مهندس ضياء طمان
مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.
8- يحيى الطاهر عبد الله-رحمه الله
تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد.
يحيى الطاهر عبد الله- رحمه الله
البكاء
قطع رجلٌ -ذاتَ يومٍ – بقضيبٍ من حديدٍ ذيلَ حَيَّةٍ، فهربتْ من بيته، واحتمت ببيتِ أرملةٍ عجوز.
قالت الأرملةُ العجوز- وكانت حكيمة- لنفسِها:
” حياتي في دجاجاتي.. فأنا أقايضُ صاحبَ الدكانِ- يأخذُ البيضَ ويعطيني كيسَ الشاي وقرطاسَ السُّكَّرِ وعُلبةَ الكبريت.. كذا الزَّبّال يأخذُ زِبْلَ دجاجي ويعطيني الإبرةَ وشلةَ الخيطِ وحَفنةَ المِلحِ وحباتِ الفلفل.. والحَيَّةُ رفيقةُ قبر، وهي في الدنيا رسولُ موتٍ بخاخةُ سُم بنات قاتل.. الحَيَّةُ تحبُّ البيضةَ مطبوخةً بالبصل. سأطبخُ كُلَّ يومٍ بيضةً بالبصل.”
هذا ما فعلتْهُ العجوزُ من أجلِ الحية. وعلى هذا الحال مرت الأيام. وفي يومٍ باضت الحيةُ بيضَها الأرقط.. أخْفَته كما تفعلُ كُلُّ حيَّةٍ أُمٍّ.. ثم جاء يومٌ وطلعتْ ديدانٌ تتلوى تحت أرجلِ الدجاحِ الآمِن. وماهي إلا أيامٌ- وإذا بالديدانِ حياتٌ تَسعى في أركانِ البيتِ الآمِن. ويوم.. وجدت الأرملةُ العجوزُ دجاجةً قتيلةً- قعدتْ على ترابِ الأرضِ، والدجاجةُ القتيلةُ في حِجرِها وظلّت تبكي ضعفَها وخيبةَ حِكمَتِها، وهوانَ أرملةٍ عجوزٍ أجبرَها الزمانُ على مواجهةِ صغارِ حَيَّةٍ مقطوعةِ الذيل. أما الحيةُ التي قَطعَ رَجُلٌ ذاتَ يومٍ ذيلَها بقضيبٍ مِن حَديد- فقد لَمَّتْ صِغارَها وشمَّتهم الواحدَ بعدَ الواحدِ وكانت قد شَمَّتِ الدجاجةَ المقتولةَ، ولمّا تمكنتْ من فاعلِ الفعلةِ أطبقتْ على عنقِهِ بأسنانِها ومنعتْ عنه الهواءَ، ولم تتركْهُ إلا جثةً بغيرِ رُوح، ثم فارَقَتِ الحَيَّةُ الوفيَّةُ المكانَ يتبعُها صِغارُها إلى عراءٍ رَحْبٍ لا أمانَ فيه. بينما الأرملةُ العجوزُ- في جُحرِها الضَّيقِ- مع دجاجاتِها وقتيلينِ ولا تعرفُ متى تتوقفُ عن البكاء. هكذا تم الفراق.
-البكاء البكاء البكاء.. لآلئ البكاء للوركا وليحيى الطاهر وغيرهم. حقًّا.. إن إبداعَ الألم إبداعٌ يفوق الألم.
– البكاء
تُحفةٌ من تُحَفِ المبدع يحيى الطاهر، قاص الربابة وشاعرها الأمين. يتجولُ في نجوعِ وعِزَبِ وكفورِ وقُرَى وحواكيرِ الروحِ، حاملًا على ظَهرِ وجدانِهِ صندوقَ الدنيا والآخرة، المملوءَ بالحواديتِ القديمةِ الجديدةِ، البائتةِ الطازجةِ، الغامضةِ المباشرةِ، المقعرةِ المحدبةِ المستويةِ، الواقعيةِ الخرافيةِ الأسطوريةِ، الشعبيةِ المحليةِ العربيةِ الدولية، … ، التي تَشعُرُ فيها بأنك بعُمرَين.. طفل وشيخ.. لكنك في العمرين بريءٌ. براءةَ الطفلِ، وبراءةَ الشيخ. طفل بلا ذاكرة، وشيخ بخبراتٍ زاخرةٍ بالحنينِ والأنينِ والقِيَم،،،. هكذا أتعاملُ مع حكاياتِ وملاحمِ وقصصِ يحيى الطاهر المَهيبةِ عديدةِ الأبعاد.. نَعَم قصص.. ومَن قال غيرَ ذلك؛ فليُلاقِنِي خلفَ هذا التقييم.
فـ”البكاءُ”، كما أراها، حدُّوتةٌ ليست ملتوتة، ينقلنا فيها يحيى الطاهر إلى عالمِه السحريِّ الخاص بخبراتِهِ الإنسانيةِ الكبيرةِ ورؤيتِهِ الأكبر، ليعيدَنا إلى سيرتِنا الأولى مع جَدَّاتِنا وفقرائنا في قرى الصعيد، الذين يَبْرَعُ في تصويرِ حيواتِهِم القديمةِ، بتقنياتِه الدقيقةِ الحديثةِ الخاصة. فالحيةُ المقطوعُ ذيلُها- ذاتَ يومٍ – بقضيبٍ من حَديدٍ في بيتِ رَجُلٍ، عاشتْ ممتنَّةً مع أرملةٍ عجوزٍ فقيرةٍ، لِوَجْبَةِ البيضةِ المطبوخةِ، التي تقدمُها يوميًّا لها؛ اتِّقاءً لشرِّها ولِمُرافَقَتِها وحدتَها في الدنيا والآخرة، بمبرِّراتٍ تُعفيها- أمامَ نفسِها- مِن تُهمةِ المَكْيَافِيللية والبراجماتية، وأمام متلقيها. ذلك حتى يجد هذا المتلقي المبرٍّرَ هو كذلك للتعاطفِ معها، رغم قسوةِ تلك العلاقة الشاذة. بل والتعاطف مع حَيَّةٍ مقطوع ذيلُها، التي تنتقم مِمَّن قَتلَ إحدى دجاجاتِ الأرملةِ العجوز- بعد أن شَمَّتِ الدَّجاجةَ المقتولةَ وعرفتْ مَنِ القاتل- وفاءً وعرفانًا بجميلِها لسكَنِها الآمنِ ووجبتِها اليوميةِ المطبوخة. ويتضح من سياق القصةِ أن الذى قتل الدجاجةَ هو أحدُ صغارِ الحَيَّة. ورغم ذلك فقد قَتَلتِ الحَيَّةُ صغيرَها الخائنَ للأمانة، دفاعًا عن قيمةِ الوفاء. مِمَّا يضطرها وصغارَها إلى اتِّخاذِ قرارٍ مُصاحِبٍ لقرارِ قَتْلِ صغيرِها، وهو تَرْكُ جُحْرِ الأرملةِ الآمِنِ ، إلى عراءٍ واسعٍ مخيفٍ، بعدَ انعدامِ الثقةِ المتوقَّعِ من الأرملةِ تجاهَها والصغار، تاركةً إيَّاها وَحدَها مع قتيلين.
نعم هكذا يسرد علينا المبدع يحيى الطاهر أحداثًا جِسامًا ورؤىً عامرةً بالفقرِ والوحدةِ والوحشةِ والوفاءِ والخيانةِ والعَطاءِ والحُرِّيَّةِ والشَّهامةِ والحُزن. رؤىً عطَّلتْ مفاهيمَ ومَورُوثاتٍ راسخةً عنِ الحَيَّةِ وصِغارِها الأراقط. مؤكِّدًا لنا أنَّ الوفاءَ مربوطٌ بالعطاء، حتى مع الوحوشِ والأكاسرِ والحَيَّاتِ المقطوع ذيلُها، التي قد ترمز إلى أنها حيةٌ بها بعضُ الشرِّ الذي يمكن ترويضُه، كما روَّضَتْها الأرملةُ بعطائها البسيط. يكفي أنَّ الراوِيَ الغامضَ المثيرَ قد شكَّكَنا أكثرَ مِن مَرَّةٍ بأكثرَ مِن طريقةٍ في قاتلِ الدَّجاجةِ، رغم أنَّ كُلَّ الاتهاماتِ والقرائنِ والدلائلِ تُشيرُ إلى أنَّهُ أحدُ صِغارِ الحَيَّة. لكن أن يستهلَّ الراوي قصته بـ “قطع رجل- ذات يوم- بقضيب من حديد ذيل حية، فهربت من بيته- واحتمت ببيت أرملة عجوز” ثم يعيد تلك الجملة بتصَرُّفٍ قائلًا- قبل أنْ تَلُمَّ الحَيَّةُ صغارَها وتَشُمَّهُم- “أما الحَيَّةُ التي قَطَعَ رَجُلٌ- ذاتَ يومٍ- ذيلَها بقضيبٍ من حَديد”، فهذا التكرار له حتمًا مَغزاهُ عند الراوي. فهل التكرارُ إشارةٌ إلى أنَّ هذا الرجلَ الذي قطعَ ذيلَ الحَيَّةِ هو قاتلُ الدَّجاجة؟! لكنْ لماذا قتلها؟! وكيف؟! بل كيف دخلَ بيتَ الأرملة؟! وهل دَخَلَهُ في غفلةٍ من الأرملةِ بأيِّ شكلٍ، ليقضِيَ على الحَيَّةِ تمامًا، بعد أن فَشِلَ أوَّلَ مَرَّةٍ ولم يتمكن فيها إلا مِن قَطْعِ ذيلِها فقط؟! وهل قتلَ الدجاجةَ خطأً، أثناءَ محاولتِهِ قَتْلَ الحَيَّةِ أو صغارِها؟! و إنْ كان ذلك مستبعدًا، لماذا ذكرَ الراوي بالتفصيلِ أنَّ رَجُلًا قطعَ ذيلَ الحَيَّةِ بقضيبٍ من حَديدٍ ذاتَ مَرَّةٍ وهَرَبَتْ مِن بيتِه؟! ولماذا كرَّرَ إبرازَ شخصيةِ هذا الرجلِ مَرَّةً أُخرَى كُلَّما ذكرَ الحَيَّةَ المقطوع ذيلُها؟!
تساؤلات قد أكونُ بالَغتُ في تعدادها، رغم يقيني ويقينِكم بأنَّ أحدَ صغارِ الحَيَّةِ هو الجاني. ومع ذلك يظل لغزُ هذا الرجلِ قائمًا. فهل أراد يحيى الطاهر أن يقارنَ بين الرجلِ الذي قطعَ ذيلَ الحَيَّةِ مِمَّا يَدُلُّ على قُوَّتِهِ وحَسمِهِ للأمورِ بعقلِه، وبينَ المرأةِ التي أرادتْ أنْ تستفيدَ بالحَيَّةِ في دنياها، لتؤنِسَها في وحدتِها، وفي أُخراها كرفيقةِ قَبرٍ كما ذكرَ الراوي على لسانِها، مِمَّا يدلُّ على حِكمتِها وتعاملِها العاطفِيِّ مع كُلِّ أمورِها، مِمَّا أَدَّى إلى بكائِها الذي لا تعرف متى يتوقف؟ أسئلة أحاطت بالمعالجة الثرية التي حَبَكَها الراوي مع شخوصه وقارئيه المتذوقين لأدبه، وسامِعِيهِ الأميينَ، الذينَ كان يحكيها ويحيكها لهم بصوتِه، هي وغيرها، تاركًا مخطوطاتِها هنالك في كُتَّاب النيل.
وأيًّا كانت إجاباتُ هذه التساؤلاتِ بالسلبِ أو بالإيجابِ، يكفينا أن هذه الحدوتةَ الثمينةَ، قد أثارت تلك الشجونَ والتصورات. ويكفي أن المتلقي قد رأى وجهًا آخرَ لشرٍّ ساكنٍ في حَيَّةٍ فقدتْ ذيلَها لكنَّها لم تفقدْ رأسَها وسُمَّها، أوفت لمن آمنها، وأمَّنَها. وبِيَدِها لا بِيَدِ عَمْرو قَتَلَتْ وليدَها الذي قتلَ دجاجةَ الأرملةِ العجوز، التي لم تتوقفْ عن البكاءِ حتى ساعتِه. مِمَّا جعلَ المتلقي يتعاطفُ مع الحَيَّة، ربما أكثرَ مِن تعاطُفِهِ مع الأرملة. وبتلك الخاتِمةِ يُنهِي يحيى الطاهر عبد الله قصةَ البكاءِ الذي لم ينتهِ بعد. وتبدأ مع هذه الخاتمةِ تساؤلاتٌ جديدة، أجابت عليها آخِرُ جُملةٍ أوْدَعَها يحيى الطاهر الطيب فجأةً، ناصعةً في عقولِ متلقِّيه المُنهَكَةِ قائلًا: “هكذا تم الفراق”. بتلك الجملة عَرَفنا أنها لن تتوقفَ عن البكاء. فلو لم يقُلْها، لَتَصَورنا أنها تبكي على الدجاجةِ التي قُتِلتْ، أو ندمًا على ضعفِها وخيبةِ حكمتِها، أو خوفًا مِن عَيْشِها وحيدةً مرةً أُخرَى، أو على قيمةِ الوفاءِ الضائعة. كل تلك الأسبابِ مجتمعةً، تجعلُها تبكي ولا تعرفُ متي تتوقفُ عن البكاء. لكن.. عندما يُصِرُّ الراوي ويؤكدُ بوضوحٍ في آخرِ جملةٍ في حكايتِه، أنه: هكذا تَمَّ الفِراق. إذن هو ذاك السبب الوحيد.. الفِراق.. هي تبكي فِراقَ الحَيَّةِ وصغارِها لها، رغم قَتْلِ دجاجتِها. الفراق للأحباب، الذين عاشرناهم وعاشرونا لأيامٍ أو لسنين، واعتدنا على وجودِهِم في حياتِنا، سبب كافٍ لأنْ نبكي ولا نتوقف عن البكاء. الآن أعِي تمامًا أن الأرملةَ العجوزَ لن تتوقفَ عن البكاء. إلا إذا كان يحيى الطاهر عبد الله -كَراوٍ مُطَّلِعٍ على شخصياتِه – يعلم أن الحَيَّةَ المقطوع ذيلُها، رسول الموت، رفيقة القبر، ستعود لتعيشَ مرةً أخرى مع الأرملةِ العجوز. وحينَها فقط تتوقفُ تمامًا عن البكاء.

وكم كنت أتمنى ألا أعرف متى تتوقف الأرملةُ العجوزُ عن البكاء، لأظلَّ مشدُوهًا لمعرفةِ السببِ الذي يستحقُّ ألا تتوقف هذه الأرملةُ عن البكاء. لكن الراوي الذي يعطي لنا مفاتيحَ خواتيمِهِ بهذه السهولةِ هو ذلك الراوي الشفيقُ الذي لم يتحملْ بكاءَ أرملتِهِ العجوز، فقرَّرَ أن يشاركَها ويشاركَنا في سِرِّ هذا البكاءِ وموعدِ توقُّفِه.
ورغم تفاعلي الإيجابي مع البكاء ليحيى الطاهر، أرى بعضَ المآخذِ الواضحةِ عليها وهي:
-لماذا قال بجلاءٍ: ظَلَّتْ تبكي ضعفَها وخيبةَ حِكمَتِها؟ هذه الجملة تُناقض خاتمةَ القصةِ التي أطْلَعَتْنا على سِرِّ بكائِها الآخَر الحقيقيِّ كما أسلفنا الذكر. إذَن هي نقطةُ ضعفٍ أفسدتْ توجُهاتِ القصةِ الأصليةِ كما أوضحنا منذ قليل.
-ولماذا ألصق كلمةَ “الوفية” للحَيَّةِ بهذه المباشَرة ” ثم فارقَتِ الحَيَّةُ الوفِيَّةُ المكانَ”؟ فالقارئ وَحدهُ هو الذي يقرِّرُ إنْ كانتْ وفيةً أم لا. فلقد مارسَ الراوي -كسابقيه كما ذكرت – تَعالِيَهُ على المتلقي، وأَعْلَمَهُ بِعِلمِهِ الغزيرِ أنَّ الحَيَّةَ وَفِيَّةٌ. مَن يؤكدُ ذلك سواه؟ وحتى إن توصلَ القارئُ إلى هذا الوفاء، لماذا تُمْلِي أنتَ عليهِ ذلك؟ دَعِ القارئَ والمُنصِتَ وشأنَه. فَجَعْلُ المتلقي مشاركًا للمبدعِ في استكمالِ النواقصِ أو في إظهارِ الخَوافي إبداعٌ للإبداع.
-ويظلُّ الرجلُ -الذي قطع ذيلَ الحَيَّةِ بقضيبٍ من حَديدٍ ذاتَ مَرَّةٍ، وتكرَّرَ ذِكْرُهُ مَرَّتينِ ملتصقًا بالحَيَّةِ التي قَطعَ ذيلَها – مستعصيًا على احتسابه شخصيَّةً أصيلةً مؤثرةً ومحركةً للأحداث، رغم اجتهادي الذي ذكرتُه في موضعٍ سابقٍ من هذا التقويم. وأرى أنَّه كان من الأوفرِ حذفُه، والاكتفاءُ، بدخولِ الحية المقطوع ذيلها بيتِ الأرملةِ بلا مقدماتٍ، بلا رَجُل. أما إن تعمَّد الراوي حضورَهُ كشخصيةٍ رئيسةٍ من شخصياتِ القصة؛ لمراوغةِ المتلقي وإثارته وتشتيته، بإلقاء الضوء عليه مرتين- كما أوضحت من قبل- ليظلَّ فقط موضعَ شَكٍّ أو شُبهةٍ أو تساؤلٍ عن ماهيتِه ودورِهِ في الأحداث- من أول الحكاية إلى آخرها؛ فهذا لَعِبٌ بوجدان المتلقي، نرفضُهُ مرتين كذلك. مرةً لالتفافِ الرجلِ على المتلقي دونما ضرورة فنية، ومرةً لالتفاف الراوي على المتلقي دونما رؤية فكرية.
-بَقِيَتْ نقطةٌ مُهِمَّةٌ أراها نقطةَ ضعفٍ كبيرة، بل أراها سقطةً كبري من السقطاتِ الفنيةِ التي لم أتصور أنْ يقعَ فيها راوٍ محترفٍ قديرٍ كـَ عبد الفتاح يحيى الطاهر عبد الله- فعبد الفتاح اسمه الأول. ورغم وجودها في مدخل القصة، إلا إنني أرجأتُها لأهميتها، ولانتشارها في كثيرٍ من الأعمال الأدبية وفي كثيرٍ من سيناريوهات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات. ألا وهي حديث الشخصية لنفسها أو لغيرها من الشخصيات، عن حدثٍ أو أحداثٍ أو ذكرياتٍ معينة، من المفترض ألا يتم الإفصاح عنها للمتلقي في وقتٍ ما، وهي أساسًا من المفترض أن تكون معروفةً وراسخةً في ذاكرة الشخصيةِ أو الشخصياتِ التي أفصحت عنها، ولا يصح ولا يستقيم أدبيًّا وفنيًّا الإفصاحُ عنها للمتلقي أيًّا كان في أوقات محددة؛ إلا بتقنياتٍ خاصة معروفةٍ تناسبُ الموقفَ والشخصيات. ولنطبق هذا الكلامَ على قصتنا “البكاء”، التي سينسحب رأيُنا فيما أعنيه على أشباهِها في أي صِنفٍ إبداعيٍّ مِمَّا ذكرت.
-فالراوي يحدثُنا على لسانِ الأرملةِ العجوزِ بطلةِ القصةِ في مستهلٍّها، بعد أن احتَمَتِ الحَيَّةُ المقطوعُ ذيلُها ببيتِها. فتقول لنفسها: حياتي في دجاجاتي.. فأنا أقايض صاحب الدكان…، إلى وجبات الفلفل..
في ثلاثة أسطر ويزيد، تُحدثنا الأرملةُ العجوزُ عما تفعله مع صاحب الدكان ومقايضته هو والزبّال لتدبير أمورِ معيشتِها وحياتِها. كل ذلك يحدث أمام القارئ أو المتلقي، وكأنها ستقوم بتلك المقايضات والتدابير لأول مرة، بدءًا من لحظة تحدثها مع نفسها في القصة. رغم أنها بديهيًا، قد قامت بالضرورة وتقوم بتلك المقايضات والتدابير من سنين عديدة، أو حتى من يومٍ واحد، أو ساعة واحدة، أو ثانية واحدة، قبل أن تحدثنا عنها في القصة. وعلَيهِ.. فتلك السطور الثلاثة زائدة لا قيمة لها؛ بالإفصاح عنها بتلك الكيفية المعيبة لتقنيات السرد. وعلى الراوي أو كاتب السيناريو، إن رآها مهمة ومؤثرة في الأحداث أو في رسم الشخصية في أحد أو كل أبعادها، أن يتناولها بكيفية أخرى شائعة. فإن كانت في قصة كما هي الآن، وأنا أراها فاعلة لأبعاد شخصية الأرملة (البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي والبعد النفسي)، فلْتكُن على لسان الراوي، لا على لسان الأرملة العجوز، بنفس الكلمات وترتيبها بعد تعديل ضمير المتكلم (الأرملة) إلى ضميره هو(الراوي) طبعًا. والله من وراء القصد.
تقييم قصة(البكاء)
العنوان: 4%
الفكرة: 10%
البداية والخاتمة: 3%
الزمان والمكان: 5%
الحدث: 30%
الشخوص: 8%
المعالجة: 15%
المفردات والتراكيب: 3%
الكثافة: 4%
ــــــــــــــــــــ
الإجمالي: 82%
اثنان وثمانون درجة سردية من مائة
الأجزاء السابقة





