ أمواجُهُ، مختلطةً بدموعِهِ الفَرِحَةِ أو المجترحة على وجدانِهِ الأعظم.
وعلى العموم، إن كان كُتَّاب القصة القصيرة جدًّا بذلك الابتسار الملاحظ على غالبيتها، يتصورون أنه كلما قَلَّت كلماتهم كلما كانت قصصُهم قصيرةً جدًّا، فهذا خطأ كبير. فالعِبرةُ ليست بعددِ الكلماتِ فقط. وإنما بعدد الكلماتِ التي تحمِلُ في طيّاتِها عنوانًا دالًّا واستهلالًا جذّابًا وأشخاصًا فاعلة، وحدثًا جَللًا مثيرًا، وخاتمةً مدهشةً، من شأنها أن تدفعَكَ لإعادةِ قراءتِها مَرَّةً ثانيةً أو أكثر. وما أعظمَهُ هيمنجواي مؤسس القصةِ القصيرةِ جدًّا سنة 1925، الذي قال في سِتِّ كلماتٍ، أقصرَ قِصَّةٍ في العالم: “إعلان”:
“للبيع.. حذاءٌ لطفل، لم يُستَعْمَلْ قَطّ”. نَعَم.. هذه قصةٌ قصيرةٌ بكُلِّ مُقَوِّماتِ فَنِّ القَصِّ القديمِ والحديث، التي تحدَّى فيها هيمنجواي نفسَهُ قبل أن يتحدى أصدقاءَه. وليتأمل القارئ الأسئلةَ التي تطرحُها قصةُ الكلماتِ السِّتِّ. هل الحذاءُ جديدٌ؟ لم يستعملْهُ ذلك الطفل ولا غيره قَط؟ أم قديمٌ ولم يستعملْهُ ذلك الطفلُ فقط؟ ومَن هو البائع؟ أَهُوَ أبوه؟ أم أمُّه؟ أم أحدُ أقارِبِه؟ أم هو الطفلُ نفسُهُ الذي يبيعه؟ ولماذا يبيعه البائع أيًّا كان ذلك الحذاء؟ وأيًّا كان هذا البائع؟ ولماذا لم يستعملْهُ الطفلُ سواء كان جديدًا أم قديمًا؟ وهل مات هذا الطفلُ، لذا يبيعُهُ مَن يبيعُه؟ أم أنَّ الطفلَ حَيٌّ لكنَّهُ مشلولٌ؟ أو مريضٌ مرضًا أقعدَهُ ومنَعَهُ من المشي؟ أم أن البائع يبيعُهُ لأنَّ مقاسَهُ أكبرُ أم أصغرُ من مقاس الطفل؟ أم رفضَهُ الطفلُ لقُبحِهِ أو لِلَونِهِ الذي لا يُحِبُّه؟ أم يبيعُهُ البائع لحاجةٍ ماسَّةٍ إلى ثمنِه؟ وما ثمنُهُ المناسبُ المتوقَّع؟ وهل سيجدُ البائعُ مَن يشتريهِ بسهولةٍ بهذا الثمنِ المناسب؟ وهل من الطبيعيِّ أن يقومَ أحدُنا الآن بالإعلان- بأيَّةِ وسيلة من وسائل الإعلان- عن بيعِ حِذاءِ طفلٍ أو أيِّ حذاءٍ لأيِّ سبب؟…؟
أسئلة هائلة تتفجر من بين صلب وترائب هذا المولود الحَيِّ السَّويِّ على مستوياتٍ إنسانيَّةٍ عديدةٍ، تجعلُنا شركاءَ متضامنينَ في هذه الحالة الغريبة من التكافلِ الاجتماعي الثقافي الفريد. وبين التعاطفِ والتوتُّرِ المحمودِ مع كُلِّ سؤالٍ؛ نكتشفُ أننا، نزدادُ يقينًا بأن تلك القِصَّةَ كاملةُ النُّمُوِّ وليست مبتَسَرَة. وأنَّ ذلك الإبداعَ هو إبداعٌ خالصٌ لوجهِ الإبداع. فأحد تعريفاتي للإبداع: أنه تساؤلات هائلة؛ لا ننتظر إجابةً لها أبدا.

-بَقِيَ أنْ أُؤكِّدَ على أنَّ قياسَ الإبداعِ الأدبيِّ ، مِنَ المُفتَرَضِ أن تَختَلِفَ مَعايِيرُهُ وعناصِرُهُ مِن ناقِدٍ لآخَرَ طِبقًا لِقناعاتِهِ، التي قد تَتَبايَنُ قِيَمُها، إلا أنَّ مُحَصِّلَةَ تلكَ المَعاييرِ النظريَّةِ المثاليَّةِ (مجموعها) يجب أن يكون مئةً بالمئةِ. فقد لا يكونُ للعنوانِ أهميَّةٌ عندَ ناقِدٍ، أو أهميَّتُهُ صغيرة، وتكونُ عندَ آخرَ أهمية أكبر بدرجةٍ أكبر.. وهكذا، بغَضِّ النَّظرِ عن أَولَوِيَّاتِها. وهنا تكمُنُ مُرُونتُها وحَيَوِيَّتُها، مِمَّا يُعطيها فُرصَةً للتنامِي والتطوُّر، إلى أن نصِلَ بها للمُستوَى المتميزِ الذي نسعَى إليه. والله من وراء القصد.
ض. ط

 

الأجزاء السابقة

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الجزء الرابع

الجزء الخامس

الجزء السادس

الجزء السابع

الجزء الثامن